الإثنين , 27 فبراير 2017
الرئيسية » حرم أمير المؤمنين » تاريخ المرقد المطهر » وصف مرقد أمير المؤمنين عليه السلام

وصف مرقد أمير المؤمنين عليه السلام

haram-h4

 

مقتبس من كتاب النجف الأشرف في ذاكرة الزمان للسيد عبد الهادي الحكيم – المبحث الثاني (الأماكن المقدسة والأثرية في النجف الأشرف

المصدر : مكتبة الروضة الحيدرية 

تشرفت بقعة النجف الأشرف باحتضان العديد من المعالم المقدسة والأماكن التاريخية والأثرية. بيد أن معلمها المقدس الأهم هو الحرم العلوي المطهر، وهو ما دعاني لأن أفرد له مكانة خاصة ومكانا خاصا ومساحة أوسع تتناسب ومكانته وقدسيته وكثرة زوار أميره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، الذين يتجاوزون الملايين هذه السنوات في بعض الزيارات الخاصة لما للزيارة عند المسلمين وعند الشيعة بالأخص من حضور روحي محبب يقول أبناء النجف وزواره إن ” الروحانية الكبرى للمزور ونفسيته الممتازة وصفاته القدسية تفيض على نفسية الزائر، فتكتسب منها لتطمئن بعد اضطراب، ولتسعد بعد شقاء، وترجو بعد قنوط، وتشرق بعد تجهم، وربما يحصل ذلك الإنعاش الروحي بمجرد تصور نفسية المزور واستعراض صفائه الممتازة في طواف حول تلك الشخصية الروحية طوافا ذهنيا بدون خصوصية للمكان، ولكن الشيعة لا يكتفون بذلك، بل لا تعد الزيارة الروحية زيارة إلاّ إذا كانت عند تربة المزور، ويركزون عملهم هذا على ركيزتين:

إحداهما: قوله تعالى: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً” فهم يعتقدون أن أرواح المؤمنين لها الحياة ولها الخلود لا تموت ولا تتلاشى.

وثانيهما: أن بين الروح والجسد اتصالا وارتباطا فهما متصلان منفصلان، وأن للروح على تربة المدفون انعكاسا مثل الزجاجة والنور، فروح ذلك العظيم متصلة بمشهده، ومن يحظ بذلك المشهد يدركها إدراكا روحيا فيحظى ويتنور ببعض الأضواء ويرجع الى أهله وفي نفسه قبس من النور المقدس. هذه هي الزيارة، وذلك هو الموسم.(1)

 

خط المرقد العلوي الشريف

خط المرقد العلوي الشريف لأمير المؤمنين وإمام المتقين الإمام علي بن أبي طالب (ع) سنة أربعين للهجرة الشريفة، وقد سوى الإمامان الحسن والحسين (ع) قبره مع الأرض وأخفيا معالم القبر بوصية منه اليهما، وهو على ما يقول الجاحظ ” أول إمام خفي قبره”، وبقي موضع خط المرقد العلوي سرا مكتوما لا يعرفه إلاّ أهل بيته والخاصة من صحبه والصالحين من أتباعه لأسباب عديدة منها كما يبدو جرأة أعدائه الظلمة على نبش قبره (ع) حتى قيل إن الحجاج بن يوسف الثقفي حاول جهده الاهتداء لموضع القبر الشريف فحفر لذلك ثلاثة آلاف قبر في النجف طلبا له ولم يعثر عليه.

أما الخاصة من أهل بيته والخلص من أتباعه فكانوا يتعاهدونه بالزيارة والسلام بعيدا عن أعين الرقباء ” فقد زاره الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام، والإمام عليّ بن الحسين زين العابدين مع ولده محمّد الباقر عليهما السلام، وانشأ عنده الزيارة المعروفة بـزيارة (أمين الله)، وزاره الإمام محمّد الباقر عليه السلام مرّة أخرى مع ولده الصادق عليه السلام، وزاره أيضا زيد ين عليّ (رض) مع أبي حمزة الثمالي وأبي قرة من أصحاب زيد الشهيد، وحين استقدم المنصور الإمام الصادق عليه السلام إلى الحيرة زاره (ع) عدّة مرات يصحبه في كلّ مرّة بعض أصحابه، وأعطى في أحدها نقوداً لصفوان الجمّال لإصلاح القبر (…) وممّن زاره مع الإمام الصادق عليه السلام ولده إسماعيل،ومن أصحابه أبان بن تغلب،ومحمّد بن مسلم،وصفوان الجمّال، ومحمّد بن معروف الهلالي، وسليمان بن خالد، وأبو الفرج السندي، والمعلى بن خنيس، وزيد بن طلحة، وعبد الله الرضوي، والمفضل بن عمر، ويونس ين ظبيان، كما زاره من الأئمة الإثني عشر أيضا: الإمام موسى الكاظم سنة 149هـ، والإمام عليّ بن موسى الرضا سنة 199هـ، والإمام محمّد الجواد سنه 221هـ،والإمام عليّ الهادي 234هـ، (عليهم السلام)وانشأ بعضهم زيارات خاصة عنده، أو أنشأوها ليزور بها أصحابهم (ع) إذا قصدوا المرقد، وهي مدونة مسنده اليهم في كتب الزيارات.

وحين علم المنصور أنّ الإمام الصادق عليه السلام وعددا من أصحابه يوالون زيارة القبر، وكان كغيره من عامّة الناس يجهل موضعه، أراد أن يتأكد من ذلك بنفسه، فذهب منفرداً مع بعض خاصته وخَدمه وأمره أن يحفر في المكان المحدد للقبر، وكان يزوره بعد ذلك يناجيه معتذرا إليه مما يفعله بأبنائه“.

وذكروا: إنّ داود بن عليّ أيضا فعل ذلك، فشاهد كرامة باهرة أخافته، فأمر ببناء القبر وصنع صندوقاً وضعه عليه.

وفي عهد الرشيد ـ وقد خرج للصيد في هذه المنطقة ـ رأى كرامة حملته على أنّ ينعطف ويخشع ويقيم على القبر قبةً بيضاءً،صنع على رأسها جرة خضراء،وكان ذلك في سنة 155 هجرية كما يقول الديلمي أو في سنة 170هـ كما يقول الشيرواني والمستوفي،(2) وكان الرشيد يزوره ويصلّي عنده ويبكي معتذراً إليه، مما كان يصنع المنصور بولده.  

وممّن زار قبر الإمام عليه السلام في تلك الفترة عيسى بن جعفر. ومن الخلفاء زاره المقتفي والناصر،وأطلق عنده صلاتٍ وأموالاً (…)، وزاره المستنصر وعدد لا يحصى من العلماء والسلاطين والشعراء والأعيان.

 

عمارات الحرم العلوي الشريف

ما أن أشهر الإمام الصادق (ع) موضع المرقد الشريف بعد زوال دولة بني أمية من خلال بناء دكّة عليه كما روى بعضهم،حتى تعاضدت على تشييد عمارته أيدي المسلمين المؤمنين والأخيار الصالحين.

وقد مرت عمارة الحرم العلوي المطهر في النجف الأشرف بمراحل خمس أو أكثر- كما يذهب الى ذلك بعض المؤرخين- آخرها العمارة الماثلة اليوم، أما العمارات الأربع التي سبقتها فهي بإيجاز شديد كما يأتي:

 

العمارة الأولى

يروي بعض المؤرخين أن داود بن علي بن عبد الله بن العباس زار المرقد الشريف بين عامي (136 – 145 هجرية) وجعل عليه صندوقا خشبيا كما تقدم.

أما في عهد هارون (149 – 193 هجرية) فقد بنى الرشيد الضريح الطاهر بحجارة بيضاء، وأنشأ عليه رواقا، وأقام على الرواق قبة من طين أحمر،جعل لها أربعة أبواب، ووضع عليها جرة خضراء، وهي العمارة الأولى للحرم العلوي المطهر. وقد اختلف المؤرخون في سنة بناء هذه العمارة فذكر بعضهم أنها أقيمت عام 155 هجرية، وذكر البعض الآخر أنها أقيمت سنة 170 هجرية.

 

العمارة الثانية

وهي عمارة محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، المعروف بالداعي الصغير، ملك طبرستان المقتول في شهر شوال من سنة 287 هجرية، وقد أنشأ عمارته في حدود سنة 273 للهجرة حين زار النجف فبنى على المشهد الشريف حائطا وحصنه بحصن فيه سبعون طاقا. وذكر المؤرخون أن السبب في بناء محمد بن زيد لعمارته هو أن المتوكل العباسي كان قد هدّ عمارة النجف كما هدّ عمارة الإمام الحسين في كربلاء. ثم طور البناء يوم بنى أبو علي عمر بن يحيى القائم بالكوفة قبة بيضاء على القبر الشريف سنة 338 هجرية.

 

العمارة الثالثة

وهي عمارة السلطان عضد الدولة البويهي المتوفى سنة 372 هجرية، فقد بذل عضد الدولة الأموال الطائلة لتشييد عمارة فخمة البنيان للحرم العلوي المطهر،جلب لها من بغداد العصر الذهبي خيرة المهندسين والمصممين والمعماريين والبنائين وذوي الفن والصنعة في دولته، ثم أحضر مواد البناء من صخور وأخشاب وغيرها من أماكنها النائية حيث ما وجدت، وحين أعوزه الطابوق والجصّ لعمارته الفخمة بنى لها قريبا من بئر معروف في بادية النجف مصاهر لما يحتاجه منها، كما حفر قناة للماء من نهر الفرات في الكوفة الى حيث النجف الأشرف، ثم أقام رواقا مرتفعا عقد عليه قبة بيضاء.

كما بنى عضد الدولة البويهي غرفا عديدة ويوانات رائعة، ثم حين تمّ للسلطان ما أراد، عقد عضد الدولة في بهو الحرم المطهر وتحت رواقه البهي مهرجان افتتاح عمارته الفخمة، داعيا اليه الأمراء والعلماء والنقباء والوجهاء والشعراء والأدباء، وفي هذا البهو الزاهي ألقى الشاعر الحسين بن الحجاج قصيدته المعروفة التي مطلعها:

ياصاحب القبة البيضا على النجف

من زار قبرك واستشفى لديك شفي

ومنها

إني أتيتك يا مولاي من بلدي
راجٍ بأنك يا مولاي تشفع لي
لأنّك العروة الوثقى فمن علقت
وأنك الآية الكبرى التي ظهرت
بحب حيـدرة  الكـرار مفخرتي

مستمسكا بحبال الحق بالطرف
وتسقني من رحيق شافي اللهف
بها يداه فلن يشقى ولم يخف
للعارفين بأنواع من الظرف
به شرفت وهذا منتهى شرفي (3)

وهذه العمارة الفخمة هي التي رآها الرحالة ابن بطوطة أثناء تشرفه بزيارة النجف سنة 727 هـ كما تقدم وكتب عنها في رحلته واصفا إياها بكونها:

” معمورة أحسن عمارة، وحيطانها مزينة بالقاشاني، وهو شبه الزليج عندنا لكنّ لونه أشرق، ونقشه أحسن، وإذا ما دخل زائر يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضّة وكذلك العضادتان، ثمّ يدخل بعد ذلك إلى القبة، وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة، منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مسطبة مربعة، مكسوّة بالخشب، عليها صفائح الذهب المنقوشة المُحكمة العمل، مسمّرة بمسامير الفضة، قد غلبت على الخشب، لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور، يزعمون أن أحدها قبر آدم (عليه السلام)، والثاني قبر نوح (عليه السلام)، والثالث قبر الإمام علي (عليه السلام).

وبين القبور طشوت ذهب وفضة، فيها ماء الورد والمسك، وأنواع الطِيِب، يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن بها وجهه تبرّكاً، وللقبة باب آخر، عتبته أيضاً من الفضّة، وعليه ستور الحرير الملوّن، يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان، مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربع أبواب عتبتها فضة، وعليها ستور الحرير “.

 

العمارة الرابعة

وهي العمارة التي نفذها أكثر من سلطان من السلاطين،حيث لم تقتصر عمارتها على واحد بعينه منهم كي تسمى باسمه، فقد اجتهد في تشييدها وتحسين القائم المبني منها بعض سلاطين البويهيين ووزرائهم ثم الحمدانيين ثم بعض من متشيعي الخلفاء العباسيين كالمستنصر والعديد من وزرائه.

وقيل إن هذه العمارة أقيمت بعد احتراق عمارة عضد الدولة البويهي المتقدم ذكرها وذلك في سنة 755 هجرية. ذلك أن الحريق الكبير لم يأت عليها بالكلية، فقد احترقت أجزاء كبيرة منها وبخاصة جدرانها التي كانت موشاة ومزخرفة بالخشب الساج المنقوش بأبهى النقوش وأحلاها، وقد تم تجديدها سنة 760 هجرية بعد خمس سنوات من الحريق، واستمر التطوير والتشييد على مراحل وأزمنة مختلفة بعد هذا التاريخ حتى شيدت العمارة الحالية.

 

العمارة الخامسة

وهي العمارة القائمة اليوم، وتدعى بالعمارة الصفوية، وقد شيدت في أوائل القرن الحادي عشر الهجري الموافق لعام (1637) م، يوم زار الشاه عباس الصفوي العتبة الشريفة، فأمر بتجديد القبة المطهرة، وتوسيع بناء الحرم العلوي، وجلب لذلك المهندسين المهرة والمعماريين البارعين والبنائين المتميزين من أهل الخبرة والجودة والفن، واستحضر من ذوي الصنعة ما شاءت له همته أن يحضر، فبذلوا جهدهم في تشييد عمارة الروضة المطهرة حتى أتموها على غاية من الروعة والجمال بعد ثلاث سنوات من العمل المضني الممضّ،وقد كان للعالم الجليل الشيخ البهائي الملم بعلوم عديدة ومنها الهندسة إضافة لتخصصه في علوم الشريعة دور مشهود في هندسة هذه العمارة وتشييد قبتها. وقد ألف رسالة في ذلك،ثم استمر العمل بتحسينها وترميمها طيلة المدة الفاصلة بين تشييدها واليوم.

ومما يجدر ذكره أن العمارة الصفوية حين شيدت كانت خلواً من كل تزيين، “وإذ زار السلطان” نادر شاه مدينة النجف أمر أن تكسى القبة الموقرة بالإبريز (الذهب الخالص) (…) وأمر بأن تكسى المئذنتان والإيوان وأن تطلى الكتابة الممنطقة للقبة من داخلها بالميناء والفسيفساء”(4) وذلك في
سنة 1156 هجرية وقد ثبت تأريخ تذهيب القبة والروضة كتابة بالحروف الذهبية على جبهة الإيوان الزاهي .

 

وصف العمارة الحالية للحرم وهي الخامسة

يعدّ الحرم العلوي المطهر بعمارته البهية أبرز معلم من معالم مدينة النجف الأشرف، ويقع وسط مدينتها القديمة تماما، ويضم الحرم العلوي: الصحن الشريف، والروضة الحيدرية المطهرة بقبتيها الداخلية والخارجية، ومئذنتيها المذهبتين، وخزائنها النادرة، ومكتبتها العامرة، وملحقات أخرى عديدة سآتي على ذكر أهمها باختصار.

 

الصحن العلوي الشريف

ما أن يقبل الوافد على النجف الأشرف حتى يخطف بصره مشهد الحرم العلوي المتلاليء وهو محاط بسور طابوقي خارجي مزخرف ومزين بتقاطعات من الطابوق تتداخل وتتعانق فيما بينها مكونة أشكالا هندسية متقابلة ومتناظرة مطرزة بإطار شذري اللون براق يأسر أنظار المقبلين عليه ويشدّها شداً اليه فلا تكاد تفارقه حتى تجد نفسها وجها لوجه قبالة باب من أبواب الصحن الحيدري الشريف.

أبواب الصحن العلوي الشريف

للصحن الحيدري الشريف خمسة أبواب هي:

 

باب القبلة أو الباب الجنوبي

سمي هذا الباب بباب القبلة لمواجهته القبلة الشريفة،ويقع وسط السور الخارجي في الجهة الجنوبية من الحرم المطهر مقابل شارع الرسول (ع)، وقد رصعت جبهة الباب المزدانة بالزخارف سورة الضحى وسورة الإخلاص والآية القرآنية الكريمة من سورة الزمر: ” بسم الله الرحمن الرحيم وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها آمنين “.

 

الباب الكبير أو الباب الشرقي

يقع هذا الباب وسط الجهة الشرقية للحرم العلوي المطهر، وقد يطلق عليه أيضا اسم باب الساعة لوجودها فوقه. وقد كتبت في الجهة اليمنى من الباب عدة أبيات من قصيدة الشاعر الحسين بن الحجاج الفائية المتقدمة التي مطلعها:

يا صاحب القبة البيضا على النجف
 

من زار قبرك واستشفى لديك شفي

 

كما كتب على الجهة الشمالية للباب بيتان للشاعر أبي الحسن التهامي هما:

تَزَاحمُ تيجانُ الملوك ببابه
إذا ما رأته من بعيد ترجَّلت
 

ويكثر عند الاستلام ازدحامُهَا
فإن هي لم تفعل ترجَّل هامُهَا

 

باب مسلم بن عقيل

يقع هذا الباب في الجهة الشرقية للحرم المطهر أيضاً، وهو أصغر من الباب الكبير المتقدم ذكره، وقد تم فتح هذا الباب أول مرة سنة 1252هجرية ويلحظ الداخل من هذا الباب على واجهته المزخرفة بزخارف إسلامية رائعة البيتان التاليان:

جلّ باب شاد الإله بناه
صل اليه واعقل رجاك لديه

فهو يهدي الى سواء السبيل
إنه باب مسلم بن عقيل

باب الفرج أو الباب الغربي

يقع هذا الباب في الجهة الغربية للحرم المطهر وقد يطلق علية النجفيون أيضا اسم باب العمارة نسبة الى محلة العمارة المقابلة له وهي إحدى أهم المحلات الأربع لمدينة النجف الأشرف القديمة، وقد نقش على جبهة هذا الباب المزخرف بأجمل الزخارف الإسلامية وأبهاها البيتان الشعريان التاليان:

يا شاكياً كرب الزمان وحزنه
دع عنك أبواباً تريد سلوكها

 

ياغارقاً في الهم أعيته الحججْ
واقصد عليَّاً سالكاً باب الفرجْ

 

الباب الشمالي أو باب الطوسي

يقع هذا الباب وسط الجهة الشمالية للحرم العلوي المطهر، وسمي هذا الباب بباب الطوسي لأن الخارج منه يواجه شارع الطوسي المنتهي بمقبرة وادي السلام الشهيرة حيث تقع على يسار الذاهب اليها مقبرة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، وقد نقشت على جبهة  باب الطوسي الأمامية سور النصر والإخلاص والكوثر محاطة بزخرفة إسلامية بديعة. ومعلوم أن الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هجرية كان هاجر من بغداد الى النجف الأشرف ليؤسس أو يطوّر حوزتها الدينية الشهيرة تطورا نوعيا مشهودا.

وما أن يجتاز الزائر عتبة الصحن العلوي الشريف من أحد أبوابه الخمسة المتقدمة حتى تخشع روحه مستذكرة تقوى وعدل وزهد وشجاعة وبأس وحكمة خليفة رسول الله وإمام المتقين علي أمير المؤمنين (ع)، ويعد الباب الشرقي الباب الرئيسي للصحن الحيدري المطهر، وقد شيدت بابه على ساعة أهداها الوزير أمين السلطان سنة 1305هجرية، وتعلو باب الساعة قبة مطلية بالذهب الخالص تتربع على عرشها ساعة مهيبة ذات أربعة أوجه بداخلها جرس ناقوسي ضخم يسمع رنين دقاته أبناء المدينة القديمة قاطبة.

ويتكون الصحن الحيدري الشريف – الذي تقرب مساحته من ثمانية آلاف متر مربع- من طابقين باستثناء أربعة ايوانات جميلة متقابلة ذات طابق واحد شاهق بارتفاع الطابقين كليهما، ينعقد من كل إيوان من الايوانات الأربعة المتقابلة قوس مطوي بما يشبه الإطار،حيث يقع الإيوان الأول منها – وهو المقتطع أصلا من رواق عمران بن شاهين- في الجهة الشمالية، ويقابله الإيوان الثاني الذي يسميه النجفيون إيوان العلماء، بينما يقع الإيوان الثالث في الجهة الجنوبية، ويسميه النجفيون بإيوان الحبوبي بعد أن دفن فيه المرجع المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي، أما الإيوان الرابع الذي يسميه النجفيون إيوان ميزاب الذهب كونه يعلوه ميزاب ذهبي اعتاد المؤمنون أن يسألوا الله تحته فتستجاب دعواتهم.ويقع هذا الإيوان في ظهر الحرم العلوي.

ويمتد الصحن العلوي الشريف الحالي على مسافة (6300) متر مربع تضم (58) إيوانا يرقد في كل إيوان جثمان شخصية إسلامية معروفة. ويتكون الصحن من طابقين مزخرفين بأحلى زخرفة وأبهاها، بني  في الطابق الأول منهما (78) غرفة، وشيد في الطابق الثاني منهما (77) غرفة أعدت كلها لتكون سكناً لطلاب العلوم الدينية الوافدين الى النجف الأشرف للدراسة.

يبلغ ارتفاع الصحن الحيدري المستطيل الشكل (17) م، وطول كل من ضلعيه الشرقي والغربي من الخارج 84 م، ومن الداخل 77م، ويبلغ طول ضلعه الشمالي من الخارج 84 م، ومن الداخل 72م، بينما يبلغ طول ضلعه الجنوبي من الخارج 75 م، ومن الداخل 72م، والصحن بمجموعه مزدان الجدران بالحجر القاشاني الملون المزين بأبدع النقوش والزخارف والرسوم والخطوط حيث كتبت ببهاء وضّاء على حواشي جدرانه العليا الزرقاء الرائعة الجمال بخط النسخ آيات كريمة من الذكر الحكيم بلون ناصع البياض وبأحجام من الحروف فخمة كبيرة.

“وقد بلط الصحن في أول إنشائه ثم جدد تبليطه مرارا، وفي عام 1325 للهجرة شرعت الحكومة العثمانية بترميم وتجديد قاشاني الصحن، وتوجد في الصحن والقبة والأروقة والإيوان الذهبي مجموعة من تواقيع الملوك والوزراء والعلماء والأمراء المنقوش على الآثار والنفائس والتحف حتى أصبحت تلك التوقيعات من أهم آثار النجف التاريخية، فلو أريد نزعها وجمعها لكونت كتابا نفيسا، ومنها المنقوش على الحجارة، ومنها المحاك في البسط والسجاد، ومنها المحفور على الفصوص والأحجار، ومنها ما هو مذيل في أخريات الكتب والمصاحف ” (5) عسى أن يولي المسؤولون عن العتبة العلوية المقدسة هذا الجانب أهميته التي يستحقها إن شاء الله.

وقد أحصي مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف فقط، فكانوا (445) فقيهاً، و(10) كتاب، و(21) شاعراً و(11) فاضلاً، و(4) أطباء، و(14) خطيباً، و(3) نسابين، و(2) من الفلاسفة(6).

ثم ان الصحن العلوي الشريف يقود زائره الى بهو يبلغ طوله (33)م، يرتفع عن أرضية الصحن الشريف بمقدار متر واحد، وهو يحتضن بداخله إيوانا مكسواً بالذهب الخالص تعلو جبهته كلمات عربية بأحرف ذهبية أرّخت لتذهيب القبة والمئذنتين والإيوان الفخم كما سيأتي وقد ضم الإيوان العديد من قبور العلماء الأفاضل لعل من أشهرهم العلامة الحلي المدفون في غرفة كائنة على يمين الداخل الى الرواق وكذلك المقدس الأردبيلي المدفون في غرفة كائنة على يساره.

 

المئذنتان الذهبيتان

تقع على جانبي الإيوان الذهبي الرائع مئذنتان مذهبتان يبلغ ارتفاع كلّ منهما (35) م، ومحيط قاعدة كلّ منهما ما يقرب من (8) م، وقطرها (2.5) م مغلفة كل مئذنة منهما ب (4000) طابوقة ذهبية وقد كتب في أعلى المئذنتين آيات من سورة الجمعة الشريفة.

 

الرواق المطهر

حين يدلف الزائر من الإيوان الى داخل الروضة الحيدرية الشريفة- مندهشا عبر باب ذهبي كبير مطعّم بما يبهر الناظر من أزهار وتقاسيم وخطوط وزخارف وتلوينات – يدخل وسط بهو رواق مستطيل الشكل يحيط بالروضة المطهرة يبلغ ارتفاعه (17) م، و طول ضلعه من الشمال الى الجنوب (31مترا ونصف)، ومن الشرق الى الغرب (30) م. والرواق مكسوّ الجدران والسقف بالمرايا المختلفة الأشكال والألوان والأطوال والأحجام متعاضدة ومتشابكة، وهي تكوّن مع قطع الفسيفساء الجميلة المتعانقة والمتآلفة لوحة فنية نادرة المثال.

وهو أول رواق ممرد حيث تم تمريد الروضة كلها عام 1156هجرية وقد أرخ الشعراء هذا التمريد بالتاريخ الأبجدي الحسابي التالي: ” صرح ممرد من قوارير”

ويقع في وسط الرواق بابان متقابلان يسلمان الزائر الى عمق الروضة الحيدرية المطهرة.

 

الروضة الحيدرية الشريفة

الروضة المطهرة مربعة الشكل، طول كل ضلع من أضلاعها الأربعة (13) م، وبارتفاع يبلغ (17) م، وهي مزدانة الجدران بالمرايا الملونة المتعاضدة والمتوائمة والمطرزة بالفسيفساء المعشّق بما يبهر الزائر، والروضة مفروشة الأرضية بالرخام الصقيل، محزَّمة الجدران لما فوق قامة إنسان ببريق الرخام الملوّن وصفائه،وما أن يخطو المرء أولى خطواته داخل الروضة الحيدرية حتى يتلقف الداخل وهج المرايا الملونة ذات الأشكال الهندسية المتناظرة التي لا تكاد تفارقك حتى تنفتح على أبواب أربعة، اثنان منهما ذهبيان مطّعمان بالميناء من الجهة الشرقية، واثنان كذلك من الجهة الشمالية.

ويتوسط الروضة الحيدرية المقدسة الضريح العلوي الطاهر، حيث يحيط به شباك رائع الجمال يحتوي على (10) آلاف غرام من الذهب الخالص مركبة على (مليوني) غرام من الفضة الخالصة بأمر من القاجاريين، وقد وضعت في أعلى كل جهة من جهات الضريح المقدس المتقابلة مجموعة من القناديل الذهبية المتلاصقة، وفي كل ركن من أركانه الأربعة رمانة من الذهب المتلأليء، وقد كتبت على الضريح المطهر القصيدة العينية الشهيرة في مدح الإمام علي (ع) من شعر ابن أبي الحديد المعتزلي شارح: كتاب ” نهج البلاغة ” للإمام علي بن أبي طالب(ع) تتخلل كتابتها أسماء الأئمة الاثني عشر(ع).

يعلو القبر المقدس صندوق خشبي بطول خمسة أمتار، وعرض ثلاثة أمتار، وارتفاع مترين تقريباً. وقد استغرق العمل في إعداده بأمر من القاجاريين أربع سنوات ابتداءاً من عام 1198- 1202هجرية، والصندوق مصنوع بدقة فائقة من الساج المطعم بالعاج والذهب والفضة، وقد كتبت عليه من الجهة الجنوبية بالعاج المطعم أيضا بالذهب والفضة سورة: “هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراً”، وسورة “إنا أنزلناه في ليلة القدر”، وسورة: “سبح اسم ربك الأعلى”. بينما كتبت على الجهة الشمالية منه سورة: “الملك”، وكتبت على الجهة الشرقية منه سورة: “النبأ” وسورة: “العاديات”، كما كتبت على جهة الرأس الشريف منه: “خطبة النبي (ص) في غدير خم” إضافة لبعض الأحاديث النبوية الشريفة الأخرى التي وردت في حق الإمام علي (ع).

وقد وضع على الصندوق الثمين تاج ذهبي موشى ومرصع بالجواهر الثمينة والأحجار الكريمة النادرة المثال.

ويتدلى من سقف القبة الداخلية فوق الضريح المطهر قنديل معلق بسلسلة من الذهب الخالص مرصع بأثمن الأحجار الثمينة النادرة ومن جملتها ماسة كبيرة لا تقدر بثمن طالما بهرت عيون ناظريها وأسالت لعاب اللصوص وتجار الجواهر الثمينة فحاولوا سرقتها، غير أن الله رد كيدهم الى نحورهم، من ذلك مثلا ما حدث في أوائل القرن العشرين قبل نشوء المملكة العراقية حين أغرى بعض التجار الأوربيين لصاً من لصوص بغداد الأذكياء بمبلغ كبير إن استطاع أن يستل هذه الماسة من موضعها ويأتيهم بها، فرسم اللص خطته وكادت أن تنجح إلاّ أن الله سلّم، فألقي القبض على اللص في سطح الصحن الشريف ومعه الماسة النادرة، وفي التحقيق معه من قبل السلطات التركية ذلك الوقت، اعترف السارق بمحاولته ومن وراءها وذكر أسماء بعض الوسطاء ممن غرروا به لكي يقدم على ارتكاب هذا الفعل الشنيع. ومنذ ذلك الوقت والسلسلة الذهبية هذه مربوطة بعدة سلاسل من وسط القبة تحوطا لما قد يحدث مثلما حدث.

القبتان الخارجية والداخلية للحضرة العلوية الشريفة

لقد بنيت فوق القبر الشريف قبتان كبيرتان: قبة خارجية بهية، بيضوية الشكل الى حد ما، ذات أفق رحب يبلغ سمك جدارها (80) سم، بينما يبلغ محيط قاعدتها (50) م، وطول قطرها (16) م، وارتفاعها عن سطح الضريح الطاهر (42) م، وقبة داخلية مستديرة سمك جدارها
(60) سم، وقطرها (12) م، وارتفاعها عن سطح الأرض(35) م، والقبة الداخلية محاطة بشبابيك أنيقة يبلغ تعدادها (12) شباكاً تزخرف كل شباك منها قطع الفسيفساء الرائعة، وتزينها أسماء موشاة للأئمة المعصومين عليهم السلام، مرصعة بجلال من آيات القرآن الكريم على جلالها، ومطوقة بجمال مقطوعات من الشعر العربي في مدح الإمام العادل أمير المؤمنين(عليه السلام)على جمالها، مضفية عليها روعة على روعتها، وأناقة على أناقتها، وقد تقاسمت باطن القبة الشريفة ثلاث سور قرآنية كريمة تصدرتها سورة “الجمعة” مؤرخة كتابتها في سنة (1156)هجرية، وتوسطتها سورة “عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم” وبعض أبيات من عينية ابن أبي الحديد مارة الذكر، بينما كتبت السورة الثالثة بما يعلو ذراعا فوق قامة الرائي فكانت سورة “هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراً” وهي مؤرخة في (1121) هجرية، وبذلك فقد كانت كتابة سورة ” هل أتى ” أقدم كتابة موجودة في الحرم العلوي المطهر.

هذا وقد طليت القبة الخارجية المطهرة بالذهب الخالص على شكل قطع من طابوق متوهج اللمعان مربع الشكل طول كل ضلع من أضلاعه (20) سم، وقد أتقن مهندسه صنعه وأجاد تقسيمه كي يكون صافي عدد طابوق القبة التفصيلي (7777) طابوقة ممنطقة بسورة مباركة هي سورة: “إنا فتحنا لك فتحا مبيناً”، وقد ختم كاتبها كتابة النطاق باسمه وأرخها فكان تاريخ كتابة النطاق في سنة (1156) هجرية. وقد أعيد تذهيب القبة مجدداً من قبل الحاج محمد رشاد مرزة أحد أبناء مدينة النجف الأشرف في عام(1972) م.

وقد بوشر هذه الأيام بمشروع توسعة الصحن المطهر من جهته الغربية الواقعة بين الصحن الشريف والمرقد المعروف بمرقد صافي صفا لتضاف الى الحرم العلوي مساحة تصل الى 1200متراً مربعا وقد تم الحصول على منطقة النفق كاملة وتم تسييجها وضمها كوقف لأمير المؤمنين، مع التأكيد على تثبيت أسماء المقابر التي ستدخل ضمن نطاق التوسعة الجديدة على المرمر الجديد.

كما بوشر أيضا بمشروع المرافق الصحية ذات الطابقين في الجهة الغربية من الصحن العلوي الشريف. كما تم افتتاح مطعم خاص بالروضة الحيدرية.

هذا ومما يلفت النظر حقا أن هندسة الروضة الحيدرية المطهرة قد روعي فيها أمران استطاعت براعة المصممين المعماريين انجازها بشكل دقيق كشف عن مهارة هندسية عالية، وهذان الأمران – إضافة الى ما تقدم من أن عدد الطابوقات الذهبية التي غطت القبة الخارجية للحرم المطهر قد صممت لتكون (7777) طابوقة بالضبط، وأن عدد الطابوقات الذهبية التي غطت كل مئذنة من مآذن الحرم العلوي قد صممت لتكون (4000) طابوقة بالضبط – هما:

أولهما: إن التصميم راعى في شكل البناء أنه كلما وصل الظل إلى نقطة معينة عرف الإنسان أن الشمس قد زالت وإن وقت الظهر قد حان في تلك اللحظة، ولا يختلف ذلك الأمر عما إذا كان الوقت صيفاً أو شتاءً.

ثانيهما: إن الشمس كلما طلعت فإنها تطلع وتشرق على الضريح المقدس مباشرةً سواءً أكان طلوعها في فصل الصيف أو في فصل الشتاء.

وتحكيم هذين الأمرين – كما هو معلوم – صعب عادة يحتاج إلى كثير من الدقة والمعرفة.

 

خزائن المرقد العلوي الشريف

يحتوي المرقد العلوي المطهر على خزائن لا تقدر بثمن،أهديت محتوياتها في فترات مختلفة منذ القدم، وهذه الخزائن لا تفتح إلاّ للخاصة من الناس وفي ظروف خاصة، من ذلك أنها فتحت مرة للسلطان ناصر الدين شاه في أواخر القرن الثالث عشر الهجري بعد أن صدرت الإرادة الملكية بأن تفتح للسلطان الخزانة، لما تقرر حينها من أن الخزانة لا تفتح إلاّ بإرادة ملكية، وكان ناصر الدين شاه قد جلب بمعيته خبيرا مشهوداً له بمعرفة الأحجار الكريمة والنوادر والتحف الأثرية كما أحضر معه السيد علي آل بحر العلوم من علماء النجف الأشرف ومعهم خازن المرقد العلوي الشريف،ومن ذلك أيضا أن الخزانة فتحت مرة أخرى من قبل متصرف لواء كربلاء السيد صالح جبر بحضور ممثل عن علماء النجف الأشرف وخبير متخصص إضافة الى الخازن كما فعل في المرة السابقة، وبعد جرد محتوياتها وضعت الخزانة في صندوق حديدي مع سجل بمحتوياتها الى جانب السجل الذي وقّع عليه السلطان ناصر الدين شاه في ختام زيارته التي تحدثت عنها سابقاً.

وفي الحرم العلوي الشريف أربع خزائن تقاسمت نفائسه، منها خزانة تحت الأرض جنب المنارة الجنوبية، وثانية في الضريح المقدس نفسه، وثالثة في بيت داخل الصحن الشريف خصصت لحفظ الكتب، وخزانة رابعة في جدار الروضة الحيدرية الكائن في الرواق الجنوبي من الحرم العلوي المطهر.

ولعل أهم هذه الخزائن هي الخزانة الموضوعة جنب المنارة الجنوبية “وأكثرها من هدايا نادر شاه منها خمسة قناديل مثبتة بفصوص ثمينة وسادس تلك القناديل معلق بسلسلة ذهبية فوق الضريح المقدس، وفي الخزانة مجمر من ذهب وضع فيه ستة أحجار من الياقوت الأحمر تشع وتلتهب كأنها الجمر، وفيها عقد كبير من الماس كتب عليه “نادر”، وفيها فصوص وأحجار ولآلئ”.(7)

وقد فتحت هذه الخزانة مرة للباحثة الدكتورة سعاد ماهر محمد من جمهورية مصر العربية عام (1385)هجرية بتكليف خاص، فكتبت كتاباً عما شاهدته وصورته من هذه التحف والهدايا النادرة، مفردة لكل نوع من التحف فصلا خاصا به، ملحقة به صورة أو تخطيطا توضيحيا لكل صورة من صور محتويات تلك الخزانة الثمينة، مع وصف تفصيلي لها، وتحديد لمناشئها، وقياس لأبعادها وما الى ذلك من خصوصياتها، وقد أسمت الباحثة كتابها باسم ” مشهد الإمام علي في النجف وما به من الهدايا والتحف “، وقد تولت طبعه مطابع دار المعارف بمصر سنة (1969) م.

ولقد بلغ تعداد محتويات الخزانة هذه التي فتحت للباحثة المصرية (2020) تحفة فنية رائعة، أغلبها ذات قيمة أثرية يرجع تاريخ بعضها الى القرن الرابع الهجري، حيث أهدى عضد الدولة البويهي سنة (356) هجرية غطاء لقبر الإمام علي (ع) مصنوع من الحرير والدمقس يعد آية من آيات النسج البهي والزخرفة والتطريز والتناسق، إضافة الى (447) تحفة أخرى منسوج كثير منها بخيوط من الذهب ومرصع بالأحجار الكريمة كالياقوت والزمرد والفيروز والماس واللؤلؤ وغيرها، ومن جملة هذه التحف النادرة ستارتان منسوجتان مطرزتان بالكلبدون واللؤلؤ منقوشة حواشيها بأبيات من الشعر الفارسي الجميل، وهي مهداة من السلطان ناصر الدين شاه إيران ووالدته، وفي الخزانة أيضا (420) تحفة معدنية مرصعة بالجواهر المتعددة الألوان والأحجام كالياقوت والزمرد واللؤلؤ والماس والفيروز والدر والعقيق، منها تيجان وقلائد وسيوف مرصعة بالأحجار الكريمة وأشباهها، ومن نفائس هذه المجموعة خمسة قناديل أهداها نادر شاه مثبت فيها أحجار كريمة وفصوص ثمينة وضعت فوق الضريح المبارك بحيث يستطيع زائر الإمام(ع) مشاهدتها من خلال فصوص الشباك الفضي المحيط بصندوق القبر الطاهر.

وفي الخزانة أيضاً (325) سجادة نادرة الوجود معدومة المثيل معظمها مؤرخ بتاريخ صنعها مما يضفي عليها قيمة تاريخية الى جانب قيمتها الفنية، منها على سبيل المثال سجادة نسجت في عهد الشاه عباس الصفوي (1586- 1628)م، وقد سمى نفسه بما أثبته كتابة على هديته من أنه – وهو الملك – “كلب علي بن أبي طالب” اعتزازاً وافتخاراً بأمير المؤمنين(ع)، وهي طريقة للتعظيم متبعة تلك الآونة، وفي الخزانة أيضا (121) تحفة زجاجية بعضها من البلور النادر المثال إضافة الى عقد ماس كبير كتب عليه اسم مهديه وهو الملك ناصر شاه، وفيها أيضا (156) تحفة خشبية مزخرفة وموشاة حفرت على بعضها قصائد شعرية في مدح الإمام العادل علي أمير المؤمنين (ع).

ويصف الشيخ علي الشرقي مشاهداته لبعض ما في الحرم الشريف من نفائس إثر السماح له استثناء بمشاهدة بعضها فيقول: ” وقد رأيت كسوة تاريخية للصندوق وهي ثوب من اللؤلؤ المنظوم بأسلاك ذهبية وفضية يقال أنه من عهد البويهين، (…) وقد رأيت من النفائس سجادا بديعا غاية في الابداع قد نسج من الإبريسم ولباب الصوف يقيس في الطول أكثر من مترين تقريبا وأكثر من المتر بقليل في العرض، وقد وضع بشكل محراب للمصلى وله إطار مكتوب نسجاً بآية الكرسي وبأحسن خط وفي أعلاه نسجت صورة أسد يرمز بها الى أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الجانبين نسجوا إحدى عشرة صورة يرمزون بها للائمة من أولاده وأحفاده ونسجوا على ذلك السجاد سورتي الحمد والتوحيد والتسبيحات التي ترد في الصلاة والتشهد والتسليم، ورأيت أربع قطع من السجاد النفيس المنسوج من الإبريسم وهو عمل بعض الأميرات الصفويات وقد نسجن تواقيعهن وتواريخ النسج، ورأيت نسخة للقرآن الكريم بخط البرنس إسماعيل الصفوي وبتاريخ 991 للهجرة وعليها غلاف أفرغ من ماء الذهب المذاب وقد نبّت بالأحجار، ورأيت نسخة ثانية على كرسي من العاج المرصع بالحجر الثمين وقد لُفّ بثوب من الإستبرق موشى بأسلاك الذهب في فن خارق وصناعة بارعة وغلاف ملون بالفسيفساء والميناء وهو غاية في جودة الخط بالقلم النسخي وليس فيه مادة للتاريخ، ورأيت ثالثة على كرسي مبرقع وهي بتلك النفاسة التي نوهنا عنها وعلى هذه النسخة تفسير بالفارسية وقد استخدم في كتابتها وتنقيحها كثير من الأصباغ ومحلول الذهب فكانت من أبدع الآثار الخطية “.(8)

وهناك في الخزائن مما لا يوصف لجماله وروعته الكثير الكثير، وهو ما فتح شهية اللصوص الطامعين.

لذلك ولغيره ولأسباب أخرى طائفية مقيتة تعرضت خزائن الروضة الحيدرية الى محاولات عدة للاستيلاء عليها من الإرهابيين التكفيرين أو من الحكام الظلمة أو من المسؤولين- غير المسؤولين- بحجج مختلفة وأعذار شتى، نجح بعضها للأسف وفشل البعض الآخر، من ذلك محاولات قام بها بعض الغزاة الوهابيين كما فعلوا بكربلاء المقدسة يوم قتلوا مئات ممن قتلوا ونهبوا من التحف والجواهر النادرة ما نهبوا كما تقدم.

وحين عرف مراجع النجف الأشرف ما أقدمت عليه عصابات الجريمة المنظمة من الوهابيين من سرقة وقتل وأفعال منكرة بحق الأضرحة المقدسة في كربلاء وما عزمت عليه من التوجه الى النجف الأشرف للقيام بجرائم مثيلة أمرت المرجعية بمعونة الشرطة العثمانية بنقل ” هذه النفائس من النجف الى الكاظمية في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة خوفا عليها من الوهابيين (…)، وبقيت في الكاظمية أربع سنوات يقوم عليها الحرس وقد حملتها أربع طوابير من الجنود العثمانية، ولعلهم أول جنود للعثمانيين دخلوا النجف ثم أعيدت تلك الذخائر الى محلها “.(9)

ومن محاولات الاستيلاء على خزائن المرقد العلوي المقدس ما أورده المؤرخون من أن والي بغداد العثماني مدحت باشا الذي عين واليا على بغداد في الثلاثين من شهر نيسان من عام 1869م ” لم يكن قادرا على تحقيق مشروع كان عزيزا عليه وهو بيع خزائن النجف “.(10)

ويشير بعض المؤرخين أن مدحت باشا كان يضمر لخزائن المرقد العلوي الشريف ما يضمر من نوايا سيئة، غير أن الله رد كيد هذا الوالي الى نحره ولم يمكنه من تنفيذ مشروعه، بيد أن أمر بيع كنوز الروضة الحيدرية وباقي العتبات المقدسة الأخرى لم يقتصر على هذا الوالي العثماني وحده، بل ظل حلما يراود مخيلة العثمانيين من غيره أيضا، فقد ورد في تقرير رسمي ” ان الأتراك كانوا قد قرروا مصادرة محتويات ” الخزائن الموجودة في العتبة المقدسة للإنفاق على شؤون الجهاد بعد واقعة الشعيبة التي خسر فيها الأتراك المعركة أمام الانكليز بعد احتلالهم للعراق “.ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور.(11)

 

مكتبة الروضة الحيدرية الشريفة

في الروضة الحيدرية المطهرة مكتبة عريقة يرجع تاريخ تأسيسها الى ما قبل القرن الرابع الهجري ومما يؤيد ذلك ما ذكره المؤرخون من أن السلطان الشاعر والمحدِّث عضد الدولة البويهي المتوفى عام 372هجرية اهتم بهذه المكتبة الأثرية كثيرا.

ولا غرو فقد ضم مخزنها ” من الكتب الثمينة النادرة الوجود ما لم يوجد في غيره، وأغلبها بخط مصنفيها أوعليها خطوطهم (…) ولم يوجد فيها ما هو مخطوط في القرن العاشر، بل كلها ما قبله، فهي من النفائس التي لا يوجد لها نظير، وفيه مصاحف ثمينة لأشهر الخطاطين محلاة بالذهب، وهي من هدايا سلاطين الشيعة ووزرائهم في مختلف العصور مختلفة الخط، ففيها الكوفي والأندلسي واليماني “.(12)

وقد شب حريق كبير في الروضة العلوية المطهرة في أواسط القرن الثامن الهجري ففي سنة 755 هجرية أتى على أغلب كتب وتحف ونفائس الروضة المقدسة،ومنها مصحف بثلاث مجلدات بخط الإمام أمير المؤمنين علي (ع) مع عدد كبير من مخطوطات الروضة النادرة، فأعاد تأسيسها السيد صدر الدين بن شرف الدين بن محمود بن الحسن بن خليفة المكي المعروف بالآوي مستعينا عليها بفخر المحققين محمد بن الحسن الحلي المتوفى عام 771 هجرية، فأعاد للمكتبة العلوية ثراءها العلمي حتى بلغت كتبها عشرات الآلاف، وسميت يومها بـ ” الخزانة العلوية “.

وقد تعاقب على إدارة هذه المكتبة الغنية عدد من كبار العلماء والمحققين منهم:

يحيى بن عليار، وهو من محدثي القرن السابع الهجري المعروفين، ومحمد بن أحمد بن شهريار المعروف بالخازن لخزانة أمير المؤمنين، من محدثي القرن السابع الهجري أيضا، وعلي بن إبراهيم الغطاوي من علماء القرن العاشر الهجري، وعالم النسب محمد حسين الكتابدار من علماء القرن الحادي عشر، وعبد الرزاق كتابدار الروضة الحيدرية من كتاب القرن الثاني عشر الهجري، وعلي بن الشيخ جعفر خضر الكتابدار من رجال القرن الثالث عشر الهجري وغيرهم.

كما تناوبت على ” الخزانة العلوية ” فترات مختلفة تفاوتت بين الخصب المعرفي والجفاف، بيد انها بقيت حتى أزمان الجفاف محط اهتمام الباحثين والمحققين، ولقد ذكر بعض المحققين أن النجفيين في حدود عام 1920 يذكرون أنه كان على رفوف المكتبة العلوية عشرات الآلاف من الكتب بضمنها العديد من النسخ الأثرية الثمينة للمصحف الكريم، وبعض كتب الأدعية، كما ذكر الجيل اللاحق لهم- ان تعداد المصاحف الأثرية فيها حتى وقت قريب من زماننا كان بحدود (550) مصحفاً، مزخرف الخط جميله، يرجع تاريخ أقدمها ذي الخط الكوفي الكبير الى القرن الأول الهجري، ويعتقد بعض المعنيين أنه خط الإمام علي(ع) نفسه، ويدعم هذا المعتقد ما حوته صفحته الأخيرة من جملة: ” كتبه علي بن أبي طالب “، ويعززه ما ذهب اليه خبراء المخطوطات الذين قصدوا النجف الأشرف للاطلاع على هذا المخطوط الثمين، فانتهوا بعد الدراسة والفحص الى أن الخط يرجع الى عهد الخلفاء الراشدين.

وفي الخزانة أيضا قرآن آخر ناقص الأول والآخر مكتوب بالخط الكوفي القديم على رق منسوب الى الإمام الحسن بن علي (ع).

وقد وضعت النسختان النادرتان المتقدم ذكرهما لنفاستهما داخل المرقد العلوي المطهر

وفي مخزن المكتبة كذلك مصاحف ثمينة لأشهر الخطاطين المسلمين محلاة بالذهب، وفيها ما كتب على ورق رقيق من الخشب يقول من شاهده في السنين المتأخرة انه ناقص الآخر.(13)

وهناك في خزانة المخطوطات بعد كتب منسوبة الى بعض أئمة أهل البيت (ع) إضافة الى العديد من المخطوطات النادرة المكتوبة بخطوط مؤلفيها الذين آثروا إهداءها الى خزانة الإمام (ع).

ويحدثنا الشيخ جعفر محبوبة المتوفى سنة 1377هجرية عمّا شاهده في هذه المكتبة القيمة من نفائس المخطوطات بقوله: ” يوجد في المكتبة اليوم بعض الكتب النفيسة في سائر الفنون والذي وقفت عليه: (المسائل الشيرازية) تأليف الشيخ أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي النحوي نقلت على نسخة المصنف وعليها إجازة بخط المصنف صورتها ” قرأ عليّ أبو غالب أحمد بن سابور هذا الكتاب “، وكتب: ” الحسن بن أحمد الفارسي سنة 363 ” هجرية (…)، و(شرح الدريدية) لابن خالويه قرئت عليه، وعليه صورة قراءته نصها: ” بلغت قراءة على أبي عبد الله محمد بن عبيد الله العجمي حرسه الله وفرغت منها ليلة السبت لخمس بقين من شعبان سنة 375 وكتب: سلامة بن محمد بن حرب وحسبنا الله وحده ” (…)، و(شرح ديوان المتنبي) لابن العتايقي المتوفى في حدود الثمانمائة، وقفت على الجزء الثاني منه وهو بخطه، وفي هذا المخزن من مؤلفات هذا الشيخ المتنوعة في سائر الفنون ما يقرب من ثلاثين مؤلفا، وقد فرغ من بعضها سنة 787هجرية، و(الجزء الثاني من التبيان) كتب في تاسع عشر شعبان سنة 576 هجرية (…)، و(نهاية الإقدام في علم الكلام) لفخر الدين الرازي كتبت في حدود السبعمائة، وهناك كتب لابن كمونة اليهودي البغدادي بخطه، كتبت في حدود الستمائة والسبعين، و(كتاب الملتقط) للزمخشري في اللغة بخط قديم، وهو مختار من كتابه المحكم (كتاب تقريب المقرب) في النحو لابن عصفور، و(التقريب) لأبي حيان، وهو بخطه الأندلسي. وهناك كتب كثيرة في الطب وغيره وبعضها مقطوعة الأول والآخر لم تعرف، و (كتاب المباحثات) للشيخ الرئيس كتبت النسخة سنة 718 هجرية “.(14)

وكان قد أشار الى أهمية هذه المكتبة الخطية القيمة الباحث السيد عبد اللطيف الشوشتري الخبير بالمخطوطات والمطلع على نفائسها في العديد من خزائن الملوك ومكتبات عصره الخطية في البلدان المختلفة، فقد ذكر في كتابه تحفة العالم أنه جاء الى النجف الأشرف في حدود سنة 1200 هجرية، واجتمع بأعلام النجف ومراجعها في عصره:كالسيد مهدي بحر العلوم، والشيخ الكبير صاحب كشف الغطاء،والملا محمود بن الملا صالح الكليدار.

وقال الخبير الرحالة الشوشتري: ” أطلعني على كتب الأمير (ع) وفيها من نفائس العلوم المختلفة التي لم توجد في خزائن السلاطين “.

بيد ان ما يؤسف له ان قسما من سدنة الروضة الحيدرية لم يكونوا بالمستوى العلمي المفروض، ففرطوا بالعديد من المخطوطات القيمة بأن قدموها هدايا لبعض شخصيات الوفود الزائرة، وقد نقل الناقلون عن المجتهد المحقق السيد محسن الأمين (قدس) أنه رأى في عدد كبير من المكتبات المختلفة مخطوطات موقوفة على مكتبة الصحن الشريف أُخرجت من هناك بأغراض مختلفة.

ويذكر بعض المحققين أنه وجدت مخطوطات في بيت الأمير عبد الإله بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958م، منها مخطوطة “للصحيفة السجادية” للإمام علي بن الحسين بن علي (ع) زين العابدين مكتوبة على رق الغزال مزدانة خطوطها وسطورها بماء الذهب، وقد كتب عليها ما نصه: “وقف خزانة الروضة الحيدرية”. كما قدمت عام 1974م سبحة نادرة من خزانة الروضة الحيدرية الى صدام حسين تتكون من مائة وحدة من الأحجار الكريمة، وقد كتب عليها المصحف الشريف كاملا.

ومما تجدر الإشارة اليه أنه أقدم بعض سدنة الروضة الحيدرية في ظروف خاصة على بيع محتويات خزانة الكتب التي كانت تضم عشرات الآلاف من الكتب أثناء موسم الغلاء الذي عم البلاد فإنا لله وإنا اليه راجعون.

وكان الشيخ محمد السماوي (ت 1950م) قد اهتم بهذه المكتبة الثمينة وعكف على أوراق بعضها المبعثرة فجمع منها كتبا كاملة ثم سعى في نقل ما بقي منها الى حجرة في الصحن الشريف خصصت لذلك.

هذا ويذكر لنا السيد أحمد الحسني الذي نشر فهرستا لهذه الخزانة أنه قد سعى في جرد محتويات هذه الخزانة قبله ” اثنان من الباحثين المعاصرين هما:

1 ـ المغفور له الشيخ آغا بزرك الطهراني، فإنّ الخزانة فتحت له في حدود سنة 1350 هـ، ففهرس ما فيها من الكتب ليدرجها في كتابه القيم: ” الذريعة الى تصانيف الشيعة “. وهناك بعض الكتب الموجودة في الخزانة ولم توجد في الذريعة، وحدّثني صديق أنه رأى عند الشيخ أوراقاً كان يكتبها داخل الخزانة ليوزعها بعد ذلك في كتابه، ولكن فاته توزيع بعض الأسماء الموجودة في تلك الأوراق في موسوعته. كما أننا نجد كتباً يصرّح الشيخ بأنها توجد في الخزانة وهي غير موجودة الآن، وظننا أنها تلفت بعد اطلاع الشيخ على محتويات الخزانة.

2 ـ الدكتور حسين عليّ محفوظ، فإنه زار الخزانة في سنة 1377هـ ساعات قليلة، وسجل بعض المعلومات عن مخطوطاتها، ثم نشر فهرساً يضم (82) كتاباً في مجلة معهد المخطوطات المجلد الخامس الجزء الأول ص23ـ30 بتاريخ شهر ذي القعدة 1378 هـ، وصرح بأنه استعان بما كتبه الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة.

وكانت فرصة ثمينة أن تشكلت في السنة الماضية هيئة رسمية لجرد الخزانة العلوية وفحص محتوياتها، وبدأت الهيئة في عملها بالمكتبة، ودعتني أن أشاركها لإعطاء بعض المعلومات الفنية عن النسخ، فلبيت طلبها (…) وكان الجرد مستمراً بصورة سريعة، وكان المجال للوقوف على كل التفاصيل حول الكتب والنسخ قليلا لا يسمح بجمع المعلومات الدقيقة التي يجب أن تجمع، ولكن “الوجود الناقص خير من العدم”، فلا بأس أن أكتب ما سنحت لي الفرصة ولو كانت الكتابة مقتضبة لا تعتبر فهرساً وافياً لمحتويات الخزانة. ولقد كنت أكتب ما يمكنني كتابته داخل الخزانة، وبعد انتهاء الوقت ألجأ الى مكتبة الإمام الحكيم العامة ـ حيث مقر عملي ـ فأقارن ما كتبته عن الكتب مع النسخ المطبوعة والمخطوطة والفهارس العامة لكي أتأكد من كتابتي وأجد الأسماء الكاملة للكتب التي بقيت مجهولة عندي “.(15)

وبعد سقوط النظام الصدامي في 9/4/2003م قام مركز الأبحاث العقائدية ـ الذي أسس برعاية المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى السيد السيستاني دام ظلُّه ـ بتهيئة المقدمات لتأسيس مكتبات عامة في العتبات المقدسة في العراق، وكان باكورة هذا العمل الشروع بإحياء مكتبة الروضة الحيدرية التي خطط لها أن تحتوي كما يورد موقعها على:

1- مكتبة عامة، تحتوي على آلاف الكتب في العلوم المختلفة وبمختلف اللغات الحيّة، لتكون في خدمة روّاد العلم وطلاّب الفضيلة.

2- مكتبة مختصّة بأمير المؤمنين (عليه السلام): وهي مكتبة تجمع في طياتها ما كتب بكافة اللغات العالمية حول أمير المؤمنين (عليه السلام) وحياته وسيرته، وما يتعلّق بنهج البلاغة وشروحه، سواء كانت هذه البحوث مستقلة أو ضمنية.

3- مكتبة الكترونية تحتوي على أحدث أجهزة الحاسوب (الكمبيوتر)، مع مئات الأقراص الليزريّة في مختلف العلوم الدينية والدروس الحوزوية والعديد من المحاضرات وغيرها.

4- موقع لـ ” مكتبة الروضة الحيدرية ” على الانترنيت: يحتوي على كتب وبحوث حول أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحول مدينة النجف الأشرف، والحوزة العلمية، ومكتبة الروضة الحيدرية.

ومن المؤمل تكميل مكتبة الروضة الحيدرية في المستقبل بمحاور أخرى أهمها:

þ قسم للمخطوطات: يحتوي على ما تبقّى في الخزانة الحيدرية من مخطوطات ونفائس،وقد حدثني سدنتها اليوم انها موضوعة في صناديق من المقوى غير كثيرة ومركونة في غرفة مغلقة آمل أن تفتح لترى النور قريبا إن شاء الله.

بيد ان ما يؤسف له أشد الأسف أن قسماً من سدنة الروضة الحيدرية ومتولي شؤونها لم يكونوا مؤهلين بالمستوى المطلوب، ولا على دراية بأهمية الكنوز الخطية التي كانت بأمانتهم وعهدتهم كما أسلفت، وإلاّ لما عاثت بها العثة ما عاثت،ولا تسرب منها ما تسرب نتيجة التسامح، بل عدم الحرص مع قلة المعرفة، فإنا لله وإنا اليه راجعون.

þ قسم للتحقيق والنشر: يتكون من لجان علميّة تقوم بإحياء التراث المختصّ بأمير المؤمنين وذريته الأطهار (عليهم السلام)، وكذلك سائر العلوم الإسلامية، تأليفاً وتحقيقاً وترجمة.

þ قسم للندوات والدروس الدينية: يأخذ على عاتقه إقامة بعض الدروس والندوات العلمية والتثقيف في المناسبات المختلفة، بحسب الحاجة وتشخيص الأولويّات.

þ قسم للمجلات والصحف: يحتوي على أهمّ المجلات والصحف المنشورة في داخل العراق وخارجه.

 

وللمكتبة نشرة تعنى بالكتب والمكتبات والتراث ومدينة النجف الأشرف مع تهيئة قسم خاص للنساء.

ــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــ

1 ـ الأحلام. سابق: 145.

2 ـ أنظر: دليل العتبات والمزارات والمشاهد الدينية في العراق. ديوان الوقف الشيعي:9.

3 ـ أنظر: الكنى والألقاب. الشيخ عباس القمي 1 / 256.

4 ـ الأحلام. سابق: 176.

5 ـ المصدر نفسه:177.

6 ـ مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف. مخطوط بقلم كاظم عبود الفتلاوي.

7 ـ الأحلام. سابق:.164

8 ـ المصدر نفسه: 189- 190.

9 ـ نفسه:164.

10 ـ أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث. ستيفن هيمسلي لونكريك: 359.

11 ـ أنظر: النجف في المراجع الغربية. سابق: ص 60.

12 ـ ماضي النجف وحاضرها. سابق:1/148.

13 ـ فهرست مخطوطات خزانة الروضة الحيدرية في النجف الأشرف. السيد أحمد الحسيني: 15.

14 ـ ماضي النجف وحاضرها. سابق: 1/149- 150

15 ـ فهرست مخطوطات خزانة الروضة الحيدرية في النجف الأشرف.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *