الثلاثاء , 25 سبتمبر 2018

النجف في رحلات الشرقيين -3-

النجف في رحلات الشرقيين -3-

najaf7

رحلة مكة

بقلم سيف الدولة سلطان محمد

تصحيح وتعليق علي أكبر خدايرست

ترجمة الدكتور عباس الترجمان

تفصيل أوضاع مدينة النجف وأحوالها والعمارات والأثاث الراجع الى حرم الأمير صلوات الله وسلامه عليه

موقع النجف:

مدينة صغيرة، هواؤها أحرُّ من كربلاء وبغداد ولكنه سالم. أرضها جافّة رملية غير مرطوبة، وبعد حفر قليل تصل الى الحجر، هواؤها قليل الرطوبة بسبب مجاورتها للماء. والنجف في الواقع مدينة مينائية، يحوطها الماء من ثلاث جهات: الشمال والشرق والجنوب. وجهة الغرب جافة. تقع النجف على مرتفع، والى جنوب بحيرة تمتلئ من ماء الفرات. محيط هذه البحيرة حوالي خمس عشرة ساعة على التخمين (152آ) وما يقع منها في جهة النجف مؤها راكد كالمستنقع(1) ، بسبب أن أرض هذه البحيرة مِلحٌ، يميل ماؤها الى الملوحة. والجهة الشرقية منها حيث يجري ويتصل ماؤها بالفرات فهو عذب. ولهذا يأتون بماء الشرب للنجف من الكوفة، وماء الطبخ والأمور الأخرى يأتي من البحر.

الزراعة والمحصولات الزراعية:

إن أرض البحر منخفضة جداً بالنسبة لأرض النجف، ويظهر النجف من جهة البحر كأنه جبلٌ عالٍ في ساحل هذا البحر. فيها بعض البساتين التي تحتوي على النخيل والأعناب والرمان وقليل من التين. والخضروات في الواقع هي حصيلة النجف، وتأتي البقوليات والخيار والباذنجان والباقلاء من هذه البساتين، وخضرواتها ممتازة من جميع الأنواع، لا سيما الخس، فإنه هَشٌ ولطيف ورقيق ولذيذ جداً.

الأحياء وحصولاتها:

تحيط هذا البحر (153ب) أحياء جيدة، من جملتها: (الرُحبَة) ، (العِزِّيَّة)، (السماوة)(2) و (الجعارة). وكل هذه الأحياء زراعية. فبطيخ الرحبة والعزية جيد جداً. ولو كانوا يأتون ببذور البطيخ من أصفهان في كل عام، لنتج أفضل من بكيخ أصفهان بنظر كاتب الحروف وجماعة آخرين، وينتج فيها الرقّي الجيد أيضاً.

اشتهر أهل السماوة في جميع العراق بجمال الصورة لا سيما نساؤهم والجعارة قرية عامرة جداً، بساتينها ونخيلها كثيرة، تكثر فيها زراعة القمح والشعير والرز والقطن وكل شيء، أكثر ما تحتاجه النجف من الفواكه يأتي من الجعارة.

ولأجل البناء يحفرون الأرض كثيراً حول هذا البحر وكان بناء العمارات من النورة والحجر والآجر الكبير جداً الذي يظهر أحياناً ، وأنا بنفسي شاهدت آجُرّ قطره بطول ربع متر، ويظهر أن حول هذا المكان كان عامراً جداً في قديم الزمان.

قلعة النجف:

كان بناء قلعة النجف من قبل المرحوم (153آ) محمد حسين خان الصدر الأصفهاني، وإن كانت القلعة ليست واسعة جداً، ولكنها حسنة التشييد، وفي هذه المدينة مدرسة جيدة من عماراته، والباب الكبير الذي يوصل الإيوان الذهبي بالرواق الشريف، والباب الفضّي الجيد جداً من أعماله، كان – رحمه الله – رجلاً خيِّراً.

وضع القُبّة والصحن الشريف:

كان بناء القبة المباركة الأولى لهذا الرجل العظيم من قِبَل آل بويه، وقد أزالوا ذاك البناء في العهد الصفوي، فإن هذه البقعة المباركة وهذا الصحن هو من بناء الشاه عباس الصفوي، وبهندسة الشيخ البهائي، بناء عال رصين جيد. أصل البقعة المباركة على شكل مربع، فيها أربعة أماكن لجلوس الشاه، والقبة المطهرة أكثر ارتفاعاً من جميع العتبات المقدسة. يحيط الرواقُ الحرم، والصحن الشريف يدور من ثلاث جهات بالرواق، ومن الجهة الغربية يفصل بين الرواق وجدار الصحن مَمَرٌّ.

بناء الصحن يحتوي على غرفة فوقانية وتحتانية من جميع الجهات (153ب) إن الإيوان الكبير الموجود في وسط الجدار الشمالي الواقع إلى جهة الجنوب مع المسجد الصغير الواقع خلف ذلك الإيوان، والتكية الواقعة في الجهة الغربية من الصحن والتي هي بيد البكتاشيين، هي من بنايات آل بويه، وما تبقّى من متعلقات الصحن هو من الصفويين.

وفي مقابل الحرم إيوان، وفي زاويتي الإوان منارتان، إن صخور داخل الحرم والرواق سوى الصخور الرخاميّة ، وصخور سائر متعلقات الصحن كلها من معادن نفس النجف وهو صخر جيد، وإن لم يكن صلباً. وإن ذهب القبة والإيوان من أعمال نادر شاه(3) ، والقاشاني الذي يزيّن جدران الصحن هو من تبرعات (علي مراد خان زند). والضريح الفضّي هو من أعمال المرحوم أغا محمد خان القاجار. ولما كانت أبواب الصحن لم تَكفِ أيام الزيارات وازدحام الناس، وكان الناس يتحملون المشاقّ للدخول والخروج، ففتحوا باباً جديداً من جهة الصحن الغربية بأمر السلطان مجيد خان (154آ)، ولم يكن هناك أي باب. وكان إحدى المنارتين قد تفطّرت، فأُنقِضت بأمر السلطان عبد العزيز خان، وجُدِّد بناؤها. وهناك مدرسة صغيرة من جهة الصحن الشرقية كانت من السابق. وتحت قاعة الصحن طابق تحت الأرض لدفن الأموات، ولا يُنبش كسائر الأماكن المقدسة.

وضع الماء:

لما كانت أرض النجف مهما حُفِرَت لا يخرج منها الماء، بذل آل بويه أموالاً طائلة، وأَجرَوا قنوات الماء من طريق بعيدة تحت الأرض، وآبار النجف التي تستغرق سبعين ذراعاً من الحبال وماؤها مالح، هي نفس قنوات آل بويه التي تجري في جميع بيوت النجف.

وضع داخل الحرم:

في الحرم الشريف مسرجتان للشمع ذهبيتان كبيرتان هما من موقوفات السلطان مجيد خان، وأوقف ناصر الدين شاه للحرم مسرجتين ذهبيتين أكثر قيمة (154ب) ، وأصغر حجماً من السابقتين. وهناك المعلّقات والقناديل وبعض الجواهر والآلات من الذهب والفضّة قد وُضعت في الحرم والضريح من قِبَل جميع السلاطين والعظماء. آلاف الجواهر وقطع الذهب والفضة، والمصاحف الجيدة جداً من الموقوفات موجودة في خزانة الحرم.

عمارات النجف:

بُنيت دور النجف بالجص والآجر، وليست ضيّقةً كدور كربلاء، وإنما هي واسعة. طوابقها تحت الأرض جيدة. وهناك بعض الطوابق تحت الأرض لا يتمكن الإنسان أن يستقر فيها بلا غطاء في أيام الصيف.

سوق المدينة وإن كان عربياً إلا أنه واسعٌ، وهناك عدد من الخانات الصغيرة. وحماماتها غير ممدوحة، وهي لسد الحاجة. وقد شيّدت الحكومات العثمانية قلعة وداراً للحكومة (قشله) صغيرة للجنود المأمورين هناك. والمقاهي بنفس التقاليد العربية(155آ).

السكان والنفوس ومِهَن الناس:

سكان المدينة عرب وفرس وقليل من الهنود، يقدّر نفوسها بحوالي ثلاثين ألف نسمة، وأهاليها جميلو الصورة عيّاشون، رحماء وظاهرهم الصلاح. صناعتهم حياكة العباءة، ولديهم الكثير من أجهزة الحياكة، وأكثر أهلها أصحاب بنادق(4).

الحيوانات:

يكثر في أطراف النجف الغزال والدرّاج والقطا، والسمك الذي يُصطاد من بحر النجف هو أفضل جميع أقسام سمك العراق.

الواردات ووضع الماء:

يأتي الكثير من بضائع الهند وفارس من البصرة الى النجف عن طريق الماء. وكان كُلٌّ من الشاه عباس والشاه طهماسب الصفويين قد أوصل نهراً من الماء العذب من الفرات إلى أراضي النجف. وبعد مدة انهدم هذان النهران، وانقطع الماء عن النجف، ولكن كليهما موجودان قرب الحلة، ولكل منهما قرية معتبرة ولها مزارع كثيرة، إحداهما تسمى العباسية، والثانية الطهماسية، لها سكان ونخيل وزراعة.

يوجد الدّرُّ في صحراء النجف (155ب)، وقد شوهد عدة مرات أن نفس هذه الأحجار قد صُقلت وحُكّت فصارت عقيقاً ملوناً، وهذا من بركة صاحب الولاية أن يوجد كل شيء في هذه المدينة الصغيرة.

 

(1) القصد من المستنقع هو الهور الذي أوضحناه في الهوامش السابقة

(2) ليست السماوة من ضواحي النجف بل هي بعيدة كل البعد عنها. الترجمان

(3) الترصيع بالمرايا داخل الحرم الشريف، ونقوش سقف القبة بالقاشاني البارز (المعرّق) جدي جدا

(4) جمع بندقية، وهي آلة الصيد، أو القتل.

 

المصدر: موسوعة النجف الأشرف ج4

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *