مكتبة الإمام الحكيم العامة/فرع العمارة قديمًا وحديثًا

في أواسط القرن الميلادي الماضي اجتاحت بلاد الشرق موجة من الأفكار الإلحادية أثرت بشكل ملحوظ على نمط تفكير الشباب المسلم آنذاك، ولم يكن العراق بمنأى عن هذه الموجة التي انساق خلفها شبابه من مختلف الطبقات، فما كان من المرجعية الدينية المتمثلة بزعيم الطائفة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى الإمام السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس الله نفسه الزكية) إلا التصدي بكل الوسائل لهذا المد الهدام، فأصدر سماحته فتواه المشهورة بشأن الشيوعية، وأمر بتأليف الكتب ونشرها في الرد على أفكار الملحدين، كما قام بخطوة مباركة وغير مسبوقة، تمثلت بتأسيس المكتبات العامة في عموم العراق ، بل وخارج العراق أيضًا، وقد عدت هذه الخطوة (من أضخم المشاريع الثقافية النهضوية والتأسيسية في العراق، ولم يشهد العراق قبله ولا بعده مشروعًا ثقافيًا بهذه السعة والامتداد)(1).
ولم تكن مدينة العمارة في جنوب العراق بمنأى عن موجات المد الإلحادي، إذ انساق الكثير من أبناء المدينة وأقضيتها وضواحيها خلف هذه الأفكار، فكانت مكتبة الإمام الحكيم العامة في العمارة جزءًا من الرد على هذه الأفكار، إذ أسست (مكتبة آية الله الحكيم العامة في العمارة) والتي عرفت في ما بعد بـ (مكتبة الإمام الحكيم العامة فرع العمارة).

جانب من الاحتفاليات التي تقام في المكتبة

سنة التأسيس:
تباينت الأقوال في تحديد سنة تأسيس المكتبة، فهناك من قال بأن سنة التأسيس كانت 1959م، وقرأت في أحد المصادر أن فرع العمارة أسس بتاريخ 18/ربيع الثاني/1381هـ(2)، وهذا يعني أواسط عام 1961م، كما وجدت بعض الكتب القديمة التي تعود للفرع القديم عليها ختم المكتبة (مكتبة آية الله الحكيم العامة) وعليها تاريخ ورود هذه الكتب إلى المكتبة، وهو التاريخ الأخير المذكور آنفا.
وفي استفتاء بعثه الدكتور المرحوم عبد الجليل التميمي إلى الإمام الحكيم يستفتيه في شأن أموال يروم إعطاءها إلى (المكتبة الإسلامية) التي كانت ماثلة في العمارة آنذاك، يفتي السيد الحكيم بأن يعطيها إلى المكتبة التي ستفتتح برعايته، وتاريخ هذا الاستفتاء 27 /ربيع الأول /1385هـ(3).
والذي يبدو، كما أخبرني بذلك جملة ممن عاصر تأسيس المكتبة، أن الإمام الحكيم افتتح، مكتبة أولى باسم (المكتبة الإسلامية)، وقد استمرت هذه المكتبة وكان موقعها في شارع بغداد وسط العمارة، ثم بعد ذلك افتتحت مكتبة (الإمام الحكيم فرع العمارة).
وقد أخبرني بعضهم أن الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قد) هو الذي افتتح الفرع ممثلًا عن المرجع الأعلى الإمام الحكيم(4).
وعلى أية حال فقد افتتحت المكتبة في مركز مدينة العمارة، في حسينية الحاج سلمان الحاج حسن، والتي تقع مقابل مسجد الأنصاري، في بداية شارع بغداد، واختار الإمام الحكيم لتولي شؤون المكتبة الأستاذ الشيخ ناصر كاظم زوير(5)، وقد آزره جملة من أهل الفضل من المؤمنين، وأخذت المكتبة بممارسة نشاطها الديني والتبليغي والتوعوي، وقد التف حولها الشباب المؤمن الرسالي، فقاموا بنشاطات كثيرة منها:إقامة الأماسي الشعرية وإحياء المناسبات الدينية، كالاحتفال التأبيني الذي أقامته هيئة المكتبة في 23/رمضان/1386هـ بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)(6)، كما زار المكتبة جملة من أصحاب الفضيلة والعلم ، وكذلك التوزيع المجاني للكتب الاسلامية والمجلات، منها كتب المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية، وكتاب (عقائد الإمامية) للمرحوم الشيخ محمد رضا المظفر، وغيرها من الكتب وكراسات مختصرة منوعة لعدد من العلماء والكتاب، وكذلك القيام بزيارات دورية إلى أرياف المدينة تهدف إلى بث الوعي والثقافة الإسلامية بين الأهالي، كما قام أعضاء المكتبة بلقاءات دورية مع إخواننا من أهل السنة في مسجد العمارة الكبير الذي يقع وسط العمارة (7).
وبعد مجيء البعثيين للحكم، أمروا بإغلاق المكتبة وتهجير مسؤوليها إلى سامراء والأنبار، وأخبرني بعضهم أن البعثيين آنذاك قاموا بفتح ثقب في سقف المكتبة، وسلطوا الماء عليها من فوق، وقد تعرضت كتبها وموجوداتها إلى التلف والسرقة(8).

إعادة الافتتاح:
بعد سقوط نظام الطاغية في العراق، تنفس أبناء الإسلام الصعداء، وأخذت الهيئات الدينية بممارسة نشاطها من جديد، وقد ارتأت إدارة مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف إعادة افتتاح مكتبات الإمام الحكيم في عموم العراق، ومنها محافظة ميسان، فقد أعيد افتتاح فروع المكتبة في مركز المحافظة وأقضيتها، وكانت إعادة افتتاح مكتبة الإمام الحكيم في العمارة بتاريخ 19/شعبان /1428هـ، وقد أختير لها موقع في مسجد حي الحسن العسكري في العمارة، وعين مجموعة من الشباب للقيام بشؤون المكتبة.
وبعد إعادة افتتاح المكتبة زارها واطلع عليها عدد من الشخصيات الدينية من الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وشخصيات أكاديمية من المحافظة وخارجها، كما زارها مدير مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف.
يبلغ عدد الكتب الموجودة في الفرع نحو (3100) كتاب، أكثرها إهداء من المكتبة الأم في النجف الأشرف، كما استقبلت المكتبة الكثير من الكتب بوصفها هدايا من المؤسسات والمراكز الإسلامية في العراق، وكان من بينها العتبات: العلوية والحسينية والعباسية المقدسة، ومن بعض الأفراد أيضا.
وتقوم المكتبة حاليا بفتح أبوابها للاستعارة الداخلية والخارجية، ويؤمها جمع من المثقفين من طلبة العلوم الدينية، والأكاديمية، والدراسات العليا، في المحافظة، إلى جانب عامة الناس من المؤمنين المهتمين بالشأن الثقافي، والراغبين بالاغتراف من معين محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين).

كما يقوم الفرع بإقامة المناسبات الدينية في ولادات المعصومين(عليهم السلام)، ووفياتهم، وطباعة بعض المنشورات الدينية، وإقامة الدورات والندوات التثقيفية، كل ذلك بدعم مباشر من قبل مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف، وبإشراف المتولي .

التماس:
إننا في الوقت الذي نشكر الله سبحانه وتعالى على تهيئة هذه المكتبة واستمرارها بالعطاء، نسأله جل وعلا أن يتغمد الفقيد المؤسس بواسع رحمته، وأن يسكنه الفسيح من جنته، كما نذكر إخواننا المؤمنين في محافظتنا العزيزة ممن يحتفظ بكتب المكتبة القديمة، أو بعض موجوداتها، بضرورة إرجاع ما بحوزتهم إلى الفرع الجديد أو تسليمها إلى المكتبة الأم في النجف الأشرف، والله سبحانه وتعالى وحده القادر على جزائهم ومكافأتهم على صنيعهم بعد أن حافظوا على ما تبقى من كتب المكتبة، في وقت كان فيه امتلاك الكتاب الديني يؤدي بمالكه إلى الإعدام أو التغييب في السجون>

 

مقدام محمد جاسم
المديرية العامة للتربية / ميسان
تشرا في العدد 70
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) الإمام الحكيم عرض تاريخي لدوره السياسي والثقافي: 1/276.
2) ينظر: من نوادر مخطوطات مكتبة آية الله الحكيم العامة: 29.
3) ينظر: الإمام الحكيم عرض تاريخي لدوره السياسي: 1/359.
4) أخبرني بذلك صاحب مكتبة التفكر في ميسان، وأكد لي هذه المعلومة بعض الأخوة المهتمين بالشأن الثقافي.
5) ناصر كاظم زوير الوحيلي من رجال الثقافة والأدب في العمارة ………..
6) ينظر: ديوان الدموع للشاعر محمد الخليل: 14.
7) أخبرني بهذه النشاطات جمع ممن عاصر افتتاح المكتبة وعمل بها.
8) أخبرني بذلك صاحب مكتبة التفكر في ميسان.