حميدة بنت مسلم بن عقيل(عليه السلام) في التاريخ

الباحث كريم جهاد الحساني/ مركز الأمير(عليه السلام) لإحياء التراث

        إنَّ مشروع دراسة تاريخ وسيرة الأسرة الهاشمية المعظمة ربما لو تهيأ لباحثٍ مُجدٍّ لكشف عن جوانبٍ خفية ودقيقة من حياتهم صلوات الله عليهم أجمعين ؛ لأنهم منابع الفكر والوعي في دنيا العرب والإسلام، ومصدر الهداية لهذه الأمة، إذ ساهم أبناؤها في بلورة الفكر الإسلامي، ووقفوا بعزم وشموخ أمام الظلم والطغيان.

        من الشخصيات التي انتمت لهذه الأسرة، شخصية السيدة حميدة بنت مسلم بن عقيل(عليه السلام) التي لم يقف عندها التاريخ الإسلامي ويعطيها حقها من الذكر وتبيان الحال؛ لذلك آثرنا الكتابة عنها رغم صعوبة البحث، وتشتت الموارد في ذكر هذه السيدة الجليلة في بطون الكتب وإن كان ذكرها لا يعدو أن يكون كلماتٍ هنا وهناك.

النسب الوضاح:

          هي حميدة بنت مسلم بن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن عدنان.

        فهي من صميم الأسرة الهاشمية التي عُرفت بالنبل والشهامة، والتي التقت بها جميع عناصر الشرف والكرامة التي جعلتها في طليعة الأسر العربية سموّاً وشرفاً.

أبوها:

        مسلم بن عقيل بن أبي طالب(عليه السلام) من أعمدة الشرف والنور، الفدائي الأول في النهضة الحسينية المباركة، والرائد الفاتح فيها، والشخصية الفذة في دنيا الإسلام.

أمها:

         أم كلثوم [الصغرى السيدة رقية] بنت الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)،
إذ أنَّ مسلماً تزوّج من ابنة عمّه أمير المؤمنين(عليه السلام)، وولدت له السيدة (حميدة)،
وليس له منها عقب من الاولاد(1).

       وذكر السيد المقرم، أن أم كلثوم – أم السيدة حميدة – هي المكناة بـ (أم كلثوم الصغرى)(2).

      أما السيد الأمين، فيشير إلى أنها المكناة بـ (أم كلثوم الوسطى)(3). إذ أنَّ بنات أمير المؤمنين(عليه السلام) اللواتي اسمهن وكنيتهن بـ (أم كلثوم) أكثر من ثلاثة كما أورده أصحاب السير والتراجم، وهنَّ:

1- أم كلثوم، رقية بنت أمير المؤمنين(عليه السلام)
التي تزوجها مسلم بن عقيل(عليه السلام)، وقد ولدت له عبد الله وعليا(4)، واستشهد عبد الله مع الإمام الحسين(عليه السلام)، ولعلها المكناة بـ(الوسطى).

2- أم كلثوم الصغرى، رقية بنت أمير المؤمنين(عليه السلام)، أم السيدة حميدة وزوجة مسلم بن عقيل(عليه السلام)، وحيث لا يصح الجمع بين الأختين فلابد من فراق إحداهما أو موتها، والظاهر أنها الثانية، إذ أولدت له البنت الوحيدة (حميدة)(5).

3- أم كلثوم الكبرى، رقية بنت أمير المؤمنين(عليه السلام) زوجة عون بن جعفر.
فهي إذًا ـ السيدة حميدة ـ هاشمية من هاشميين وطالبية من طالبيين.

الولادة الميمونة:

        ولدت السيدة حميدة رضوان الله عليها بالمدينة المنورة(6). ولم يضبط المؤرخون سنة ولادتها على التحقيق إلاَّ اللهم ما ذكره العلامة الكرباسي من أنها ولدت سنة 49هـ ولم يذكر تحقيقه في ذلك. وعلى وجه العموم لا الحصر يمكن أن نورد مايؤثر عن المؤرخين في ذلك:

أولاً: ذكر ابن عنبة في العمدة: أن لها من العمر ثلاث عشرة سنة أو أقل(7).

ثانياً: قال الطريحي في المنتخب: وكانت لمسلم بنت عمرها إحدى عشرة سنة مع الحسين(عليه السلام)(8). وقال الحائري في المعالي: وفي بعض كتب المقاتل: كانت لمسلم(عليه السلام) بنت عمرها إحدى عشرة سنة، واسمها حميدة(9). والظاهر إلى ذلك ذهب الكرباسي في تحديد ولادتها سنة 49هـ كما ذكرناه آنفاً.

ثالثًا: ذكر الهاشمي في ثمرات الأعواد: أنه كان لها من العمر ثمان سنوات حين قتل أبوها مسلم بن عقيل(10).

رابعاً: قال السماوي في إبصار العين: روى بعض المؤرخين: أن الحسين(عليه السلام) لما قام من مجلسه بالثعلبية توّجه نحو النساء وانعطف على ابنة لمسلم صغيرة فجعل يمسح على رأسها(11).

        هذا ما أوردهُ المؤرخون وأصحاب المقاتل في ذكر عمرها الشريف حين مقتل والدها وهي السنة التي وقعت فيها حادثة الطف الأليمة سنة 60 للهجرة، وبما أنهم اختلفوا في تحديد عمرها آنذاك إلاّ أن إشاراتهم تدل على أن ابنة مسلم حين استشهاده كانت صغيرة لم تبلغ مبالغ النساء، فما ذكره ابن عنبة ليس واقعياً مع أنه لم يجزم بأن عمرها حينذاك كان ثلاث عشرة سنة، إذ قال: (ثلاث عشرة أو أقل).

زواجها:

        لمّا بلغت السيدة حميدة رضوان الله عليها مبالغ النساء تقدّم لخطبتها ابن عمّها وابن خالتها في الوقت نفسه (عبد الله بن محمد بن عقيل) المعروف بـ (الأحول) وأمهُ زينب الصغرى بنت الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)(12).

         وكان ـ عبد الله بن محمد- شيخاً جليلاً محدثاً فقيهاً، وقد جزم الترمذي بصدقه ووثاقته وأنه في مقدمة رجاله الثقاة، وخرّج حديثه في جامعه، كما احتجَّ به أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود وابن ماجه(13). وعدّهُ الشيخ الطوسي من رجال الإمام الصادق(14). توفي في المدينة المنورة سنة 142هـ(15).

ذريتها:

        أنجبت السيدة حميدة من زوجها عبد الله بن محمد الأحول ولداً اسمه (محمد) والمعروف بـ (محمد الأكبر) وله من المعقبين أربعة هم: عقيل، وعلي، وإبراهيم، والقاسم(16). وزاد ابن عنبة عليهم خامساً وهو (طاهر)(17). والظاهر ـ والله أعلم ـ أن أكثر من ذكرهم أهل الأنساب ممّن ينتمون إلى آل عقيل هم من أولاد محمد الأكبر ابن السيدة حميدة من زوجها عبد الله الأحول وهم كثرة من علماء ومحدثين وشعراء ونسابين وأمراء ووجهاء.

مع الركب الحسيني:

        خرجت السيدة حميدة رضوان الله عليها مع ركب أهل البيت (عليهم السلام) بقيادة الامام الحسين(عليه السلام) الذي توّجه إلى العراق. وذكر المؤرخون أنَّ من بين هذا الركب عدد من النساء اللاتي وردَ لهنَّ ذكر صريح في الروايات التاريخية، أو اشتهر حضورهنَّ مع أقاربهنَّ أمثال (الأب، الأم، الزوج….)، ومن بين تلكم النساء كانت حميدة بنت مسلم التي حضرت مع أمها رقية بنت أمير المؤمنين(عليه السلام) وأخيها عبد الله الذي استشهد في كربلاء(18).

      ونقل بعض التواريخ والمقاتل، أنَّ الإمام الحسين(عليه السلام) لمَّا جاءه خبر شهادة أبيها مسلم بن عقيل(عليه السلام) وهو في منطقة زرود، جاء ودخل خيمة النساء، ودعا له ابنته حميدة، وجعل يُلاطفها ويعطف عليها فاستشعرت حينها بنزول المصيبة، فقالت: ياعم، أراك تعطف عليَّ عطفك على الأيتام، أفأُصيب أبي مسلم؟ فَرَقَّ الإمام الحسين(عليه السلام) لها وجرت دمعته، وقال لها: يا بُنية لا تحزني، فلئن أُصيب أبوك فأنا أبوك وبناتي أخواتك، فلما سمعت هذا الكلام من الحسين(عليه السلام) صرخت وأعولت فسمع صراخها آل عقيل، فارتفعت أصواتهم بالبكاء، وانتحبوا انتحاباً عالياً، وساعدهم أهل بيت الحسين(عليه السلام) في النوح والبكاء وعظُمَ على أبي عبد الله(عليه السلام) المصاب واشتد به الحزن(19).

وفاتها:

         توفيت رضوان الله عليها في المدينة المنورة بعد وفاة زوجها عبد الله الأحول حدود سنة 142هـ(20).

مرقدها:

        أما الحديث عن مرقد السيدة حميدة بنت مسلم فإنَّ المرّجح أنها دفنت في مقبرة آل أبي طالب التي كانت بالأصل هي دار عقيل بن أبي طالب، التي ذكروا عنها أنها صارت مقبرة لآل أبي طالب بمن فيهم من آل عقيل، وتقع بالقرب من البقيع، أو أنها دفنت بالبقيع ولا مناص في ذلك؛ لعدم وجود أي إشارة إلى خروجها من المدينة المنورة، ومن الطبيعي أنها تدفن في هذه المقبرة التي كانت عامرة منذ أن بدأ الإسلام. أما الأثر القائم اليوم في مقبرة الباب الصغير في دمشق فإنه لا يمكن التعويلُ عليه؛ لعدم وجود أي مؤشر يؤيد ذلك، إذ أن المؤرخين لم يذكروا بأنَّ السيدة حميدة، أو زوجها عبد الله الأحول سافرا إلى دمشق أثناء العهد الأموي أو العباسي، أو أنها خرجت مع زوجها وتوفيت هناك. فإن صحت نسبة المرقد إلى حميدة بنت مسلم فهو مكان إقامتها أيام الأسر سنة 61 للهجرة، أو أن هذا القبر لإحدى المواليات دفنت بجوار الفواطم فاختلط الأمر على الناس. وعلى أي حال فإن المرقد يكون إلى جانب مرقدين هما:

         مرقد السيدة أسماء بنت عميس، ومرقد السيدة ميمونة بنت الحسن المجتبى(عليه السلام). والظاهر على ما هو عليه من التحقيق أن نسبة الأشخاص وسنة الوفاة لهذين المرقدين غير صحيحة أيضاً؛ إذ أن السيدة أسماء بنت عميس توفيت ودفنت في الكوفة، أما ميمونة بنت الإمام الحسن(عليه السلام) فليس له (عليه السلام) بنت بهذا الاسم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب / ابن عنبة / ص32 ؛ إكمال الكمال / ابن ماكولا / ج6 / ص235.
2) الشهيد مسلم بن عقيل / عبد الرزاق المقرم / ص177.
3) أعيان الشيعة /محسن الأمين / ج3 / ص48.
4) المعارف / ابن قتيبة / ص88.
5) المحبر /البغدادي /ص56 إذ قال في إشارة إلى أصهار الإمام علي(عليه السلام): (وصاهر مسلم بن عقيل مرة أخرى تزوج رقية الصغرى بنت علي ).
6) دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد، الحسين وأهل بيته وأنصاره)/ محمد صادق الكرباسي/ ج5
7) عمدة الطالب/ ص16.
8) المنتخب / ج2/ ص372.
9) معالي السبطين/ ج1 / ص266.
10) ثمرات الأعواد /السيد عبد الحسين الهاشمي / ج1 / ص117
11) إبصار العين في أنصار الحسين / محمد طاهر السماوي / ص96.
12) ينظر: المجدي/العمري/ ص200؛ لباب الأنساب /ج6، ص335.
13) تهذيب التهذيب / ج6 / ص13.
14) الخلاف / ج6 / ص470.
15) تهذيب التهذيب / ج6 / ص14.
16) الشجرة المباركة في أنساب الطالبيين /الرازي /ص213.
17) عمدة الطالب /ص17.
18) ينظر: أسرار الشهادة /الدربندي/ ص96؛ معجم أنصار الحسين /الكرباسي / ج1 / ص241.
19) ينظر: المنتخب/ ج2/ ص372؛ معالي السبطين / ج1 / ص266؛ مقتل الحسين/ بحر العلوم/ ص322؛ أبصار العين في أنصار الحسين/ ص251.
20) دائرة المعارف الحسينية/ معجم أنصار الحسين (النساء) / الكرباسي / ج2 / ص190.