Take a fresh look at your lifestyle.

اطلالة على المدارس التفسيرية في النجف الأشرف

0 5
المحامي عبدالرزاق أحمد الشمري
بغداد/ المدائن

           يعتبر وصول الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460هـ) إلى النجف نقطة تحول في تاريخ هذه المدينة، حيث أنه كان مقيماً في بغداد لدى الشيخ المفيد محمد بن النعمان والشريف المرتضى السيد علي بن الحسين.
           وكانت رحلته إلى النجف 450هـ على إثر فتنة طائفية أشعلها الملك السلجوقي ـ طغرل بك ـ ببغداد وذلك أول مجيئه إليها، فكان أن أحرقت مكتبته ومؤلفاته التي ألفها في بغداد(1).

        ورب ضارة نافعة كما يقال، فإن هيجان تلك الفتنة كانت سبباً في وصول الشيخ الطوسي إلى النجف وتأسيسه لجامعتها العلمية وبناء صرحها الشامخ منذ ذلك التاريخ إلى يوم الناس هذا، فما إن وصل حتى تقاطر على النجف طلاب العلوم الدينية من كافة الأقطار الإسلامية، وبلغ عدد الحاضرين لمجلس الشيخ الطوسي في النجف ما يزيد على ثلاثمائة من العلماء المجتهدين فنشطت الحركة العلمية في هذه المدينة.

           وقد قام الشيخ الطوسي خلال إقامته في النجف لمدة عشر سنوات أو تزيد قليلاً بتأليف ما يزيد عن أربعين كتاباً ضخماً في التفسير والأصول والأدعية والكلام والفقه والرجال بدليل أن كل كتبه ومؤلفاته قد أحرقت حينما كبست داره ببغداد إبان الفتنة الطائفية التي حدثت هناك، فكل مؤلفاته الموجودة لدينا هي التي اكتتبها أثناء وجوده في النجف الأشرف.

          وهذا كتاب (التبيان في تفسير القرآن) تفسيره الذي كتبه الشيخ الطوسي في أخريات حياته حينما حل في النجف الأشرف، وهذا الكتاب يحظى بقوة ومتانة وقدرة علمية فائقة شأنه شأن أي كتاب جاء تأليفه في سنين مهمة من حياة المؤلف(2).

           وبحق فإن هذا التفسير حاز قصب السبق من بين سائر التفاسير التي كانت دارجة لحد ذاك الوقت والتي كان أكثرها مختصرات تعالج جانباً من التفسير دون جميع جوانبه مما أوجب أن يكون هذا التفسير جامعاً لكل ما ذكره المفسرون من قبل وحاوياً لجميع ما بحثه السابقون عليه(3).

          وهو من أهم كتب الشيخ الطوسي وأشهرها وأكثرها تميزاً، ألفه بنمط جديد ومنهج مبتكر لم يسبق إليه. إذ أنه أول تفسير للإمامية يضم في أبواب متفردة مختلف مباحث التفسير وعلوم القرآن كالقراءات وحجتها والمعاني والإعراب واللغة والنظم وأسباب النزول وغيرها، وقد أشار إلى هذا التفسير كثير من القدامى في تراجمهم للطوسي كالسبكي والصفدي وابن حجر العسقلاني وابن تغري بردي وجلال الدين السيوطي وغيرهم، ووصفه الصفدي وابن تغري بأنه تفسير كبير كما أشار إليه ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير)(4).

          ويقول مؤلفه شيخ الطائفة الطوسي في مقدمة التفسير: (فهو تفسير وسط جامع شامل حاوياً لمحاسن من تقدمه تاركاً فضول الكلام مما يميل قارئه فجاء في أحسن ترتيب وأجمل تأليف فللّه دره وعلى الله أجره).
       

        والذي يهمنا في هذا الأمر بالإضافة إلى الإشارة إلى مزايا هذا التفسير أن نشير إلى تأثير بيئة وطبيعة النجف الأشرف على نفسية الشيخ الطوسي وصقل مواهبه في هذا التفسير مما يؤكد لنا وبلا شك وجود الأجواء الروحية التي تحلق بروح قاطنيها وخصوصاً من طلبة العلوم فتَؤُدي إلى الإبداع في شتى المجالات، ولذلك فقد لقب بـ (شيخ الطائفة) لأنه زعيمها وقائدها وسائقها ومعلمها الأول في مختلف العلوم، فياله من منبع علم ومدخر فضيلة ازدهر به العالم الإسلامي نوراً وعلماً.

          إن تفسير القرآن الكريم لا يتسنى لأي إنسان ما لم يكن قد قطع شوطاً في التحرس والإحاطة بجملة من العلوم والقواعد الأولية التي تعتبر من اللوازم الرئيسية للمفسر في خوضه لهذه العملية المعقدة (التفسير).

        إن التفسير الرائج في الأجيال الماضية هو تفسير القرآن حسب السور والآيات الواردة في كل سورة (التفسير الترتيبي) فمنهم من سنحت له الفرصة أن يفسر آيات القرآن برمتها ومنهم من لم يسعفه الحظ إلا بتفسير بعض السور وهذا النوع من التفسير يطلق عليه اسم التفسير الترتيبي ينتفع به أكثر شرائح المجتمع الإسلامي وكلٌ حسب استعداده وقابليته(5).

         بيد أن هناك لوناً آخر من التفسير يطلق عليه اسم التفسير الموضوعي الذي ظهر في العقود الأخيرة واستقطب قسطاً كبيراً في اهتمام العلماء نظراً لأهميته وهو تفسير القرآن الكريم حسب الموضوعات الواردة فيه بمعنى جمع الآيات الواردة في سور مختلفة حول موضوع واحد ثم تفسيرها جميعاً والخروج بنتيجة واحدة وقد أطلق على هذا اللون من التفسير بـ(التفسير الموضوعي)(6).

          وأول من طرق هذا الباب لفيف من علماء الشيعة الإمامية عند تفسيرهم لآيات الأحكام الشرعية المتعلقة بعمل المكلف في حياته الفردية والاجتماعية وهذا يقوم على جمع الآيات المتفرقة والراجعة إلى موضوع واحد في مبحث واحد فيفسرون ما يرجع إلى الطهارة في القرآن في باب واحد وكذلك ما يرجع إلى الصلاة في باب واحد وهكذا.

         إن ما تميزت به النجف الأشرف من أجواء جعلها مركز استقطاب عشاق الطبيعة الخلابة والهواء المعتدل النقي وما تميزت به من حراك علمي لم يفقد في يوم من الأيام ووجود مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) أعطى هذه المدينة هذا الزخم العلمي المتحرك.

          فالنجف الأشرف ومنذ أن حلَّ عليها الشيخ الطوسي وإلى يومنا الحاضر ـ وبتوفيق من الله لها ـ استمرت في هذا النشاط العلمي، وهذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أو يتجاوزها أحد من الناس(7).

         وهذا الوضع التاريخي لهذه المدينة العظيمة كانت له آثار ومداليل على الناحية العلمية والتراث العلمي باعتبار أن كبار علماء شيعة أهل البيت(عليهم السلام) تخرجوا من هذه الحوزة العلمية ولا سيما في القرون الثلاثة الأخيرة حيث كان النشاط العلمي في أوجه ومثّل مرحلة كبيرة في حركة الجانب العلمي.

          وهذا ما أتاح المجال لظهور وبروز طاقات استثنائية في كافة العلوم العقلية والنقلية، وما يهمنا هنا هو دور هذه المدينة وإسهاماتها في إثراء المدرسة والدراسات القرآنية، وقد نوّهنا عن الأسبقية لهذه المدرسة القرآنية بوضع بواكير التفسير الموضوعي.   

           إن الدراسة القرآنية ولا سيما (علم التفسير) قد انتعش وازدهر في أروقة هذه المدينة، وما دام في القرآن حقائق علمية وعقلية تستطيع البشرية فهمها ـ كلما تقدمت الحياة وتوغلت في المعرفة ـ فمن الضرورة القصوى لذلك متابعة فهم القرآن وفق هذا التقدم والاغتراف من معينه وبذل الجهد في معرفته وفهمه يوماً بعد يوم، ثم من الضرورة القصوى الوقوف إلى جانبه والحفاظ على ما خلف للبشرية من شريعة وعقل وحضارة(8).
وهذه الحقيقة آمن بها أسلافنا وهي السر الذي دفع بهم إلى العناية المتواصلة بالقرآن والبحث عن كنوزه واستجلاء أسراره ومعانيه فقام المفسر بما يحسن من التفسير ونهض كل دارس بما يستوعب من قدرة على التعبير..
   

        ومن هذا التفاسير الفريدة ـ تفسير (البيان في تفسير القرآن) وهو وإن لم يتجاوز فاتحة الكتاب إلا أنه سيظل منهجاً نموذجيا يترسمه كل مفسر معاصر يستهدف فهم القرآن فهما ذاتياً منبعه القرآن وهو يفسر كلام الله المنزل الذي دل على ذاته بذاته ويستدر فهمه من المنبع الذي يستأثر منه الوحي الإلهي بأسلوبه الواضح النير(9).
ومن المحاولات التفسيرية الرائدة في النجف الأشرف تفسير (آلاء الرحمن في تفسير القرآن) لمؤلفه العالم الكبير آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي (1282 ـ 1352) والذي قضى حياته الكريمة في الدفاع والنضال عن حامية الإسلام بقلمه وفكره وله في كلا المجالين مواقف مشهودة، وهذا التفسير من أدق مؤلفاته وأمتنها، لكنه من المؤسف جداً أن الأجل لم يمهله فقضى نحبه عند بلوغه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً) (النساء: 57).. فأكمل تفسير الآية ولحق ربه الكريم ليوفيه أجره حسبما وعد في الآية الكريمة إذا وعد وفى….(10).

        وكان شيخنا العلامة البلاغي عارفاً باللغات العبرية والانجليزية والفارسية إلى جانب لغته العربية مُجيداً فيها… وتفسيره هذا هادف إلى بيان حقائق كلامه تعالى وإبداء رسالة القرآن في أسلوب سهل ويكفي أن مقدمة التفسير تصلح أن تكون دراسة متكاملة تناولت كل ما يتعلق بإعجاز القرآن وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وصيانته من التحريف وغير ذلك، وقد طبعت مستقلة في تفسير العلامة عبدالله شبر مرارًا(11).

       ومن المحاولات التفسيرية المهمة في مدرسة النجف الأشرف هي محاولة آية الله السيد عبدالأعلى السبزواري (قدس سره) في كتابه (مواهب الرحمن في تفسير القرآن) وقد أفاض في دراسة وتفسير القرآن والإحاطة بكل جوانبه اللغوية والتاريخية والاعجازية والفلسفية والعرفانية… وهذه الميزة الأخيرة أهم ميزة في هذا التفسير…

        وكذلك فإن المحاولات الجادة في التفسير ومنها تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي (1321ـ 1402هـ) فإنها تسجل لمدينة النجف الأشرف والذي يعتبر من أهم التفاسير التي ظهرت في المكتبة الإسلامية الشيعية والذي اعتمد على أسلوب التفسير بالقرآن.

         هذه إلمامة سريعة بأهم المدارس التفسيرية التي احتضنتها مدينة النجف الأشرف وتأثرت بمدارسها وإن كان مؤلفوها قد فارقوا النجف الأشرف إلا أن التأثير ظل لفترة طويلة في مؤلفاتهم.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) حركة الشعر في النجف الأشرف وأطواره خلال القرن الرابع عشر الهجري/د.عبد الصاحب الموسوي ـ ص38.
2) التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب المحقق هادي معرفة ج2، ص375.
3) المصدر نفسه ص376
4) منهج الشيخ الطوسي في تفسير القرآن الكريم ص19، د. كاصد ياسر الزيدي.
5) مفاهيم القرآن ـ آية الله جعفر السبحاني ـ ج1 ص8.
6) نفس المصدر ص8ـ 9.
7) انظر ماضي النجف وحاضرها الشيخ جعفر باقر آل محبوبة ص4.
8) موسوعة الحوزة العلمية والمرجعية ـ السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) ج1 ص (386ـ 387).
9) راجع البيان في تفسير القرآن ـ آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره).
10) م.ن.
11) التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب ـ محمد هادي معرفة ج2ـ ص437ـ 439.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.