Take a fresh look at your lifestyle.

منهج الاستدلال القرآني عند الإمام الجواد(عليه السلام)

0 106

        استعمل مصطلح (الاستدلال) وتداولته بيئات معرفية متعددة(1)، فقد عرّفه الأصوليون والفلاسفة والمناطقة والمتكلمون وأهل الأدب والبلاغة، فضلاً عن اللغويين فهو (من المفاهيم العابرة للاختصاصات والعلوم وفروعها في مختلف المنظومات العلمية والثقافية، ولئن كان الاستدلال مفهوماً مشتركاً في المنظومة المعرفية القديمة في علوم المنطق والكلام وأصول الفقه والبلاغة، فهو أيضاً مشترك في علومنا الحديثة بين اللسانيات والدلاليات والتداوليات، وعلم النفس والذكاء الصناعي، والإعلاميات والعرفانيات …… الخ)(2).
وليس من وكد البحث الخوض في ذلك بقدر ما يريد أن يبين مفهوم هذا المصطلح وغاياته ومراميه وأهم البينات التي أغنته بحثاً وتنظيراً.
فالاستدلال في الاصطلاح بحدٍ يكاد يكون جامعاً مانعاً ولاسيما عند المناطقة هو: (استنتاج قضية مجهولة من قضية أو عدة قضايا معلومة، أو هو: التوصل إلى حكم تصديقي مجهول بواسطة حكم تصديقي معلوم أو بملاحظة حكمين فأكثر من الأحكام التصديقية المعلومة)(3) أو هو (تقرير ثبوت الأثر لإثبات المؤثر)(4).
وأرى أن بيئة الأصوليين والمناطقة أوفر البيئات العلمية تناولاً للمصطلح وتطويراً لحدوده، وتطبيقاً لممارساته ولاسيما عند أهل الأصول حيث يعتمد على آلياته في استنباط الحكم الشرعي من أصول النصوص الشرعية(5).
ومن لازم القول والبيان هنا أن الاستدلال عملية عقلية تجنح إلى القياس والمفارقة بين القضايا مناط البحث الاستدلالي، للوصول إلى إثبات دلالة بدليل بديهي واضح لا يكاد ينفصل عن قضيته بل هو الجزء الواضح المبين لها.

الإمام الجواد (ع) ومنهجه الاستدلالي
لقد كان لمكانة الإمام الجواد(عليه السلام) العلمية أثر حيّر ألباب أهل زمانه، وأفحم أساطين أعلام عصره مع حداثة سنه، وقصر مدة إمامته، ولعل ذلك كان سبباً في الاستعداء عليه واستشهاده وهو في ريعان شبابه صلوات الله عليه، يقول الشيخ المفيد في الإرشاد: (كان المأمون قد شغف بأبي جعفر(عليه السلام) لماّ رأى من فضله مع صغر سنه، وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل، ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل زمانه (6).
وقضية مقام الإمام(عليه السلام) وعلمه مع حداثة عمره كانت مرتكز العباسيين في الاستقتال على إبعاده وإقصائه فضلاً عن الرغبة بقتله وهو عين المحاورة التي جرت بين العباسيين والمأمون في حق الإمام(عليه السلام) فقد قالوا له: (إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه، فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين ثم اصنع ما تراه بعد ذلك.
فقال لهم: ويحكم إني أعرفُ بهذا الفتى منكم، وإن هذا من أهل بيت علمهم من الله، وموادّه وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال)(7).
وعلى الرغم من كل ذلك تلحظ مسلكاً تفسيرياً عظيماً، ومنهاجاً استدلالياً واضحاً في روايات الإمام الجواد(عليه السلام) فتراه كآبائه صلوات الله عليهم أجمعين يجعلون آيات القرآن مدار احتجاجهم على ما يعتقدون، وبرهان دلائلهم على ما يذهبون، فالآية عندهم وفي منهجهم التفسيري شاهدة على الآية الأخرى ناطقة بلسانها وهو مصداق قول الإمام علي(عليه السلام) في وصف القرآن: (ويَنْطِقُ بَعْضُه بِبَعْضٍ، ويَشْهَدُ بَعْضُه عَلَى بَعْضٍ)(8) وهذا المسلك أنجح المسالك في فهم الآيات، وأكثرها قبولاً في تناسب الدلالات القرآنية مع الأنظار التفسيرية، فهي لبُّ ما يسمى بمنهج تفسير القرآن بالقرآن وهو منهج محمود وطريق مرغوب فيه.
وأنت تلحظ في استقراء بعض من نماذج التفسير عن جواد آل البيت(عليه السلام) طريقاً في الكشف عن المراد الإلهي مرة بالاستدلال بالآية على الأخرى، وثانية بالاستدلال العقلي على صحة ما يذهب إليه وثالثةً بالمقاربة بين المعنى المجرد والتمثيل الحسي.
لقد نهج الإمام التقي(عليه السلام) نهج آبائه عليهم السلام في الاستدلال وإقامة الدليل على كل ما يحتج به ولعل نظرة متأملة في تراثه صلوات الله عليه توضح أهمية هذا المسلك عنده والذي جاء باتجاهين:
الأول: أن مجمل استدلاله كان بنصوص الآيات القرآنية التي هي أبلغ وأقوى حجة من غيرها.
الثاني: ما كان طريقه دليلاً عقلياً بديهياً وله علاقة بما هو عقائدي أو حكمي أو تفسير.
فعن (أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر الثاني(عليه السلام): (قل هو الله أحد) ما معنى الأحد؟
قال: المجمع عليه بالوحدانية، أما سمعته يقول: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله…) ثم يقولون بعد ذلك له شريك وصاحبة)(9) وفي رواية أخرى عن أبي هاشم الجعفري قال: (سألت أبا جعفر الثاني(عليه السلام) ما معنى الواحد؟
قال: الذي إجماع الألسن عليه بالتوحيد كما قال الله عز وجل: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله…)(10).
ويتضح طريق الاستدلال على المعنى من خلال توظيف معنى الآية المستدل به على بيان وتوجيه دلالة (الواحد) وهو وحدة الألسن نطقاً بتوحيده وكأنها لسان واحد غير متعدد فهو وإن كان موقف يشترك فيه الجمع إلا أن دلالة هذا الجمع في الإقرار بوحدانيته وهو ما تنبئ عنه الروايتان.
ويُسئل الإمام(عليه السلام) في الرواية ذاتها عن قوله: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) قال: يا أبا هاشم! أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار)(11).
استدلال بديهي فطري إذ جعل الإمام استحالة إدراك الأبصار لله تعالى دليل عظمة تنزيهه عن الرؤية من جهة وبياناً لحال الإنسان من جهة أخرى، وربط(عليه السلام) بين التصورات الحسية التي تشكلها حاسة البصر وهي قائمة على استكشاف ما هو حسي محدود، وبين تصورات الوهم التي تشكلها القوة الواهمة في الإنسان، من هنا يبدأ طريق الاستدلال من خلال المقارنة بين المطلبين صورة أوهام القلوب، وصورة أبصار العيون والأولى ليس لها حدود فهي سائحة تشكل بين أشياء متباعدة زماناً ومكاناً حقيقة ومجازاً إذا صح التعبير عن غير الحقيقة بالمجاز، فإذا كانت أوهام القلوب تعجز عن إدراك ماهية الخالق (صورته) وهي غير محدودة الأبعاد والحركة والتصور ويعبر عنها الإمام بلفظ (أدق) كناية عن نفاذ حركتها وسرعته وعدم خضوعها لقانون الزمان والمكان فضلاً عن أي شيء آخر، ومن خلال هذه المقابلة بين طرفي التصور والمقارنة بينهما يوجد الإمام(عليه السلام) استدلاله وينتزعه بشكل عقلي بديهي فطري يعيشه حساً وعقلاً ويقرره ويسلّم به إيماناً.
وتأخذنا استدلالات الإمام أبي جعفر إلى قضية تتصل بالنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) مصححاً ومنتقداً فهمهم لوصف النبي بالأمي: عن جعفر بن محمد الصوفي قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) محمد بن علي الرضا(عليه السلام) وقلت له: يا بن رسول الله لم سُميَ النبيّ الأميّ؟
قال: ما يقوله الناس؟
قال: قلت له: جعلت فداك يزعمون إنما سمي النبي الأمي لأنه لم يكتب ، فقال: كذبوا ، عليهم لعنة الله، أنّى يكون ذلك والله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فكيف كان يعلمهم ما لا يُحسن، واللهِ لقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو بثلاثة وسبعين لساناً وإنما سمّي الأمي لأنه كان من أهل مكة، ومكة من أمهات القرى وذلك قول الله تعالى في كتابه (أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا…)(12).
منهج الإمام (صلوات الله عليه) في استدلاله هذا اتبع فيه العقل والنقل فضلاً عن تكرار الاستدلال ليكون أوقع في إنكار هذا الفهم الشائع بين الناس، ولاسيما أن قضية نسبة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ما تزال إلى اليوم في مقام تبادل الآراء حول تفسير معنى الأمي، ومع وجود نص الإمام الجواد(عليه السلام) هذا تسقط مسوّغات القول بغيره فهو(عليه السلام) يكذب القائلين بالمعنى الآخر (الأمي) ويبرهن باستدلاله على أنه مفهوم يرجع لتسمية مكة بـ (أم القرى) فيأتي بالآية دليلاً نقلياً وحجة دامغة على من أغفل معرفتها أو جهل دلالتها ، والآية هي كاشفة عن نسبة النبي في بعثته إلى من (فِي الْأُمِّيِّينَ) وعرفها في أنها مكة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية توضح الآية الغاية والغرض من البعثة وهو: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) ومن يصفه القرآن بهذه الأوصاف (يتلو، يزكّي، يعلّم) يستحيل أن يتصف بصفة السلب مما وصفه بها الجاهلون إذ فاقد الشيء لا يعطيه، ومن جهة ثالثة ترى قوله تعالى (رَسُولاً مِّنْهُمْ) يعين من جزئهم المكاني وفيه دلالة على أنه مكيٌّ من أم . وعليه ترى أمراً عظيماً أن جواد آل محمد يقسم بالله بقوله: (واللهِ لقد …) وإنه لقسم عظيم أراد به ترسيخ هذا الفهم الصحيح في أذهان الناس وأهل المعرفة والعلم، ومن ينظر بأسلوب الرواية ودلالتها يجد إشارات ولطائف كثيرة تحيط بالرواية لأهميتها في وصف النبي الأعظم منها:
1ـ أن الإمام أجاب السؤال أول مرة بالسؤال عما يقوله الناس وأراد من ذلك إنكار مقولتهم فالسؤال لا يبدو مما أرى استفهاماً بقدر ما كان رغبة في تصحيح المعلومة.
2ـ تكذيبه(عليه السلام) للقائلين بالوصف غير اللائق بالنبي(صلى الله عليه وآله)، ولعنهم، واللعن هو الدعوة بالإبعاد عن الرحمة، لأنهم يصفون عظيماً لما لا يليق من جهة، ويخالفون الله جل وعلا في كتابه ونص آياته.
3ـ استدلاله(عليه السلام) المتنوع، وبراهينه المختلفة على صحة ما يقرره من معنى وتفسير لمفردة (الأمي).
4ـ قَسَمُ الإمام(عليه السلام) وهو قسم عظيم عند الله تعالى لأنه من أهل بيت العصمة(عليه السلام).
هذه بعض دلالات الحديث، وله من الدلالات الأخرى ما يطول بنا المقام عندها لذا فالإيجاز والاختصار ها هنا أبلغ وأنفع.
وأختم ظاهره الاستدلال عند الإمام الجواد(عليه السلام) بحادثة اشتهرت عنه وعدّها العياشي المفسر أنها كانت سبباً في شهادته على يد المعتصم العباسي.
خالف الإمام(عليه السلام) في مجلس المعتصم ـ وقد أُحضر رغمًا وأشخص غصباً ـ فقهاء السلطة في فتواهم في قضية حدِّ السارق. فقد ذهبوا مرة إلى القول بالقطع من الكرسوع، لأنهم فهموا قول الله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم) (المائدة:38). لأن معنى اليد هي (الأصابع والكف) إلى الكرسوع لقول الله في التيمم (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ…) (النساء:43) وهو رأي ابن أبي داود، وقال آخرون من فقهاء المعتصم إن القطع يجب من المرافق لقوله تعالى في الغسل: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ..) فقد دلّ على أن المراد من اليد هو المرفق.
ويبدو أن المعتصم العباسي يعرف شأن المتحدثين، ومقدار علمهم فطلب من الإمام الجواد(عليه السلام) القول. فرد الإمام(عليه السلام) بقوله تكلّم القوم فيه. فقال المعتصم: دعني مما تكلّموا به.
ثم أقسم عليه أن يقول.
فقال الإمام(عليه السلام): إنهم أخطؤوا السنة، فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكف.
قال المعتصم: وما الحجة في ذلك؟
قال الإمام(عليه السلام): قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها.
وقال الله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ـ يعني به الأعضاء السبعة التي يسجد عليها ـ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) وما كان لله لم يقطع(13) وأنت ترى كيف استدل الإمام(عليه السلام) بالسنة من جهة وبالنص القرآني من جهة أخرى وكلاهما يؤديان المعنى نفسه. ومن لطائف الاستدلال ها هنا أن الإمام فسر الآية بالآية فسر آية السرقة بآية السجود، وجمع بين دلالتين لآيتين في موضوعين مختلفين وهو من أهم أبواب تفسير القرآن بالقرآن إذ يجمع المفسر الحق بين آية بموضوع معين وآية أخرى بموضوع مختلف ويوجد بينهما صلة، ويقرر بينهما الدلالة التي تشهد على أن هذا القرآن ينطق بعضه عن بعض ويشهد أوله على آخره وآخره على أوله ووسطه على أوله وآخره، ومن غير أهل البيت(عليه السلام) يكشفون هذه المعاني والدلالات التي لا يحيط بها غيرهم فهم أهل القرآن والناطقون به وأخص الناس ببيانه، (علينا نزل قبل الناس ، ولنا فسر قبل أن يفسر في الناس)(14) والحمد لله أولاً وآخراً.

نشرت في العدد 53


(1) ظ/الاستدلال في كتاب نهج البلاغة /4ـ 6، الاستدلال عند الأصوليين /19ـ 15.
(2) الكليات/2 / 320، كذلك/ التعريفات /61 أساس البلاغة /1/ 295.
(3) الاستدلال البلاغي / شكري المبخوت/ 17.
(4) ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة/ 149.
(5) الكليات /2 /322. ظ كذلك، منهج القرآن الكريم في إمامة الدليل والحجة/مجاهد محمود وأحمد ناصر/ 136.
(6) الإرشاد: 299.
(7) المصدر نفسه: 300.
(8) نهج البلاغة ص192.
(9) الاحتجاج/الطبرسي ج2ص238.
(10) التوحيد/83.
(11) الاحتجاج/ 2/ 238 .
(12) بصائر الدرجات ص225،معاني الاخبار ص53،الاختصاص/263،العلل ج1ص118.
(13) ظ/تفسير العياشي ج1ص319.
(14) البحار/المجلسي ج23ص196.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.