Take a fresh look at your lifestyle.

0 101

     قال تعالى في كتابه العزيز: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). (البقرة:30-32)
يثير النّصّ القرآني هذا استفهامات عدّة، تتـشـعــب على
محاور:
1ـ من قائل القول هذا؟ الملائكة أم غيرهم! ولو كان الملائكة فما نوع الاستفهام المعروض، وهل يتناسب هذا مع صفات الملائكة.
2ـ وَصْفُ الخليفة بالفساد وسفك الدماء، أهو علم بحقيقة، أم تهمة؟
3ـ أفي القول: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَك) تخطئة للحكم الإلهي في بيان أحقيتهم في الخلافة؟
4ـ أقائل: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَك) هو قائـل (سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ؟
5ـ أرى التوصل إلى معرفة هويّة القائل (أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَك) تيسّر فهم النصّ وتجيب عن الاستفهامات تلك، وتغني عن كثير من التأويلات التي قد يضطرّ إليها المفسر اضطراراً.
إن الفكرة الّتي يفترض صحتها البحث ويحاول إثباتها ترى القائل (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) إبليس دون الملائكة، وأن قائل: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) هم الملائكة دون إبليس.

آراء المفسرين:
يستفهم أحد الباحثين عن الحوار في الآية-موضوع البحث-أهو قصّة حقيقيّة دار الحوار فيها بين الله سبحانه والملائكة، أم إنـه أسلوب قرآنيّ لتقريب الفكرة؟ ويرى الباحث أن الأسلوب هذا ليس بدعاً في الأساليب القرآنيّة، إذ في القرآن الكريم كثيراً ما يدور حـــوار بين الله تعالى وما لا يعقل ولا ينطق من مخلوقاته.كما في قوله تعالى عن السماوات والأرض، إذ قال لهما (ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين) (فصلت: من الآية11) إذ قرّب فكرة خضـوع الّسـمـــاوات والأرض في تكوينهما لله سبحانه بما أودع فيهما من قوانين طبيعية تسيّرهما على وفق إرادته وحكمــته.إلاّ أن الظّــواهر الكلامـيّة بين العقلاء حجة ما لم يكن هناك دليل عقلي يمنعها. لذا فالنّصّ يلزمــــنا الإقرار بحقيقة الحوار هذا، لأنه كان مع عقلاء (1) إذ لا يمكن حمــله على الكناية أو المجاز، ولاسيّما أن سقوط إبليس وسلوكه في الهالكين كان نتيجة للحوار هذا. قال تعالى: (وإذ قُلْـنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْـبَرَ وَكَــانَ مِـــنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:34) أي صار من الكافرين بفعلته هذه (2).
إذن – الحوار حقيقيّ.. ولكن كيف الخطاب للملائكة والإنكار على إبليس تخلفه عن السجود؟ فقد قال تعالى (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة… وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ…) ولاسيما أن هناك آية تصرح بأنّ إبليس ليس من جنس الملائكة. قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه) (الكهف: من الآية50).
إنّ العرض القرآنيّ شحذ همّة التأويل لدى المفسرين فقيل: إنّ الجنّ ومنهم إبليس كانوا مأمورين أيضًا بالسجود مع الملائكة، وقيل إنّ إبليس كان مغموراً بالألوف من الملائكة، فغلّبوا عليه بالنداء، وهذه سنّة عربية في اللّغة، أو إنه كان مأموراً صراحة إلاّ أنّ القرآن لم يصرِّح بذلك (3) وقيل إنّما دخل في الأمر لكونه منهم بالولاء ولم يكن من جنسهم (4).

وأيّما نكت تحمل تلك الآراء فإنّ المغني عنها النّصّ القرآني وهو ُيفهم أنّ إبليس كان من المخاطبين. ولكن ما الغرض الربّانيّ من عرضه جلّ جلاله قضيّة جعل الخليفة في الأرض؟ لقد استفهم أحد الباحثين:أكان الله سبحانه في مقام استشارة الملائكة، أم كان في مقام إخبارهم بذلك؟ ولابد ّمن رفض فكرة الاستشارة لأنّ الاستشارة تطلق في محاولة الوصول إلى الرأي الأكثر صواباً (5) وحتى قول من يرى أنها مشاورة الغرض منها تعليم عباده إياها في أمورهم قبل أنْ يقدموا عليها (6)

. فمردود، لأنّ القرآن الكريم لم يخبرنا أنّ الله سبحانه يشاور أحداً لأيّ غرض من الأغراض، إنّما علم النّاس المشورة عندما قال لرسوله الكريم محمّد(صلى الله عليه وآله): (وشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر) (آل عمران: من الآية159) وقال تعالى أيضاً (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: من الآية38) وقيل إنّ الله سبحانه عرض الأمر لإخبارهم بأنّه جاعل في الأرض خليفة (7). ولكن سياق القصّة يدل على أنّ الإخبار كان مقدمة للأمر بالسجود، إذ بعد بيان مكانة المخلوق هذا، وتكريمه بالخلافة يأمر الملائكة بالسجود، إلاّ أنّ الاستفهام الّذي اعترض النّصّ باعد بين الإخبار بالخلافة والأمر بالسجود.
إذن: ما نوع الاستفهام المعروض؟
قيل إنّه استفهام محض، أو على طرق التعجب (8) أو إن الملائكة قالوا ذلك لاستعلام وجه الحكمة، لا على وجه الاعتراض أو الإنكار، أو إنّهم سألوا عن حال أنفسهم، فتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبّح بحمدك أم لا؟ (9) وقيل إنّ الاستفهام كان اعتراضاً من الملائكة (10).

ولمّا رأى بعض المفسرين أنّ هذا لا يتناسب مع صفات الملائكة راح يتأوّل. فقيل: إنّ الملائكة على نوعين:منهم العقول والأرواح المجردات عن الماديّات، ومنهم من له تعلق بالماديّات، وهم الملائكة الموكلة على الأرضيات، وهم المأمورون بالسجود لآدم، ولذا جاء منهم الاعتراض الظّاهر في الآية لمجانستهم للجنّ ومنهم إبليس (11).
إنّ الّذي أجهد المفسرين في التأويلات تسليمهم بأنّ القائل: (أَتَجْعَلُ فِيهَا…): الملائكة، ولمّا كانت صفات الملائكة الظّاهرة في القرآن الكريم لا تتناسب مع الاستفهام هذا، راحوا يوجّهون القول بأوجه لا يخفى التكلف فيها.لأنّ سياق الكلام يتضح فيه الاستفهام الإنكاري، وإنْ وجّه نحو التّعجب، فالتّعجب من شيء ينكرونه: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ).
إذن: من القائل: (أَتَجْعَلُ فِيهَا…)؟
إن مصادر ومراجع البحث هذا كلّها تقول إنّ القائل: (الملائكة) إلاّ الشيخ الآلوسي، فإنّه يعرض رأياً ولم يَتبنّهُ بل يقول (وقيل إنّ القائل إبليس، و قد كان إذ ذاك معدوداً في عداد الملائكة ويكون نسبة القول إليهم على حدّ بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم) (12).
إنّ الرأي هذا يجعل من ظاهر القول شيئاً مفهوماً، مغنياً عن التأويلات المتكلّفة. فإبليس يسبق ربّه بالقول، إذ لم ينفِ القرآن الكريم عنه تلك الصفة كما نفاها عن الملائكة إذ قال بأنهم: (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء: 27) لذا كان الاستفهام قبل وصول الحوار إلى غايته، وهو الأمر بالسجود لآدم. أما إبليس فقد (كَانَ مِنَ الْجِن) (الكهف: من الآية50) أي صاحب عقل وهوى، فهو يعترض ويدعي لنفسه كرامة الاستخلاف في الأرض. وإبليس لم يُعصم عصمة الملائكة، فيمكنه إطلاق تهمٍ جزافاً، إذ اتهم آدم بأنّه: (مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) ولم تكن تلك حقيقة واقعة، إنّما حصلت في ما بعد لذريّة آدم، حتى قال تعالى في ذلك: (ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه) (سـبأ: من الآية20) وقيل المعنى إنّ إبليس قال له ظنّـه الصدق (13) (فكأنّه ظنّ فيهم أمراً واعده نفسه فصدّقه) (14) إذ رأى فيهم مبدأ الشر والفساد (15).

وما كان ذلك إلاّ ظنّاً ظنّه إبليس فبدّل النّاس ظنّه صدّقاً (16). فإذا فهمنا أنّ إبليس القائل (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) وعرفنا بأنّ القول تهمة محضة نلمس عناء المفسرين في تأويل القول هذا. فقد قيل :المقصود ليس آدم بل ولده (17) وإنّ الملائكة فهمت أنّ في بني آدم من يفسد فعمّموا الحكم على الجميع (18) وقد علموا ذلك من إفساد الجنّ وسفكهم الدماء، وذلك أنّ الأرض كان فيها الجنّ ففسدوا وسفكوا الدماء فقاسوا الثاني على الأوّل (19) وقيل لابدّ أنّ الله سبحانه قد ألهمهم بأنّ من ذريّة الخليفة من يفسد ويسفك الدماء (20).

وقيل إنّما الملائكة (فهموا وقوع الفساد وسفك الدماء من قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) حيث الموجود الأرضي بما أنّه ماديّ فانتظاماتها وإصلاحاتها في مظنّة الفساد ومصبّ البطلان، ولاتتم الحياة فيها إلاّ بالحياة النوعيّة، ولا يمكن البقاء فيها إلا بالاجتماع والتعاون، فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء) (21).
يتضح للمتأمّل التّكلف والعسر في التأويلات هذه. إذ افترض المفسرون على النّصّ افتراضات عدّة لا نجد لها صدًى في النّصّ القرآنيّ كلّه. وعالج المفسرون، وبالتكلّف نفسه، القول: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) إذ فيها يفضّل المتكلّم نفسه في الخلافة على آدم تفضيلاً واضحاً، ويوحي بتخطئةِ الحكم الإلهي. فقيل إنّ الملائكة قالوا مقولتهم غَيْرَة على الله سبحانه، إذ قالوا نحن الّذين ننزّهك عمّا لا يليق بك من الصفات ولا نعصيك (22) أما أولئك فيتحاسدون ويتباغضون، ويعصون فاجعل الخليفة منّا(23).
توحي النصوص تلك بأنّ التأويلات تحمل افتراضات على النّصّ من جهة، وفيها صفات غير مجانسة لصفات الملائكة من جهة أخرى.
إذن: من القائل: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
من خلال ما تقدم وللمسوغات الّتي عرضناها نستطيع الوصول إلى نتيجة مفادها أن هذا القول عائد إلى إبليس وليس إلى الملائكة… والحمد لله رب العالمين .

نشرت في العدد 50


(1) من وحي القرآن:1/147.
(3) ينظر:روح المعاني:1/231.
(4) ينظر:م ن:1/229-237.
(5) ينظر: الصافي في تفسير كلام الله:1/92.
(6) ينظر: من وحي القرآن:1/147.
(7) ينظر: الكشاف:1/93.
(8) ينظر:تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام:1/216.
(9) ينظر:الجامع لأحكام القرآن:1/274.
(10) ينظر:زاد المسير:1/60، والتبيان في تفسير القرآن:1/128، ونهج البيان 1/114.
(11) ينظر:بيان السعادة:1/72.
(12) ينظر:م0ن:1/72.
(13) روح المعاني:1/221.
(14) ينظر:تفسير البيضاوي:4/398.
(15) التبيان في اعراب القرآن:2/197.
(16) ينظر: ارشاد العقل السليم:3/129.
(17) ينظر:تفسير القرآن العظيم:3/126.
(18) ينظر:جامع البيان:1/201.
(19) الجامع لأحكام القرآن:1/274.
(20) ينظر: م.ن: 1/274، وتفسير القرآن العظيم: 1/42.
(21) ينظر:الجواهر الحسان:1/115.
(22) الميزان:1/115.
(23) ينظر: تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام: 1/216.
(24) ينظر: تفسير القمي: 1/36 و: تفسير القرآن الكريم: شبر:1/6.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.