Take a fresh look at your lifestyle.

الشريف المرتضى (علم الهدى) مكانته ..علمه ..آثاره

0 163

          الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي (355ـ 436 ﻫ) كان من أئمة المسلمين في الفقه والأصول والتفسير وعلم الكلام وله باع في علوم العربية،

          عاش في بغداد خلال فترة الحكم البويهي الذي بدأ سنه (320ﻫـ) في العراق وفارس، وكانت هذه الفترة من فترات ضعف الخلافة العباسية ومليئة بالصراعات السياسية، ولم يكن لهذه الصراعات آثار سلبية على النشاطات الفكرية والثقافية، بل على العكس لقد شهدت هذه المرحلة حركة علمية واسعة ونشطة، خلفت ذخيرة كبيرة من المؤلفات والأعمال في كثير من المجالات العلمية والمعرفية، وله مجموعة متزاحمة من الثقافات والمعارف العالية فإن له آثاراً متميزة في القرآن والكلام والعقائد والفقه وأصوله والأدب والشعر والجدل وغيرها من العلوم والفنون .

           وكان رحمه الله ميّالًا إلى الزهد في الدنيا راغبًا عنها ذامًّا لها، داعيًا إلى الاعتبار فيها، سالكًا سبيل أجداده الكرام (عليهم السلام) من جعلها مجازًا للآخرة، وزادًا لدار القرار.

            إلّا أنه مع زهده في الدنيا وتقشفه فيها كان ذا مقام سياسي في الدولة خطير، وذلك بفضل ما أوتي من أصالة الرأي ووقار العلم والمال، مع عزّ العشيرة وكثرة الرجال، وكان شغوفًا بالعلم منصرفًا إليه بين دراسة وتدريس محبًا لتلامذته وملازميه.

         والذي يدرس الشريف المرتضى يجده عالمًا موضوعيًا في شتى المجالات الفكرية والعلمية والثقافية والجوانب الأخرى.

  اسمه ونسبه وولادته:

             هو السيد الشريف أبو القاسم علي بن طاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

            ولد السيد الشريف المرتضى في رجب سنة (355 هـ – 966 م) في بغداد، لقب بالمرتضى ذي المجدين علم الهدى. كان أوحد أهل زمانه علمًا وكلامًا وحديثًا وشعرًا فكان بذلك مثالًا للثقافة الكاملة.

            أما والده فيكنى بأبي أحمد ويلقب (بالطاهر، الأجل، ذي المناقب، الأوحد) كان نقيب الطالبيين وعالمهم وزعيمهم، جمع إلى رياسة الدين زعامة الدنيا لعلو همته وسماحة نفسه وعظيم هيبته وجليل بركته. وكان قوي المنة شديد العصبة.

            وأما والدته فهي فاطمة بنت الحسين الملقب بالناصر الصغير نقيب العلويين في بغداد وعالمهم وزاهدهم وشاعرهم.

            وقد ورد في كتاب الفوائد الرجالية حول نسب الشريف المرتضى ما يأتي:

           (أما النسب فهو أقصر الشرفاء نسبًا، وأعلاهم حسبًا، وأكرمهم أمًا وأبًا وبينه وبين أمير المؤمنين (عليه السلام) عشر وسائط من جهة الأم والأب معًا وبينه وبين الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام خمسة آباء كرام)(1).

  سماته الخَلقية وصفاته الخُلقية:

        كان الشريف المرتضى رحمه الله ربع القامة نحيف الجسم أبيض اللون حسن الصورة. اشتهر بالبذل والسخاء والإغضاء عن الحُسّاد والأعداء، بالرغم مما وصمه به هؤلاء من البخل وقلة الإنفاق. وخير دليل على سخائه وبذله ما تعهد بمكتبته (مشهورة جدًا، حيث تضم ثمانين ألف كتاب) ومدرسته العلمية وتلامذته من إنفاق وبذل.

          وكان رحمه الله ميّالًا إلى الزهد في الدنيا راغبًا عنها ذامًا لها، داعيًا إلى الاعتبار فيها، سالكًا سبيل أجداده الكرام (عليهم السلام)، والصحابة المنتجبين العظام، من جعلها مجازًا للآخرة، وزادًا لدار القرار.

          إلّا أنه مع زهده في الدنيا وتقشفه فيها كان ذا مقام سياسي في الدولة خطير، وذلك بفضل ما أوتي من أصالة الرأي ووقار العلم والمال، مع عزّ العشيرة وكثرة الرجال.

            وكان رحمه الله شغوفًا بالعلم منصرفًا إليه بين دراسة وتدريس، محبًا لتلامذته وملازميه.

           وقد اتخذ من داره الواسعة مدرسة عظيمة تضم طلاب الفقه والكلام والتفسير واللغة والشعر والعلوم كالفلك والحساب وغيره، حتى سميت (دار العلم)، وكان له فيها مجلس للمناظرات.

          والملفت للنظر حسب ما روى المحققون أن مدرسته كانت جامعة إنسانية اجتمع فيها كثير من طلاب العلم من مختلف المذاهب والملل دون تفريق بين ملة وملة ومذهب ومذهب آخر.

        وهذا يدل على رحابة صدره وسعة أفقه وعمق نظرته الإنسانية وترفعه عن العصبية والطائفية والمذهبية التي كان يعتبرها نابعة من الجهل وضيق الأفق.

          كما أنه (قدس سره) شغف بجمع الكتب وولع باقتنائها، ويكفي ما ذكر أن خزانته ضمت ثمانين ألف مجلد من مصنفاته ومحفوظاته ومقروءاته على ما حصره وأحصاه صديقه وتلميذه أبو القاسم التنوخي(2).

  عصره ومعاصروه وأصحابه:

            عاش الشريف المرتضى في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجريين وهي فترة انكماش الدولة العباسية وضعفها ووهنها أيام سيطرة أمراء الإقليم على حكم أقاليمهم وتولي بني بويه شؤون السلطة في بغداد.

           وكان له بفضل ما أوتي من شرف العلم والنسب وما تحلى به من غزارة العلم وقوة الشخصية وعزة النفس ووفره المال وجميل الخصال وسمو الرتبة وجليل المكانة أصدقاء كثر جلهم من أهل العلم والأدب والفضل والشرف.

            ويكفي أن نذكر بعض أساتذته وتلامذته ممن كانت لهم المراكز والرتب العلمية والدينية والدنيوية، إضافة إلى صلاته الوثيقة بالخلفاء والملوك والوزراء والأمراء والقادة، لنتبين المكانة العالية التي كان يتمتع بها رحمه الله.

  أساتذته ومشايخه:

   1- الشيخ المفيد (ت413هـ) العالم المتكلم المشهور، اشتهر بكثرة علمه. وهو محمد بن محمد بن النعماني العكبري البغدادي المكنى بأبي عبد الله وابن المعلم.

    2- ابن نباتة: الشاعر المشهور وهو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة السعدي.

   3- المرزباني (ت378هـ): وهو أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى بن عبيد الله المعروف بالمرزباني. كان راوية للأخبار والآداب والشعر.

   4- ابن جنيقا: وهو أبو القاسم بن عبد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق المعروف بابن جنيقا. كان قاضيًا محدثًا ثقة مأمونا حسن الخلق.

   5- أبو عبد الله ابن بابوية القمي: وهو الحسين بن علي بن الحسين بن بابوية، أخو الشيخ الصدوق، كان جليل القدر عظيم الشأن في الحديث. وقد وثقه أصحاب التراجم، وأخباره مشهورة في كتبهم(3).

  من تلامذته:

    1- شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ): وهو الفقيه الأصولي والمحدث الشهير.

   2- أبو يعلى سلار (سالار) بن عبد العزيز الديلمي (ت463 هـ): وهو محمد بن حمزة أو ابن عبد العزيز الطبرستاني. وكان ينوب عن أستاذه المرتضى في التدريس، وهو فقيه متكلم.

   3- أبو الصلاح تقي الدين بن النجم الحلبي (ت477هـ): وهو الشيخ تقي الدين بن النجم الحلبي خليفة المرتضى في البلاد الحلبية ومن كبار علماء الإمامية.

   4- القاضي أبو القاسم عبد العزيز بن البراج (ت481هـ): وهو أبو القاسم القاضي السعيد عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج.

   5- أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي (ت 449هـ): وهو الشيخ الإمام العلامة أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، عالم، فاضل، متكلم، فقيه، محدث، ثقة جليل القدر.

   6- عماد الدين ذو الفقار محمد بن معبد الحسني: وهو السيد الإمام عماد الدين ذو الفقار محمد بن معبد بن الحسن بن أبي جعفر الملقب بحميدان، أمير اليمامة بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف بن الأخيضر بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). كان فقيهًا عالمًا متكلمًا ورعًا.

   7- أبو عبد الله جعفر بن محمد الدوريستي: هو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد بن العباسي الرازي الدوريستي. من أكابر علماء الإمامية اشتهر في جميع الفنون(4).

              عاصر الشريف المرتضى من الخلفاء كل من: الطائع لأمر الله، والقادر، وابنه القائم بأمر الله وأبو العباس محمد بن القائم بأمر الله.
            وعاصر من الملوك: بهاء الدولة البويهي وأبناؤه شرف الدولة، وسلطان الدولة، وركن الدين جلال الدولة، وأبو كاليجار المرزبان.

  ما قيل في الشريف المرتضى:

          قيل في الشريف المرتضى الكثير في تعداد مزاياه وفضائله ومراتبه:

   1- في مرآة الجنان: (إمام أئمة العراق بين الاختلاف والافتراق، إليه فزع علماؤنا، وأخذ عنه عظماؤنا، صاحب مدارسها وجامع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره وعرفت بها أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره وتواليفه في أصول الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين مما يشهد أنه فرع تلك الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل)(5).

   2- في جامع الأصول قال ابن الأثير: (إن مروج المائة الرابعة بقول فقهاء الشافعية هو أبو حامد أحمد بن طاهر الأسفرايني، وبقول علماء الحنفية أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، وباعتقاد المالكية أبو محمد عبد الوهاب بن نصر، وبرواية الحنابلة هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن حامد، وبرواية علماء الإمامية هو الشريف المرتضى الموسوي)(6).

   3- في تتمة يتيمة الدهر قال الثعالبي: (قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم، وله شعر في نهاية الحسن)(7).

   4- وجه تلقيبه بـ (علم الهدى): إن سبب تسمية السيد المرتضى ب‍ـ (علم الهدى). أنه مرض الوزير أبو سعيد محمد بن الحسين بن عبد الصمد، في سنة عشرين وأربعمائة، فرأي في منامه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول له:

           قل لعلم الهدى يقرأ عليك حتى تبرأ، فقال: يا أمير المؤمنين ومن علم الهدى؟ فقال (عليه السلام): علي بن الحسين الموسوي. فكتب إليه الوزير بذلك، فقال: الله الله في أمري فإن قبولي لهذا اللقب شناعة عليَّ، فقال الوزير: والله ما كتبت إليك إلّا بما لقبك به جدّك أمير المؤمنين (عليه السلام). فعلم القادر الخليفة بذلك، فكتب إلى المرتضى، يا علي تقبل ما لقبك به جدك، فقبل وأسمع الناس)(8).

  تصانيفه:

              وقد بلغت تصانيفه ورسائله ومؤلفاته مئة وسبعة عشر مصنفا(9).

             وهكذا نجد الشريف المرتضى طيب الله ثراه، قد مخر عباب هذا البحر الزاخر المتلاطم الأمواج الدينية منها والأدبية والفكرية والسياسية والاجتماعية، فكان كالمارد تحدى العواصف والأعاصير ممتشقًا ذهنًا وقّادًا وقلبًا كبيرًا، وعلمًا غزيزًا، وعزيمة لا تلين. فكان بحق عَلما في حياته، وقدوة بعد مماته.

          وقد ذكر الجزري: (…. كانت إليه نقابة الطالبيين ببغداد وكان عالمًا فاضلًا متكلمًا فقيهًا على مذاهب الشيعة وله تصانيف كثيرة)(10).

         ونقل في موضع آخر قوله: (… من المجدّدين لمذهب الإماميّة على رأس المائة الثالثة على رواية أو قول علماء الإمامية)(11).

          ألَّف في العلوم الإسلامية كتبًا كثيرة تقرب من ثمانين كتابًا ورسالة من مختصر ومطول طبع بعضها ولا يزال المعظم منها غير مطبوع.

         من مؤلفاته المطبوعة (الأمالي) و(الشافي في الإمامة) و (طيف الخيال) و(الشهاب في الشيب والشباب) و(تنزيه الأنبياء) و (الانتصار) و(ديوان شعره) و(الفصول المختارة) و(المقنع في الغيبة) و(الأصول الاعتقادية) و(أحكام أهل الآخرة).

  وفاته:

          توفي السيد الشريف المرتضى (قدس سره) في الخامس والعشرين من ربيع الأول من سنة (436 هـ 1044م)، وعمره يومئذ ثمانون سنة وثمانية أشهر، ودفن في داره أولًا ثم نقل إلى جوار جده موسى بن جعفر (عليه السلام)، حيث دفن في مشهده المقدس مع أبيه وأخيه وقبورهم ظاهرة مشهورة (12).

___________________________________________________

1) الفوائد الرجالية/بحر العلوم/ص44.
2) التنوخي: هو أبو القاسم علي بن المحسن القاضي صاحب المرتضى وتلميذه، ولد بالبصرة سنة 365 هـ‍ وولي القضاء بالمدائن، وكان متحفظًا في الشهادة محتاطًا صدوقًا في الحديث توفي (سنة 447) ودفن في داره بدرب التل، وقد كتب عنه الخطيب البغدادي وصلى على جنازته.
3) ظ: روضات الجنات/محمد باقر الأصفهاني الخوانساري/ص 383.
4) الموضح عن جهة إعجاز القرآن (الصرفة)/السيد المرتضى، المقدمة.
5) م.ن/ص6 (المقدمات).
6) مرآة الجنان/اليافعي/3: 28.
7) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول في إحدى طبعاته 4: 644.
8) ظ : رياض العلماء/للحجة عبد الله الأفندي.
9) تتمة يتيمة الدهر في ذكر أحواله وأحوال شعرائه، الثعالبي /1 / 35 ط.
10) روضات الجنات /ص 295 – 296.
11) رسائل الشريف المرتضى/المجموعة الأولى/ص33 – 39.
12) جامع الأُصول في أحاديث الرسول/ابن الأثير الجزري/ج4: ص197.
13) المصدر نفسه/ج4: ص231.
14) رسائل الشريف المرتضى/المجموعة الأولى /ص39.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.