Take a fresh look at your lifestyle.

هل لهذا الكون من خالق؟

0 121

   سؤال يبحث عن إجابة!

          هل لهذا الكون من خالق؟

         سؤال قد يراود الإنسان، وكم يتمنى معرفة الإجابة عنه، يوجهه الطفل الصغير إلى أبيه، ويطرحه الشاب المتحير المضطرب لمعرفة ما يحيط به، فيؤرقه ويقلقه، وقد لا يجد من يقدم له الجواب الشافي، ويدور في أحيان كثيرة في عقول بعض الناس، فيتهمون أنفسهم بضعف الإيمان وهذه هي وساوس الشيطان فيستعيذون بالله من الشيطان ووساوسه، وقد يشتد طرح هذا السؤال في عقل الإنسان في ساعات الضعف والنكبات والمرض وغيرها.

          هذا السؤال راود الإنسان منذ القدم، ولذلك اختلفت توجهات البشر تبعًا لمستوى تفكيرهم ولما توصلوا إليه، فمنهم من اعتقد بعظمة الشمس والقمر والكواكب فعبدوها، ومنهم من عبد النار، ومنهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد الله الواحد الأحد، ومنهم كفر وألحد.

           وسيبقى الإنسان يتطلع للإحاطة بالإجابة على هذا السؤال مادام يعيش في هذه الحياة وله عقل يفكر به.

          ويبدو أن الخلجات النفسية هذه متلازمة مع طبيعة الإنسان، وليس من الصحيح إنكارها واستنكارها والتغافل عنها، لأن سيرة الإنسان وتفكيره وسلوكه ونظرته إلى الحياة وإلى البشر وتعامله معهم، وكل كيانه ووجوده نابع من عقيدته بخالق هذا الكون وموقفه منه.

          ورغم أهمية هذا السؤال، إلّا أن قليلًا من الناس يحصلون على الإجابة الشافية الوافية عنه، فالأب يرد على صغيره ردًا لطيفًا حين يسأله، أو قد يشغله بأمر آخر محاولًا إلهاءه عن سؤاله، متصورًا أن ذلك سيقنعه. وقلما يجيب المدرس عن هذا السؤال حين يطرحه أحد طلابه عليه، وعندها يبقى الطالب في حيرة من أمره إذ لم يشف علته جواب استاذه ويقنع عقله التواق للإجابة الشافية.

          وكذلك لو طرح هذا السؤال على بعض رجال الدين، فسيكون جوابه غالباً هو ذكر آيات من القرآن أو بعض الأحاديث الشريفة، وهذه الإجابات على قدسيتها وأهميتها إلّا أنها ليست المطلوبة في هذه الحلات، فيضطر الشاب إلى التظاهر بالاقتناع خشية أن يتهم بعدم الإيمان أو الإلحاد.. ولكن يبقى في حيرة من أمره لأنه لم يحصل على ما يريد.

          إن ما يتوق له الشاب ـ وخصوصًا في عصرنا الحالي، عصر العلم والتكنلوجيا والفضاء، حين يسأل هذا السؤال: هل من خالق لهذا الكون؟ لابد أن تكون الإجابة مستلة من أسرار هذا الكون وقوانينه، وما توصل إليه علماء الطبيعة من اكتشافات حيرت العقول. فهذه الإجابة النابعة من العقل والمنطق السليم هي التي تدعوه إلى الاقتناع والإيمان بالله سبحانه. وبذلك يكون إيمانه مبنيًا على أسس متينة رصينة يصعب تصدعه واهتزازه لأي عاصفة فكرية خبيثة أو دعوة إلحادية مقيتة.

  انتشار الفكر الإلحادي

         إن الفكر الإلحادي الذي أخذ بالانتشار مع بدايات القرن العشرين في بلداننا العربية والإسلامية، والذي أجاد الغرب استغلالَه في بداية حضارته الصناعية، متزامنًا مع ظهور النعرات القومية والصيحات العصبية، التي جعلت من الدين السبب الرئيس لتأخر الأمة الاسلامية، وأنه الحجر الكؤود أمام تقدمها ورقيها، وبالتالي صار لزامًا على الأمة نبذ دينها وتركه، من أجل اللحاق بالأمم وركوب سفينة حضارتها وتقدمها،

           هذا هو منطقهم وهكذا يقولون، ناسين أو متناسين أن أسلافنا وبفضل الدين الإسلامي العظيم، هم من علموا الأمم التي كانت غارقة بجهلها وعصورها المظلمة، سبل الرقي والتقدم والحضارة، والذي بدأ بالعرب فانتشلهم من غياهب الجهل والوثنية، والانحطاط والتخلف، تنهش بهم الأمم وتغزوهم في عقر ديارهم، إلى أن يكونوا أصحاب حضارة وفكر فاق الشعوب والأمم رقيًا وازدهارًا، ثم لم يكتفوا بذلك، بل نقلوا تلك الحضارة إلى باقي الشعوب والأمم، وبقيت آثارهم العمرانية والحضارية شاخصة حتى يومنا هذا، تحكي عن عظمة هذا الدين وما خلفه من حضارة في تلك البلدان.

         متجاهلين في الوقت عينه أن سبب تأخرنا عن ركب الحضارة هو ابتعادنا عن روح ديننا القويم وجوهره، وبقينا متمسكين بقشوره وظواهره دون لبابه، فحصل ما حصل بنا من تأخر وتخلف وسيطرة الأمم علينا وعلى مقدراتنا وخيراتنا.

 

   النظام الكوني وسننه

           مما أثبتته فروع العلم بكل توجهاتها أن هناك نظاماً مذهلًا متناهيًا بالدقة والإتقان يسيّر هذا الكون ومخلوقاته كبيرها وصغيرها، يعتمد القوانين والسنن التي لم تتغير ولم تتبدل، والتي يبذل العلماء جهودًا مضنية محاولين اكتشافها والإحاطة بها.

          وكمثال على دقة هذا النظام وهذه السنن استطاع العلماء أن يحددوا أوقات بعض الظواهر الكونية كالخسوف والكسوف قبل وقوعها بقرون من الزمن، أو مرور مذنب هالي من الأرض كل 76 عامًا(1).

          والسؤال الذي يطرح نفسه: من الذي أوجد هذه القوانين وأودعها كل هذه الدقة والانتظام والانسجام في كل جزء من أجزاء الكون، وفي كل ذرة من ذرات الوجود، بل وما دون الذرة؟ من الذي صمم فأبدع وقدر فأحسن التقدير؟

    هل خُلق كل ذلك من غير خالق؟ وهل صار الوجود من غير مُوجد؟ هل ما نراه وما لا نراه حدث صدفة؟

          لقد أجاب عالم الطبيعة البيولوجية (فرانك ألن)(2) على هذه الموضوع بشكل تفصيلي، فبعد التسليم بوجود هذا الكون، احتمل (فرانك) أربعة احتمالات:

  الأول: أن يكون هذا الكون وهما وخيالا! وهذا يتنافى مع فرض وجوده.

  الثاني: أنه نشأ من تلقاء نفسه!

  الثالث: أن يكون أبديًا ليس لنشأته بداية.

  الرابع: أن يكون لهذا الكون خالق.

           وقد فند (فرانك) الاحتمال الأول، بقوله: أما الاحتمال الأول فلا يقيم أمامنا مشكلة سوى مشكلة الشعور والإحساس، فهو يعني أن إحساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه لا يعدو أن يكون وهما من الأوهام ليس له ظل من الحقيقة…

            وتبعًا لهذا الرأي نستطيع أن نقول أننا نعيش في عالم من الأوهام، فمثلًا هذه القطارات التي نركبها ونلمسها ليست إلّا خيالات، وبها ركاب وهميون وتعبر أنهارًا لا وجود لها وتسير فوق جسور غير مادية.. الخ، وهو رأي وهمي لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال(3).

           أما الرأي الثاني، القائل: أن هذا العالم بما فيه من مادة وطاقة قد نشأ هكذا وحده من العدم، فهو لا يقل عن سابقه سخفًا وحماقة، ولا يستحق هو أيضًا أن يكون موضعًا للنظر أو المناقشة(4).

          والرأي الثالث الذي يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لنشأته بداية إنما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون، وذلك في عنصر واحد هو الأزلية.

           وإذًا فنحن إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميت، وإما أن ننسبها إلى إله حي يخلق(5).

         وهنا يدحض (فرانك ألن) هذه الفكرة، ويستشهد بأحد القوانين الطبيعية الفيزيائية وهو قانون الديناميكا الحرارية الذي يؤيد فقدان مكونات هذا الكون لحرارتها بالتدريج لتصل بالنهاية الى درجة حرارة الصفر المطلق الذي تنعدم فيه الطاقة وعندها تستحيل الحياة. وهذا النزول التدريجي بدرجة الحرارة يدل على أن الحرارة قد بدأت في وقت من الأوقات ولم تكن أزلية.

          وبالتالي فإن هذا الكون حدث من الأحداث، ويخلص بنتيجة مفادها: أنه لابد لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية، عليم محيط بكل شيء، قوي ليس لقدرته حدود، ولابد أن يكون هذا من صنع يديه(6).

           وهو الاحتمال الأخير من احتمالات وجود الكون. فإن النظام والقانون وذلك الإبداع الذي نلمسه في الكون حيثما اتجهت أبصارنا تدل على أن خالقه قدير مبدع عليم خبير.

          وهكذا أثبت العلماء وجود الله سبحانه – دون قصد – من خلال توصلهم إلى حقيقة علمية مفادها أن لهذا الكون بداية، وأن كل شيء له بداية فلا يمكن أن يكون قد بدأ إلا أن يكون له مبدئ، أو محرك أول، أو خالق، هو الإله.

          ولم يكتف العلم الحديث بإثبات بداية هذا الكون، بل أثبت أكثر من ذلك، من أن هذا الكون بدأ دفعة واحدة، وأنه لايزال في اتساع مستمر.

         وبنتائج العلم الحديث صار لابد للمؤمنين به والقائلين بحجيته، أن يؤمنوا بوجود خالق عظيم لهذا الكون، وهي فكرة تستشرف على سنن الطبيعة، لأن هذه السنن إنما هي ثمرة الخلق، ولابد لهم أن يسلموا بفكرة الخالق الذي وضع قوانين هذا الكون، لأن هذه القوانين ذاتها مخلوقة، وليس من المعقول أن يكون هنالك خلق دون خالق: هو الله.

           وبخلق المادة الأولى لهذا الكون ثم القوانين التي تسيرها، جعلها سبحانه خاضعة للتطور لتتم عملية خلق الموجودات.

          إن التطور الإبداعي هو وسيلة الخالق في خلقه، وإن الله هو الذي أبدع هذا الكون بقدرته وسن قوانينه الطبيعية، فالخلق الإبداعي هو التفسير الوحيد الذي يوضح لنا سر هذا الوجود ويوفق بين ظواهره المختلفة التي يبسطها لنا كتاب الطبيعة التي نقرأ صفحاتها في جميع العلوم المختلفة. كما أن التطور هو أحد عوامل عملية الخلق، فالتطور إذن ليس إلّا أحد السنن الكونية أو القوانين الطبيعية، وهو مرحلة من مراحل عملية الخلق، كسائر القوانين العلمية الأخرى يقوم بدور ثانوي، لأنه هو ذاته يحتاج إلى من يبدعه. ولا شك في أنه من خلق الله وصنعه.

 

        وبذلك يستدل أن فكرة التطور الخلقي ليست منافية للمفاهيم الدينية التي يصدح بها القرآن الكريم: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ)(الزمر:6)، بل هي تكريس له، ثم يأتي الماديون ليقروا بهذا التطور في الخلق الذي أيدته العلوم الحديثة، ولكنهم لا يقرون بالخالق الذي أوجد هذا التطور..

          ولو أن العاملين بالحقول البحثية العلمية أرادوا التوصل من خلال بحوثهم إلى وجود خالق مبدع، بشرط الحيادية وعدم التحيز لفكرة مسبقة، والأمانة العلمية بعيداً عن الانفعالات العاطفية، سيصلون إلى نتيجة واحدة ويقرون دون أدنى شك بوجود السبب الأول وهو الله سبحانه. لأنه التفسير الأوحد لحقائق الكون وعظمته وإبداع خلقه.

           ومن نعم الله سبحانه في عصرنا الحالي أن تتم الكشوفات العلمية وتكون بمتناول أي منا دون عناء، وهو مدعاة للجميع أن يستفيدوا من هذه الاكتشافات في ترسيخ إيمانهم بالله سبحانه، وتبيينها لمن لازالوا في حيرة من أمرهم ولم يلتفتوا إليها، لهدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من الشك والوسواس.

           قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام):

      (وأيْمُ الله لَئِنْ يَهْدِيَ اللهُ عَلَى يَدَيْكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْه الشَّمْسُ وغَرَبَتْ ولَكَ وَلَاؤُه يَا عَلِيُّ)(7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) هو نجم مذنب يكون مرئيًا بوضوح بالعين المجردة من الأرض، وهو الوحيد الذي قد يراه الإنسان في حياته مرتين.
2) ماجستير ودكتوراه من جامعة كورنل – أستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة مانيتويا بكندا من سنة 1904 إلى سنة 1944- أخصائي في إبصار الألوان والبصريات الفسيولوجية وإنتاج الهواء السائل، وحائز على وسام توري الذهبي للجمعية الملكية بكندا.
3) الله يتجلى في عصر العلم/كريسي مورسون/ ترجمة: محمود صالح الفلكي/ص10.
4) م.ن.
5) م.ن.
6) م.ن.
7) الكافي: الكليني/ج5ص28.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.