Take a fresh look at your lifestyle.

مصطلح النسخ عند المفسرين

0 41

             لم يختلف النسخ عند المفسرين كما هو الحال عند الأصوليين، إذ يكاد يكون متشابهاً إلى حدٍّ ما، لكنه مختلف من جهة التوسع في إدارة مقصدية صاحب النص، ومادام (النسخ) قد ورد كمصطلح في القرآن فقد رأى بعض المفسرين أن يبحث هذا المصطلح استناداً للبيئة القرآنية التي تولد فيها ذلك المفهوم، بينما نجد بعضهم لم يتطرق إلى التعريف الاصطلاحي للنسخ، بل اكتفوا بتعريفه لغة وفق ما قررته المعاجم اللغوية؛ لذلك بقيت آراؤهم محصورة بالنسخ بين (الإزالة والتبديل والتحويل والنقل من موضوع إلى آخر)،

         ومن الذين انتهجوا ذلك النهج العلاّمة الرازي في (مفاتيح الغيب)، إذ قال: (هو النقل والتحويل)(1)، في حين نجد الطبري (ت310هـ) قبل الرازي قد أوجد له تعريفًا مقاربًا لتعريفات الأصوليين (نفي حكم قد كان ثبت بحكم آخر غيره)(2)،

            وكذا الحال عند الشيخ الطوسي (ت460هـ) فقد قيد النسخ بالحكم الشرعي كما هو عند الأصوليين، إذا قال: (كل دليل شرعي دلَّ على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول غير ثابت فيما بعد على وجه لولاه لكان ثابتًا بالنص الأول مع تراخيه عنه)، ويكاد يكون اتفاق قدماء المفسرين وبعض المتأخرين منهم على اختصاص النسخ بالأحكام الشرعية.

         إلّا أن الملاحظ أن بعض المفسرين المتأخرين توسعوا بما لم يتوسع به الأصوليون، فلم يقصروا النسخ على الحكم الشرعي كما هو الحال عند أغلب الأصوليين فوسعوا الدائرة لتشمل التكوينات، لذلك نجدهم قد أدخلوا البداء في النسخ، ويمكن أن نلمس تلك القضية عند السيد الطباطبائي والسيد الخوئي.

          فعرف السيد الطباطبائي النسخ بأنه: (إذهاب أثر الآية، من حيث أنها آية، أعني إذهاب كون الشيء آية وعلامة مع حفظ أصله، فبالنسخ يزول أثره من تكليف أو غيره مع بقاء أصله، وهذا هو المستفاد من اقتران قوله: ننسها بقوله: ما ننسخ، والإنساء إفعال من النسيان وهو الاذهاب عن العلم، كما أن النسخ هو الإذهاب عن العين فيكون المعنى ما نذهب بآية عن العين أو عن العلم نأت بخير منها أو مثلها)(3).

           ثم يقول العلامة: (إن كون الشيء آية يختلف باختلاف الأشياء والحيثيات والجهات، فالبعض من القرآن آية لله سبحانه باعتبار عجز البشر عن إتيان مثله، والأحكام والتكاليف الإلهية آيات له تعالى باعتبار حصول التقوى والقرب بها منه تعالى، والموجودات العينية آيات له تعالى باعتبار كشفها بوجودها عن وجود صانعها وبخصوصيات وجودها عن خصوصيات صفاته وأسمائه سبحانه، وأنبياء الله تعالى وأولياؤه آيات له تعالى باعتبار دعوتهم إليه بالقول والفعل وهكذا)(4).

         إن إشارة الطباطبائي إلى أن النسخ يعم التكوينيات، تأتي في سياق رؤية موضوعية قرآنية في تفسيره، فالنسخ في التكوين كالنسخ في التشريع .. على اعتبار أن كل شيء في العالمين التكويني والتشريعي إنما وضع لحكمة ومصلحة، وقد بين الله تعالى أن: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)(الرعد:38)، فهو الذي ينزل ما شاء ويأذن فيما شاء، لكنه لا ينزل ولا يأذن في كل آية وفي كل وقت، فإن لكل وقت كتابًا كتبه لا يجري فيه إلّا ما فيه(5).

           ومثلما توسع الطباطبائي في مفهوم النسخ توسع أيضًا في شروط تحققه، فالمقياس عنده لمعرفة الناسخ والمنسوخ هو القرآن الكريم؛ لكونه الكتاب الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو تبيان لكل شيء؛ لذلك أمر أن الرافع للتنافي بين الناسخ والمنسوخ هو الحكمة والمصلحة الموجودة بينهما(6).

           وعرف السيد الخوئي النسخ بأنه: (هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه، سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية أم الوضعية، وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع إلى الله تعالى بما أنه شارع)(7).

            فالملاحظ على تعريف النسخ عند السيد الخوئي، أنه يوسع من دائرة النسخ لتشمل الأحكام الشرعية وغيرها.

          وعليه لابد من التفريق بين مصطلح النسخ عند الأصوليين وعند المفسرين فلكلٍ منهم اصطلاح خاص به، يلتقيان في شمول النسخ للتشريعات ويختلفان في إمكانية توسعة الدائرة لتشمل التكوينات فيدخل البداء في النسخ أم لا، وهذه أهم نقطة للاختلاف بين الاصطلاحين.

   وقوع النسخ في القرآن الكريم:

             للمسلمين آراء في إمكانية النسخ ووقوعه في القرآن تتمثل بثلاثة اتجاهات:

  الاتجاه الأول:

           أفرطوا في مسألة وقوع النسخ في القرآن الكريم، حتى أوصلوا عدد الآيات المنسوخة إلى أكثر من مائة وثمان وثلاثين آية، فجعلوا من كل تعارض بين آيتين بسبب التخصيص أو التقييد نسخًا، بل الأغرب من ذلك أن بعضهم يرى أن بعض الآيات ينسخ صدرها بآخرها(8).

          وعلى هذا الرأي القدماء ممن كتبوا في الناسخ والمنسوخ كقتادة (ت170هـ)، والقاسم بن سلام (ت224هـ)، والنحاس (338هـ).

  الاتجاه الثاني:

           فرط أصحاب هذا الاتجاه في وقوع النسخ؛ إذ أنكر وقوع النسخ في القرآن الكريم، وكفر من يقول بالنسخ وممن يذهب إلى هذا الرأي أبو مسلم الأصفهاني(9)(ت 322هـ ).

  الاتجاه الثالث:

          ويقع هذا الاتجاه بين طرفي النقيض (الإفراط والتفريط)، فيثبت أصحابه النسخ نظريًا ويضيّقون من مساحته في القرآن وهذا رأي أكثر مفسري الإمامية. فالبعض يرى أن عدد الآيات المنسوخة لا يتجاوز العشر آيات(10)، بل البعض يرى أن النسخ في القرآن وقع في آية واحدة فقط(11).

         فأصحاب الاتجاه الأول لم يفرقوا بين النسخ من جهةٍ وبين التخصيص والتقييد من جهةٍ أخرى، فأدخلوا في النسخ ما ليس منه.

         أما أصحاب الاتجاه الثاني فقولهم مخالف لما جاء في القرآن والسنة من أدلة تثبت وقوع النسخ في بعض آيات القرآن الكريم.

          وبين هذا وذاك يقع الاتجاه الثالث المعتدل الذي عرّف النسخ وبحث عن شروطه من خلال الرجوع للقرآن الكريم لا من خارجه.

شروط تحقق النسخ عند المفسرين والأصوليين:

       وضع علماء الأصول والتفسير شروطاً لكي يتحقق النسخ من دون إفراطٍ ولا تفريطٍ، ومن تلك الشروط:

    1- تحقق التنافي بين الناسخ والمنسوخ بحيث لا يمكن الجمع بينهما في زمان واحد، فيكون للحكم الأول زمن معين وقد انتهى ليحل محله آخر صالح للزمن الذي انتهى عنده الأول(12)، وبذلك لابد أن يكون الناسخ متأخرٍا عن المنسوخ.

    2- أن يكون الناسخ من القرآن أو السنة القطعية، أما النسخ بخبر الواحد فقد أجمع العلماء على بطلانه(13)، ومن العلماء من ذهب إلى عدم جواز النسخ بالسنة بكلا قسميها (المتواتر والآحاد)، كالشافعي(14) والعلامة الطباطبائي(15).

    3- أن لا يكون المنسوخ محددًا بأمدٍ صريحٍ ينتهي الحكم بانتهاء أمده من دون الحاجة للنسخ(16)، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(البقرة:187).

    4- أن يكون المنسوخ حكماً شرعياً لا حكماً عقلياً، ولا نسخ في الأخبار(17).

    5- أن يكون التنافي كلياً على الأطلاق لا جزئياً، فإن التنافي الجزئي تخصيص للحكم العام وليس بنسخ(18).

    6- لا يشترط أن يكون الناسخ دليلاً لفظيًّا؛ لذا قال العلماء إن الخطاب الشرعي أعم من الدليل اللفظي وغيره.

   أقسام النسخ:

          بعد أن اتفق المسلمون على إمكانية النسخ إلّا من شذَّ منهم، اختلفوا في أنواعه، فجعل بعضهم للنسخ ثلاثة أقسام وبعضهم جعل له قسمًا واحدًا، وأقسام النسخ هي:

  1- نسخ الحكم دون التلاوة:

            بمعنى أن النسخ يختص بالحكم الوارد في الآية دون أن تتغير تلاوتها، وهو القسم لا خلاف عليه، وهذا القسم المتبادر إلى الذهن عندما يطلق النسخ، وهو الذي ألفت فيه كتب الناسخ والمنسوخ قديمًا وحديثًا.

  2- نسخ التلاوة دون الحكم:

           ويراد منه أن الحكم باقٍ مع أن تلاوة الآية غير موجودة في القرآن فالآية زائلة والباقي حكمها فقط، وذهب إلى هذا القول جمعٌ كبيرٌ من مفسري العامة، والشيخ الطوسي من الإمامية(19)، واستدلوا بما رواه عمر بن الخطاب في آية الرجم: (لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: ما أجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة من فرائض الله. ألا وإنَّ الرجم حق إذا أحصن الرجل وقامت البينة، أو كان حمل أو اعتراف. وقد قرأتها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) رجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجمنا بعده)(20).

   3- نسخ التلاوة والحكم:

           بمعنى أن الآية وحكمها منسوخان من القرآن ولا وجود لهما، وقال به بعض مفسري العامة مستندين على ما روي عن عائشة أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهن فيما يقرأ من القرآن)(21).

           ورفض الإمامية وبعض علماء العامة القول بنسخ التلاوة بكلا قسميه، فقد نقل عن السرخسي في مقام رده على آية الرضاع قوله: (ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذر عليهم إثباته في صحيفة أخرى، فعرفنا أنه لا أصل لهذا الحديث)(22) .

             وهذا القول أقرب للرجحان لأسباب:

   1- إن القول بنسخ التلاوة يستلزم منه القول بالتحريف، قال السيد الخوئي بهذا الصدد: (إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة – عند علماء أهل السنة – يستلزم اشتهار القول بالتحريف)(23).

   2- إن القول بنسخ التلاوة هو مجرد اجتهادٍ ومبررٍ لجأ إليه القوم لتصحيح الأحاديث الواردة في الصحاح والتي تنص على نسخ التلاوة وفي الوقت نفسه للابتعاد عن مأزق تحريف القرآن الكريم.

   3- إن القرآن الكريم قطعي ولا ينسخ القطعي إلا قطعي فلا يجوز النسخ بخبر الآحاد بإجماع المسلمين، والأحاديث التي استندوا إليها في نسخ التلاوة أخبار آحاد ضنية.

   4- إن القول بنسخ التلاوة يفتح المجال واسعًا أمام المشككين والطاعنين بالقرآن الكريم، وإيجاد المبرر للقول بتحريف القرآن، وبشريته.

   5- إن القرآن الكريم معجزٌ ببلاغته التي تحدى بها العرب، وأدهش بها عقول البلغاء، وما زُعم من آيات ما هي إلّا عبارات بعيدةٌ كل البعد عن فصاحة القرآن الكريم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) مفاتيح الغيب: 3 / 226.
2) جامع البيان: 10 / 104.
3) الميزان:1/ 250.
4) المصدر نفسه.
5) ينظر: علوم القرآن عند الطباطبائي، دراسة مقارنة، عارف هند بجاني: 78.
6) ينظر: المصدر نفسه: 84.
7) البيان، ابو القاسم الخوئي: 277-278.
8) ينظر: وظائف علوم القرآن بين المفسرين والأصوليين، د. فاضل مدب متعب: 223- 224.
9) البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي: 2/24.
10) ينظر: تلخيص التمهيد، محمد هادي معرفة: 1/442وما بعدها.
11) ينظر: البيان، أبو القاسم الخوئي: 373.
12) ينظر: التمهيد في علوم القرآن: 2/272.
13) ينظر: الموافقات للشاطبي: 3/ 79.
14) ينظر: الرسالة للشافعي: 106.
15) ينظر: الميزان، الطباطبائي: 5/275.
16) ينظر: التمهيد في علوم القرآن: 2/273.
17) ينظر: الإتقان في علوم القرآن: 2/41.
18) ينظر: التمهيد في علوم القرآن: 2/272.
19) ينظر: التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي: 13.
20) سنن ابن ماجة: 2/854.
21) صحيح مسلم: 4/167.
22) أصول السرخسي: 2/80.
23) البيان، أبو القاسم الخوئي: 201.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.