Take a fresh look at your lifestyle.

الأثر السلبي لوسائل الإعلام

0 29

             الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يتفاعل مع الآخرين ويتعاون معهم ولا يمكنه أن يعيش بمفرده وبمعزل عنهم أبدًا، سواء هذا على مستوى حياة الفرد داخل مجتمعه، أو على مستوى المجتمعات الأخرى فلا بد من أن يكون هناك تواصل ما بين المجتمعات وتبادل للأفكار والثقافات والمعلومات والخبرات وغيرها،

               فالتفاعل مع المجتمعات المختلفة أصبح حاجة ضرورية ومفروضة في الوقت نفسه، فلا يستطيع المجتمع أن يتقوقع على نفسه أو أن يعيش ضمن دائرة محدودة ومحصورة، وخصوصًا في الوقت الراهن بسبب انفتاح وسائل الاتصال وتسهيل عملية التواصل وازدياد وسائل الإعلام المختلفة التي اختصرت البعد الكبير والمسافات المتباينة والمساحات الشاسعة، والإعلام اليوم بوسائله وأساليبه المتعددة والمختلفة يجب الاستفادة منه ولا يمكن الاستغناء عنه بل يجب التعامل معه تعاملًا يشوبه الحذر والانتباه والمراقبة والخشية، ومن خلال متابعة واقع الإعلامي من ناحية التأثير السلبي يتبين ما يأتي :

   * إن وسائل الإعلام لها السطوة الكبيرة على سلوك المجتمعات فقد يتأثر الفرد أو مجموعة أفراد بما تعرضه هذه الوسائل من أفكار وأراء وأحداث ومواضيع عرضت بوسائل وأساليب جديدة مقنعة ظاهريا أو بأطر سيكولوجية تؤثر على فكر الفرد والمجتمع وتجعلهم يتفاعلون مع هذه المادة المعروضة وثم خلق القناعات لديهم مع علم الإفراد والمجتمع بأن ما يعرض لا يتلاءم مع منظومتهم الفكرية والأخلاقية والتربوية.

   * إن مختلف وسائل الإعلام اليوم أصبحت قائمة على أسس نفسية وعلمية وفكرية وليست عفوية أو اعتباطية بل هي مدروسة ومخطط لها ويقف وراء العديد منها صنّاع وذوي غايات بل إنها مسيّرة باتجاه يقف وراءه من يروم شيئا معينا، فكل مجتمع له خطاب خاص به على وفق رؤية الإعلام الجديد ولكل مجتمع ثغرات خاصة يتخذها أولو الإعلام منفذًا لهم لتنفيذ رؤاهم ومفاهيمهم وأفكارهم وتحقيق أهدافهم وغاياتهم.

   * إن وسائل الإعلام جعلت الفرد في المجتمع الإسلامي على سبيل المثال والذي يعيش ضمن نسق ديني وأخلاقي وعرفي معين، جعلت منه مطلعًا على كم هائل من الأنساق والنظم الأخرى والتي قد تعرض له بطريقة مشوقة ومحببة وجذابة، وبذلك تتزاحم في ذهنه الأضداد وربما تولد لديه ميولا واتجاهات نحو المعروض الجديد الذي يسلبه ما لديه من تراث أخلاقي وتربوي ويأخذه من الأصالة والرصانة الأخلاقية والفكرية والتربوية إلى العبثية واللانظام واللاقيم واللاأخلاق.

   * توجيه الإعلام بصورة مخططة ومدروسة وذات غايات وأبعاد متعددة الاتجاه، لغرض تحريك الفرد أو المجتمع نحو موضوع معين أو تثبيط عزيمتهم، وبذلك يشن الإعلام هجومًا غير مسلح على عقلية وذات ونفسية وروحية الفرد والجماعة التي ينتمي إليها ومن ثم تحقيق الأجندة المرسومة في تسهيل انقياد وانصياع المستهدف وتحويله إلى كائن مسلوب الإرادة والسيطرة على عقله وجعله يعيش ضمن دائرة اللاشعور.

   * اعتماد الحروب النفسية كمبدأ مهم من مبادئ الإعلام بوسائله ومؤسساته الحديثة وخصوصًا بين الدول والمجتمعات التي تعيش حالة من الحرب الباردة، فكل مؤسسة إعلامية تحاول أن تجعل الحرب النفسية والدعاية نقطة انطلاق في مواجهة الأخر والنيل منه على الأصعدة كافة سواء السياسية أو الدينية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو العسكرية وغيرها.

   * العمل على زعزعة الأفكار المترسخة في ذهنية الفرد والمجتمع بالأمور المسلّمة لديه وخصوصًا الأمور العقائدية وهذا مانراه واضحًا هذه الأيام من شن هجمة شرسة على الدين الإسلامي الحنيف والترويج للإلحاد أو شن هجمة على أتباع أهل البيت (ع)، من خلال إثارة مواضيع قد تبدو لعامة الناس أنها مثار للجدل وخلق حالة تشكيك لدى العامة بما لديهم من أطروحات عقائدية ودينية.

   * عمل وسائل الإعلام المعادية على إبعاد المجتمع المسلم عن المنظومة الدينية وعن القيم التربوية الأصيلة والأعراف الاجتماعية الجيدة ومحاولة إيجاد بدائل لا تتناسب مع طبيعة المجتمعات الإسلامية المؤمنة بحجة وذريعة أن الجديد عصري وحضاري وهادف وتسويقه بصورة إعلامية دعائية محببة.

   * إشعار المجتمعات الإسلامية أن سبب تدهورها وما آلت إليه الأوضاع فيها هو تصدي أصحاب الدين للمناصب القيادية، أو إعطاء صورة مشوهة عن الدين الإسلامي بحيث يحاولون إيصال الفرد إلى رؤية وقناعة جديدة هي إن كل مشكلات البلدان الإسلامية هو بسبب الدين، وكأنما الدين هو السبب في الأوضاع التي تعيشها البلدان الإسلامية ويملون على ذهنية الفرد والمجتمع بضرورة الابتعاد عن الدين للتخلص من كل هذه المتاعب والمصاعب، وللأسف قد ينصاع وراء هذه الأفكار بعض الضعفاء في بنيتهم الفكرية والذهنية والعقدية.

   * حرف الحقائق عن مجراها السليم وتحويلها إلى وجهه أخرى غير وجهتها الحقيقية ومن ثم تضليل الرأي العام للمجتمع عن المفاهيم والمعطيات الحقيقية، وقيادة تفكير الفرد والمجتمع إلى مناطق قد تكون معاكسة للحقائق تمامًا، ومثال على ذلك أنه عندما استشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)وصل الخبر إلى أهل الشام أن عليًا استشهد في محراب صلاته في صلاة الفجر، تساءل الكثير منهم أكان علي يصلي؟ هذا ما فعله الإعلام الأموي في إعطاء صورة مشوهة عن الإمام علي (عليه السلام).

   * تشويه الصورة الحقيقية للواقع أو إعطاء تبريرات تبدو في الظاهر مقنعة لبعض الأخطاء السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وإكسائها بثوب التبرير لإعطائها صفة شرعية، ومثال على ذلك ما حدث واقعًا عندما جعل معاوية بن أبي سفيان سب عليٍ (عليه السلام) على المنابر(1) سمة أساسية بعد الصلاة واستمرت هذه الحال ما يقارب 70 عامًا إلى أن منعها عمر بن عبد العزيز فكان المصلون يعترضون على من لم يسب عليًا بعد الصلاة ويقولون له أيها الإمام لا تنسى السنة، فكأن سب علي (عليه السلام) سنة حسنة على رأي أهل الشام آنذاك وهذا بسبب الماكنة الإعلامية الأموية .

   * جعل الفرد أو المجتمع يعيشان في مأزق الاضطراب الانفعالي والقلق حيال بعض الأمور وزعزعة شخصيتهما ونفسيتهما وربما الاختراق النفسي والذي يؤدي إلى الانهيار والضعف والاستسلام والشعور بعدم القدرة والاستطاعة على مواجهة الأمور الصعبة، وهذا ما وجدناه فعلًا هذه الأيام من خلال الحرب الواقعية الداعشية والحرب الإعلامية العالمية الداعشية التي شنت على العراق، لكن الله سبحانه وتعالى وفيوضات أهل البيت (عليهم السلام)على هذه البلاد المقدسة وحكمة المرجعية الرشيدة وتضحيات الأبطال من رجالات العراق أحبطت كل هذه المحاولات وأعادت العزة للعراق أرضًا وشعبًا.

   * زرع حالة الكراهية والعدوان والحقد بين الأفراد أو المجتمعات أو الأديان أو الطوائف أو القوميات (إثارة النعرات) لأجل إدامة الصراعات وتضعيف المقابل وإشغالهم فيما بينهم وتمرير المخططات والأهداف المرسومة أي استغفال الأطراف المتنازعة وتحقيق المأرب المقصودة.

   * محاولة نقل تقاليد وصفات وسمات غريبة عن فكر الفرد والمجتمع الإسلامي بل العمل على تجميلها وإظهار القيم الجديدة بمسميات وعناوين براقة تجذب الفرد، مثلا الترويج لمبدأ الانحلال الأخلاقي والاختلاط الجنسي تحت مسمى حرية الفرد أو محاربة الكبت النفسي والجنسي للفرد أو تبرج المرأة تحت مسمى إظهار الجمال والأنوثة وحرية المرأة وهكذا.

   * خلق رموز اجتماعية جديدة لكن من منطلقات مختلفة تمامًا عن الواقع الإسلامي الهادف، وجعل الفرد يتأثر بهذه الرموز المصطنعة وما تحمله من أفكار وتصرفات ونسق أخلاقي، مثلًا خلق رمز للغناء والتمثيل أو الفن أو الرياضة وإعطائهم أكبر من حجمهم الطبيعي وإظهارهم بالمظهر المؤثر وكأن سلوكهم هو الصحيح، الأمر الذي يؤدي إلى تأثر الفرد أو المجتمع بهم وبتصرفاتهم وسلوكهم مع كونهم أنموذجًا سلبيًا يغاير تفكير الفرد المسلم أو المجتمع المسلم.

   * تقليص الفجوة بين الرجل والمرأة ومحاولة خلق نقاط التقاء غير شرعية بعنوان الزمالة أو الصداقة، وهذا عكس الواقع الإسلامي الذي نشأ وترعرع عليه الفرد والمجتمع المسلم بوصفه نظام إلهيا يحترم الرجل والمرأة ويقدس العلاقة الشرعية بينهما.

   * تحريك الغرائز الجنسية لدى الآخرين عن طريق ما يعرض من صور وأفلام إباحية لجذب الفرد أو المجتمع من حالته الروحية المستقرة إلى حالة البهيمية والحيوانية ورذيلة الشهوات غير المقيدة، واستعمال أسس علم النفس الإعلامي والدعائي في هذا المجال.

   * اعتماد مبدأ شراء الذمم من الآخرين، وتسليط الضوء على بعض الشخصيات المحسوبة على الدين (وعرضهم بزيهم الديني) مثلًا في الترويج لأفكار ليست متدينة، أو للانتقاص من الدين أو المذهب أو تشويه بعض الأفكار الإيجابية الراسخة في ذهنية الفرد والمجتمع .

   وختامــًا:

             نرى من اللازم على الفرد والمجتمع أن يكونا حذرين تجاه ما يعرض لهما، ومن الواجب التعامل بوعي وانتباه وشعور وتحليل المواقف مع كل ما يطرح خصوصًا من الجهات المعادية والمغرضة والكارهة، وعدم الانسياق وراء التضليل والكذب والتهويل الإعلامي، وأذكر قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : (لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال)(2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) انظر: صحيح مسلم:7 /120.تاريخ الخلفاء -190، وابن عساكر 2 / 47 والمستدرك 1 / 358 و385، والطبري 5 / 167 و68، والكامل 3 / 413، و . . .! !
2) عيون الحكم والمواعظ/الليثي الواسطي/ص517.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.