Take a fresh look at your lifestyle.

التأليف . . في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)

0 185

        ليس غريباً أن تحظى الحوادث الإنسانية باهتمام أقلام الكتاب، وذاكرة التأريخ، ولا ريب في أن أبعاد الوقائع التاريخية تختلف بحسب أهميتها، وسعة مداراتها، وقيمة أثرها، وتجدد نتائجها، واستمرار مصاديقها، وحركية استذكارها.

        وعاشوراء الحسين(عليه السلام) لم تكن مجرد حدث تأريخي عظيم فحسب، إنما جسد واقعة لها من الفرادة والخصوصية ما يميزها عن غيرها، وتجاوز بها حد الزمان والمكان بما امتلكته من قيم الإنسانية، ومثلته من منهج في العطاء والتضحية لله تعالى، وأرسته من فهم جديد للحياة الحقيقية مصداق الخلافة الإلهية.

        الناظر المتأمل في المصنفات والمؤلفات القديمة أو الحديثة والمعاصرة في نهضة الإمام الحسين(عليه السلام)، يلحظ اهتماما كبيراً في أبعاد واقعة عاشوراء، فقد انصب الحديث في بعضها على سيرة الإمام(عليه السلام)، وتتبع الآخر واقعة الطف واستشهاده، واستقصى الثالث أثره في الآداب والفنون، وتناول غيرها تاريخ المرقد الحسيني، وهكذا تقرأ العنوان تلو العنوان في ما يتعلق بالإمام الحسين(عليه السلام).

          والتأليف في أية واقعة أو موضوع يستدعي من المؤلف سبباً من جهة، وآلية للعمل من جهة أخرى مع أمكانية أن يوسع المؤلف دائرة الموضوع ليوصل ما هو جديد فيه.

        وإذا نظرنا لموضوع الإمام(عليه السلام) بلحاظ حيثيات الحركات والثورات والحوادث التاريخية الأخرى التي لربما توازي واقعة الطف بملامحها البشرية، وحدودها المكانية والزمانية، وشهرتها الإعلامية لا نجد ذلك التفاعل معها تأليفا، وذكراً، بل قد ترى أن موضوع الوقائع العسكرية الكبيرة والمهمة في تاريخ البشرية قد تستوعبها مؤلفات أو مصنفات كثيرة، لكنك تصل إلى حدّ في الكثرة من جهة العدد مرة أو استهلاك المعلومة مرة ثانية، فتتحدد معالم الموضوع بعدد من المؤلفات وبطابع من المعلومات النوعية المركزية أو الهامشية وعلى كل حال فهي ضمن حدود موضوع تكاملت أبعاده بحثاً ودراسة.

         وإذا تعاملنا مع عاشوراء الحسين(عليه السلام) في أي بعد من أبعاد قضيته ضمن حدود هذا المفهوم، والتصور البشري، يقتضي منا أن يكون شأن التصنيف فيه يستوي مع حدود أمثاله (المقيد بالحوادث التاريخية زماناً ومكاناً، واستهلاكاً لموارد المعلومة وآفاق دلالاتها) إلا أن هذا التصور لا يتطابق مطلقاً مع ملامح التأليف في نهضة الإمام(عليه السلام) ولهذا أسبابه ومسوغاته.

         تتجدد في كل عام مشاريع البحوث والدراسات في نهضة الإمام(عليه السلام) وكأنما الواقعة جديدة العهد، وحوادثها ما زالت طرية لم تأخذ المعلومة حقها من العناية والاهتمام، وأشخاص القضية يتفاعلون مع أحداثها، وآثار الطف تجذب الأنامل ليستحيل المداد دماً شاهداً حاضراً حياً على الفداء والتضحية بكل ما هو مقدس،

           وهنا يحضر السؤال الوجيه، ما السر في تجدد عاشوراء؟

          والإجابة عن ذلك تحدده عوامل قراءة ما كتب عنها والإشارة إلى ما خفي منها إلى الآن، ولا أشك مطلقاً أن ما لم يكتب عن عاشوراء أكثر مما كتب ولعل ذلك مرجعه من جهة عدم الالتفات، أو الغفلة عن الإحاطة بجزئياتها، فضلاً عن قصور ما ذكره المؤلفون لتاريخ الواقعة، وبعبارة أخرى إن ما ذكر عن الطف لا يمثل الفاجعة كلها وإنما هو جزء يسير منها ولي الحق في الاعتقاد بذلك من جوانب عديدة منها:

    ما أثر عن المعصومين (عليهم السلام) وعن الإمام الحسن (عليه السلام) قوله: (لا يوم كيومك يا أبا عبد الله) وقد لا يغيب عن القارئ الفطن إطلاق دلالة هذا النص وعمومه حتى يتسع مداره ليستوعب عدم مماثلة أي واقعة في تفاصيلها الكثيرة في أسبابها ومقدماتها وفي حدوثها وجزئياتها الفكرية والإنسانية، وفي نتائجها وثمراتها الممتدة حتى هذا اليوم وإلى ما شاء الله تعالى،

            حتى استحالت فاجعة كربلاء مثالاً عجيباً يحاول التاريخ أن يتمثله ويسعى إلى أن يعقد وجها للمشابهة معه، وأضحى الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، وأصحابه في كربلاء سلوة لكل أرباب العزاء، وسكينة لكل الثائرين والناهضين الذين وطّنوا أنفسهم على الموت، وخلد يوم عاشور ليكون مثالاً وعنواناً للتضحية وتلوح على خطاه رايات ورايات كلها تلوذ بكربلاء شاهداً حاضراً في الفداء والقلوب تلهج بالذكر أين نحن من الحسين(عليه السلام) (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

   2ـ إن النتائج العظيمة التي أوجدتها فاجعة الطف تدل على عظم واقعتها وعلو شأنها فهذه الثمرات الكبيرة إنما هي جزء من تلك الحادثة ولا ريب في أن النتائج تأتي على سنخ المقدمات والحوادث، وإذا كنا نعيش آثار عاشوراء بعد قرون، نقرأ ونحلل ونستنتج، فما بالك في تفاصيلها المهمة وجزئياتها العظيمة كونت وجسدت هذه النتائج، من هنا نعتقد بأن الكثير من تفاصيل كربلاء ما زالت غائبة عن واقع معرفتنا وقصور مداركنا.

          قد يحق لرواد التأليف أو القراءة في الملحمة الحسينية أن يعلن عن ذهوله وعجزه، فالقضية الحسينية لها مدارات وأبعاد لا يمكن استيفاء جزئياتها الظاهرة بكتاب، أو تقييد ظاهرتها بالأسطر، لا لأنها جرت في زمان ومكان لا يمكن تحديدهما لسعتهما وتعدد جهاتهما، وإنما بسبب تضمن القضية الحسينية قيماً ودلالات لم تشهدها واقعة على مر الزمان، وخلود القيم والمعاني أعمق وأثبت جذراً من خلود الوقائع والحوادث العسكرية؛

          فالأولى لا يحدها الزمان والمكان والثانية لا يمكن خروجها عن الزمان والمكان، والقيم والمعاني لعاشوراء نبضها الخالد فطرة الحرية في قلوب الأحرار إذ لا يجد تجسيداً حياً ومصداقاً أوفى وأكمل في الوجود منها، حيث ارتبطت بخالق الوجود وموجد الحياة الحقة.

          ومن هنا قد يأتي من يقارن عاشوراء بلحاظ جانبها العسكري والحربي بأية معركة جرت في تاريخ البشرية سواء كانت قبلها أو بعدها في الإسلام أو غيره في العصور السابقة أو العصر الحديث، ولتكن المقارنة بالحرب العالمية الأولى أو الثانية مثلاً، فهل تجد تصوراً يمكن أن يمثل وجهاً للمقارنة بينهما من جهة الخلود أو تجدد الذكرى وتمثل القيم والمعاني لكل من الحادثتين، فهذا أمر يستحيل تصوره كما يصعب تماماً تصور وجه المشابهة في الزمان والمكان للحرب العالمية الأولى والثانية.

         لقد ارتبطت عاشوراء بكل ما في مسالك الإخلاص والارتباط بالله تبارك وتعالى وهذا ما تفتقده أو تتفاوت فيه أمثال عاشوراء من الوقائع بغض النظر عن حجمها وزمانها ومكانها.

          فالمسألة في الخلود ليست كماً وحجماً وإنما هي قيم سامية في الإخلاص والفداء والتضحية لله عز وجل، هذا هو معيار الخلود من عدمه، فيحظى بالقبول الحق أو التنقل في مدارج القبول، فينعكس مقامه وتصوره على واقع الحياة.

        لقد تحولت عاشوراء الطف إلى ظاهرة بشرية(1) تتعدد أبعادها وتختلف تجلياتها، ففي كل اتجاه تجد الحسين (عليه السلام) حاضراً مقصوداً بالفكر والعمل والمنهج، فإذا جاء وقت عاشوراء رأيت عجباً، وأبصرت حباً يتجدد ويتجذر عاماً بعد عام، فليس لطول الزمان عن الحادثة حاجب، ولا لبعد المكان عنها صارف، لأن عاشوراء تتجسد لأهلها قيماً إلهية يعيشون أفياءها لا يستطيعون الانفلات من فطرتهم التي تسبح في أفلاكها وتنتظم في عقدها. 

         إن سر تجدد عاشوراء كل عام في القلوب، وتجديد العهد مع الحسين(عليه السلام) بمصاديق شتى، وطرائق مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر سمة التأليف والتعبير بالكلمات عن الفاجعة لا يقف عند حدٍ، ولن يتوقف إلا ما شاء الله تعالى لأنها تعجز عن تمثل وتجسيد عاشوراء بمضامينها وقيمها الحقيقية عند الله تعالى التي تنعكس في صورتها البشرية ومدارها الإنساني فناءً في الله تعالى وارتباطًا بالمطلق، بالباقي، بالحي، بالغني، بالوارث، ولا يبقى بعد هذه الصفات لكلمة الخلود غير دلالتها اللغوية، فهي ذائبة في الصفات الإلهية،

          ولذا فإن الأقلام لن تجف والأنامل لن تكل ما دام المشهد إلهياً والحضرة والمقام قٌدسي (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف 110).

          لقد قام البحث بأخذ عينة من المؤلفات التي كتبت عن الإمام الحسين(عليه السلام) وعاشوراء وهي مجموعة لا تقل عن مائة عنوان من خلال فهارس المكتبة المتخصصة بالإمام الحسين(عليه السلام) الموجودة على موقع العتبة الحسينية(2) والنظر فيها وفي مادتها وموضوعاتها فذهلت لما وجدت وتواصلت عندي فرضيات البحث مع نتائجه.

       فقد تعددت مواطن التأليف في موضوعات وجزئيات كثيرة تؤدي بك إلى توقع أن عاشوراء قد استوعبتها المؤلفات واحتوتها المصنفات وانتهت بعد ذلك إلى دائرة إشباع الموضوع بحثاً وتأليفاً، لكنك سرعان ما تحصل على الجديد ممن كتب والجديد والأصيل في ما ألف، فتخلص إلى الاعتقاد بأن سمة التأليف في عاشوراء متواصلة متجددة، لتكون جزءاً من الظاهرة الحسينية البشرية التي تسعى إلى الارتشاف من عين الصفاء والنقاء قيم التضحية والفداء في سبيل الحق وإقامة دين الله على أرضه وإحياء شريعة الإنسان الحر المستخلف.

         وعلى الرغم من ذلك كله تبقى لنا مع عاشوراء الحسين(عليه السلام) حاجات وحاجات عصرية لا تستقيم إلا من مصداق الإمام (عليه السلام) الذي وحّد المفاهيم المتعددة في مثاله, وجسّد أسرار الخلود والبقاء بدمائه، فما زال بنا إلى عاشوراء فقر لا يسده إلا تمثل عطاء الإمام الحسين(عليه السلام) في فدائه العظيم، ونهضته المباركة،

          فكيف نوظف ذلك في وقتنا الحاضر؟

       ونتحول به إلى منظومة حركية تعادل في حيويتها تحديات العصر، ومشاريع انحراف الأمة الإسلامية عن نهجها المحمدي، وتوازن ـ وهذا من أسرار الشهادة فيما اعتقد ـ الحياة الحقيقية (الحقة) بلحاظ إحياء الدين والإخلاص في الفداء وطلب الحرية والكرامة، وإن كان نتيجتها موت الجسد، وفناء الجسم الإنساني من جهة، مع الموت الحقيقي الذي تحيطه حياة الذلّ والاستعباد والابتعاد عن الله تعالى، وإن حظي ببقاء الجسد وتعاظم الأجسام والهياكل الإنسانية ؛ فإن مصيرها موت مضاعف فوق التراب وعلى الأرض، وتحت الثرى تأكل جسده مسارب التراب وديدان الأرض على عكس الأول تماماً.

           وبعبارة أخرى من أهم ما يراد منا معرفته وتوظيفه مع عاشوراء الحسين (عليه السلام) إدراكنا لجدلية (الموت والحياة) في مدارها الحسيني، فليست شهادة الحسين (عليه السلام) إلا حياة حقيقية بلحاظ الخلود، وليست حياة قاتليه وأمثالهم إلا موتًا مضاعفًا بلحاظ الحياة، وحيثيات النتائج، وثمرات المواقف ؛

             وعلى أساس من هذه القاعدة لا بد من الاعتقاد الجازم بأن نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) إنما هي نهضة حياة لا نهضة موت، فقيامه(عليه السلام) للإحياء والإصلاح لا للموت والشهادة غاية في ذاتها، إنما هدف الشهادة والموت، الحياة الصالحة المرضية عند الله تعالى وهي قوله(عليه السلام): (ما خرجت إلا لطلب الإصلاح في أمة جدي).

          إن أهم دلالة في النهضة المباركة أنها نهضة صلاح في الحياة التي اغتالها بني أمية في سلطانهم، فكان موقفه وشهادته أصل نقض بني أمية ودولتهم الباطلة ودمار أسسهم على قاعدة (الحياة الحقة أبقى وأكثر أثراً من الموت).

         إن منهج أو حركية الإمام الحسين(عليه السلام) ـ إذا جاز لنا التعبير عنها ـ في نهضته الإلهية تستلزم منا قراءة عصرية جديدة نوظف من خلالها تلك المعاني والقيم والدلالات في حياتنا المعاصرة سواء كان ذلك في اتجاه واقعنا العملي، ومواطن التواصل مع الآخر أياً كان، أو في اتجاه واقعنا المعرفي العلمي الذي يهدف إلى الكشف عن حقائق عاشوراء الإمام (عليه السلام) معرفياً، وتوكيد سمتها وأهميتها في وقتها زماناً، ومكاناً، وآثارها ونتائجها إلى اليوم، ولاسيما ونحن نعيش تفهماً عالمياً ونشراً إنسانياً لقضية الإمام(عليه السلام)، أكثر سعة مما سبق.

         وعلى أي حال من الأحوال حري بنا أن ننظر بعين باصرة لتجانس مفاصل نهج النهضة المباركة من جهة الإعداد والمقدمات مرة، والتعامل الفعلي مع العدو مرة ثانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من جواهر ما كتب عن قضية الإمام الحسين (عليه السلام) كتاب (الظاهرة الحسينية) للعلامة السيد محمد علي الحلو.
(2) ظ/ موقع العتبة الحسينية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.