Take a fresh look at your lifestyle.

تأملات . . في مفهوم الحرية عند أمير المؤمنين (عليه السلام)

0 40

          

           منذ عدة آلاف من السنين، وعبر العصور البشرية المتوالية حتى يومنا هذا، ظلت قضية حقوق الإنسان تحظى بالأولوية ضمن آمال البشرية وهواجسها وبرامجها وأهدافها العزيزة والصعبة المنال.

              ومن أبرز هذه الحقوق حق الحرية، إذ شكلت الحرية الهدف الجلي للمصلحين والأنبياء(عليهم السلام) والساعين لغد أفضل منذ أقدم العصور إلى وقتنا الحاضر، وضمن هذه المسيرة الطويلة أُضيف للحرية وامتزج فيها كثير من المفاهيم والمضامين الفكرية حتى أضحى من الصعب أن نضع تعريفاً جامعاً مانعاً بعموم ما احتوى عليه المضمون التاريخي والفكري للفظة (الحرية).

          ومن هذه المسيرة الطويلة في عالم الإمكان لمفهوم الحرية، نقف متأملين لها عند محطة هي من أهم محطاتها عبر التاريخ، إذ بها تشكلت صورةٌ بألوانٍ زاهية ومتحركة بعبق تجلى فيه مفهوم الحرية؛ وهي محطة تهفو إليها نفوسنا لترتشف منها بمنهل عذب بعد أن عصرتها سنون عجاف، إنه زمان علي بن أبي طالب (عليه السلام)،

            ففيه يُعد حق الحرية الدعامة الأساسية في منظومة حقوق الإنسان عند الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فالإمام يؤمن أن الحرية تنبع أولاً من داخل الإنسان: من عقله وروحه فيوجه(عليه السلام) أمراً أو نصيحة أو درساً أخلاقياً للإنسان في أي مكان أو زمان قائلاً: (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًّا)(1)، وهنا يُحمِّل الإمامُ الإنسانَ مسؤولية نيل الحرية والمحافظة عليها(2).

            وكذلك نشر الوعي ضمن الأمة. فحرية الإنسان لا توجد بقانون أو دستور ينظمان الحرية نظرياً، وإنما هي هبة إلهية لا يمتلك سلطان في الأرض أن ينتزعها من الإنسان إلا خاطئاً يجب مواجهته ومقاومته، فكان الإمام يحفز على الجهاد قائلاً: (سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبارين ملوكاً ويتخذهم المؤمنون أرباباً، ويتخذون عباد الله خولاً(3))(4).

          فمن الأفراد الأحرار، في ظل الشرع الإسلامي، سُيخلق المجتمع الحر الذي ستكون أبعاد الحرية فيه وفق رؤية الإمام، سياسية واقتصادية، وشخصية، وفكرية، ودينية، فضلاً عما يتعلق بموضوع الحرية من رؤية للإمام إلى مسألة العبودية، والإطار المحدد للحرية.

          ولعل من أولى أساسيات الحرية عند الإمام هي إعطاؤه الحرية الشخصية للإنسان، أي أن يكون الإنسان حر التصرف في أموره الشخصية من دون قيد إلا قيد منع إيذاء الجماعة، كما أن منح الحرية الشخصية المنضبطة للإنسان لابد أن تبدأ من إشاعة هذا المفهوم داخل الأسرة كأسلوب لتربية الأبناء، وهذه إشارة مهمة ولاسيما في تلك الحقبة من التاريخ. إذ يقول الإمام(عليه السلام): (لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فإنهم مولودون لزمان غير زمانكم)(5)،

          ويعلق جورج جرداق على هذا المبدأ العلوي قائلاً: (إن الإمام ينادي بمبدأ (الولادة الحرة)، فإن الأبناء إن تخلصوا من القسر والإكراه والاستعباد من جانب السلطة والقوانين، فإنهم لا يتخلصون عادة من أخلاق آبائهم وعاداتهم وميولهم وسائر ما يفرض عليهم، بحكم نزوع الآباء إلى أن ينشأ أولادهم على ما نشأوا عليه… وإن الحرية لا تتقيد حتى بشروط يضعها الآباء قسراً أو فرضاً لأن الحرية في أقصى معانيها وأهدافها دافع إلى التطور وباعث على التقدم)(6).

           كذلك فإن الإمام(عليه السلام) قد شمل الأسرة أيضاً بمظلة الحرية سواء من ناحية اختيار الزوجة(7) أم السكن(8)، أم أي تفاصيل حياتية أخرى. ولقد نهى الإمام علي(عليه السلام) عن التجسس على الناس وطلب نياتهم وسقطات ألفاظهم وهفواتهم المستترة،

          وهذا ما نلحظه بجلاء في عهده الشريف إلى أحد أركان حكومته ـ مالك الأشتر(9) ـ قائلاً له: (ليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك، أطلبهم لمعائب الناس، فإن في الناس عيوبًا، الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن ما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت، يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك)(10).

            يلحظ الباحث أن في هذا النص عدة أبعاد، لعل من أهمها توسيع دائرة الحرية الشخصية للمواطن، بل يمكن القول إن الإمام أعطى حرية الخطأ مع الالتزام بعدم علانية ذلك الخطأ، فضلاً عن أنه يرفض نموذج الدولة الشمولية التي تجعل من نفسها جهاز تجسس ومراقبة ضد أبناء الأمة، بل يُريد من الدولة أن تكون أداة إصلاح ووسيلة لحل الأزمات، ويجب أن تعامل المواطنين كبشر تلازمهم حتمية الخطأ، ويجب أن يُمنح الإنسان فرصة الإصلاح الذاتي لذلك الخطأ ما دام لم يتجاوز القانون العام.

           ونلحظ أن عهد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لواليه على مصر يضم مجموعة بنود قانونية تهدف إلى تنظيم شؤون الإدارة المحلية، فـي إطار من هدي التشريع الإسلامي ومقاصده العليا، وقيمه المثلى، التي تتوخى توفـير السعادة للإنسان المسلم فرداً ومجتمعاً(11).

         وقد أفرغ به الإمام (عليه السلام) منخول تجاربه الواعية، وخالص نظراته المستوعبة النافذة لكل ما يدور في مجتمع الإنسان، فجاء فـيه على جميع أبعاد شؤون الإدارة بأصالة وعمق وتركيز.

          وقد كان هذا العهد الشريف أول ما كتب إسلامياً فـي هذا الموضوع ـ فهو يُعد أقدم وثيقة إدارية تراثية تصل إلينا ـ ونرى حديث الإمام الدائم عن تطبيق العدل مع أفراد الرعية حيث جاء فـي عهده إلى مالك الأشتر: (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها فـي الحق، وأعمّها فـي العدل، وأجمعها لرضا الرعية). وجاء فـي جانبٍ آخر من هذا العهد ما يلي:

           (أَنْصِفِ الله وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ الله كَانَ الله خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ الله أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أو يَتُوبَ وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى إلى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ الله وَ تَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ. ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وَبِطَانَةً فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَتَطَاولٌ وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ فَاحْسِمْ مَادَّةَ أولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ(12) وَلَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعَةً(13) وَلَا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْبٍ أو عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ يَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ(14) وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَكُنْ فِي ذَلِكَ مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ)(15).

          لا يجوز للحكومة أن تسمح للانتهازيين، من الخواص والأقرباء، وكل من يشغل منصباً، استغلال قربهم من مركز السلطة فـي الاستفادة من بيت المال وغيره من الإمكانات، وتضييع حقوق الشعب؛ لأن ذلك يسيء إلى سمعة المسؤولين، ولا يأتي بالنفع إلاّ لأولئك الانتهازيين، من أفراد الحاشية والخواص المقربين…

           وخلاصة القول: إنه لا ينبغي للحاكم أن يكون جسراً لتحقيق المظالم، وهذا ما أمر به الإمام علي(عليه السلام) وطبقه فـي العمل قبل القول، كأسلوب أقسم على اتباعه قائلاً:

          (وأيْمُ الله لَأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ حَتَّى أورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً) (16).

         فالحرية هي: انعتاق الإنسان وتحرره من أسر الرق والطغيان، وتمتعه بحقوقه المشروعة. وهي من أقدس الحقوق وأجلها خطراً، وأبلغها أثراً فـي حياة الناس. وقد دلّ الإمام (عليه السلام) على أصالة الحرية وعلى تساوي الناس فـي الحكم والقسم كتساويهم فـي الانتساب إلى آدم فقال: (أيها الناس! إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار، و لكن الله خول بعضكم بعضًا)(17).

           لذلك أقر الإسلام هذا الحق وحرص على حمايته وسيادته فـي المجتمع الإسلامي.

         وليست الحرية كما يفهمها الأغرار، هي التحلل من جميع النظم والضوابط الكفـيلة بتنظيم المجتمع، وإصلاحه وصيانة حقوقه وحرماته، فتلك هي حرية الغاب والوحوش الباعثة على فساده وتَسيّبه. وإنما الحرية الحقة هي:

التمتع بالحقوق المشروعة التي لا تناقض حقوق الآخرين ولا تجحف بهم. وهذه طرفٌ من الحريات:

 

1 ـ الحرية الدينية:

          فمن حق المسلم أن يكون حراً طليقاً فـي عقيدته وممارسة عباداته، وأحكام شريعته. فلا يجوز قسره على نبذها أو مخالفة دستورها، ويعتبر ذلك عدواناً صارخاً على أقدس الحريات، وأجلها خطراً فـي دنيا الإسلام والمسلمين، وعلى المسلم أن يكون صلباً فـي عقيدته، صامداً إزاء حملات التضليل التي يشنها أعداء الإسلام، لإغواء المسلمين وإضعاف طاقاتهم ومعنوياتهم(18).

 

2 ـ الحرية المدنية:

          ومن حق المسلم الرشيد أن يكون حراً فـي تصرفاته، وممارسة شؤونه المدنية، فـيستوطن ما أحب من البلدان، ويختار ما شاء من الحرف والمكاسب ويتخصص فـيما يهوى من العلوم، وينشئ ما أراد من العقود، كالبيع والشراء والإجارة والرهن ونحوها. وهو حر فـي مزاولة ذلك على ضوء الشريعة الإسلامية(19).

 

3 ـ حرية الدعوة الإسلامية:

           وهذه الحرية تخص الأكفاء من المسلمين القادرين على نشر التوعية الإسلامية، وإرشاد المسلمين وتوجيههم وجهة الخير والصلاح. وذلك ما يبعث على تصعيد المجتمع الإسلامي ورقيّه ثقافـياً واجتماعياً ويعمل على وقايته وتطهيره من شرور الرذائل والمنكرات(20).

           قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران:104). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا نُزعت منهم البركات، وسلّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر فـي الأرض ولا فـي السماء)(21).

            ومعنى الحرية عند الإمام علي (عليه السلام): أن الإيمان الأصيل العميق بالحرية نلقاه بالأسس التي قامت عليها مناهج الإمام علي(عليه السلام) في الحكومة والسياسة والإدارة. وهو بوحيها فَصّلَ وأجمل، وأمر ونهى، وسالم وحارب، وعزل وأثبت، وخالط الناس، وعامل وُلْدَه، وعَبَدَ ربه، أما نظرته إلى الحرية فمستقاة من نظرته العامة إلى الكون، وإلى المجتمع: قُطب هذا الوجود.

          أما معاني هذه الحرية فتنبع من العلاقات التي يرتبط بها أبناء المجتمع، بقدر ما تنبع من الضمائر والوجدانات. ولها أركانٌ هنا وأركانٌ هناك، ولا تقوم مقاييسها إلا عليها جميعاً. هكذا يقرر العقل والتجربة، وهكذا يقرر الإمام علي(عليه السلام).

          أما العلاقات التي يرتبط بها أبناء المجتمع، وهم ذوو صفتين: فردية واجتماعية، فقد وقف الإمام(عليه السلام) سياسته وحكومته وإدارته على تجويدها بما يُمكّن الناس من العيش الكريم، ويهبهم الفرصة للانطلاق فـي إدارة الحرية بأمتع أشكالها ومعانيها وللامتداد فـي الأفق الإنساني الوسيع.

          أول مسلك في هذا النطاق له(عليه السلام)، كان أن أفصح الناس ما هي مسؤوليته فـي إقامة ما هو حق وتهديم ما هو باطل إعفاء لهم من محاولة فاشلة قد يفكرون باللجوء إليها لمعصية أو إثمٌ فردي، مستشفعين لذلك بمودة أو قرابة أو مناصرة يراد بها أجرٌ يلحق الغبن بالجماعة.

          لقد حرر الإمام علي(عليه السلام) نفسه مما تقيد به وُلاةُ زمانه من أغلال الإشادة بالحسب والنسب، وحرّر نفسه من المطمع في الملك والمال والجاه والكِبْر والاستعلاء، وحرّر نفسه من العرف إن لم يدُر فـي نطاق العقل السليم والحاجة الاجتماعية والشوق الإنساني الخيّر، وحرّرها من تخصيص ذويه ومحبيه بما ينفعهم دون سواهم، ومن الحقد على خصومه والانتقام من مبغضيه، وحرر ضميره من كل مناجاة بعمل لا يثق بصلاحه، أو قول لا يرضاه، فكان الضمير العملاق، ثم حرر جسده من شهوة المأكل والملبس والمسكن إلا ما كان من الضروريات البديهية القاهرة، وهو لم يكن ليتناول ثمناً لهذه الضرورات من بيت المال العامّ على حقّه فـي الحصول على نصيب منه كبعض نصيب عمّاله وولاته على الأقلّ.

           فتُحدّثنا الرواية الثابتة أنه ربما باع سيفه ودرعه وأمتعته ليأكل وبنيه بأثمانها(22)، فـيما كان يوسّع على العمال والولاة كي لا يضطرّوا إلى قبول الرشوة مما يؤدي إلى ظلم الحقِّ ومسايرة الباطل.

         حرر الإمام علي (عليه السلام) نفسه من هذه الأمور جميعاً؛ ليتم له أن يتفلّت من كل قيد يحول بينه وبين العدل على الصديق والعدو معاً. ويوجز هو وبنفسه حالته قائلاً: (من ترك الشهوات كان حراً)(23).

         وإعلاءً منه لشأن الحرية، والعمل الحر، اشترط ألاّ يُجبرَ عاملٌ على عمل. فالعمل الذي لا يواكبه الرضا الوجداني العميق، فـيه إساءة إلى الحرية ثم إلى العمل ذاته. يقول: (ولست أرى أن أجبر أحداً على عمل يكرهه)(24). ويكتفي للحثِ على العمل الذي يفـيد الجماعة، وللمحافظة على الحرية الفردية فـي وقت واحد، بأن يجعل نتيجة العمل من حق العامل وحده، وبأن يحرم مَنْ كرهه لغير مبررٍ مقبول.

         وهكذا نجد نهج الحرية واضحًا عند الإمام(عليه السلام) في كل المجالات ففي نص صريحٍ له، يقول(عليه السلام): (لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ الله حُرّاً)(25) فانظر كيف توجّه (عليه السلام) بقوله إلى مَن يريده أن يثق بنفسه ويستشعر روح الحرية ومعناها، فألقى فـي نفسه ما يوقظه على أصل من أصول وجوده، وهو أن طبيعة الكون جعلته حراً لا يتمرد، ولا يطيع، ولا يعمل، ولا يقول إلا على أساس من هذا الحق الطبيعي، وهو بذلك إنما يلقي فـي نفسه بذور الثورة على كل ما من شأنه أن يضيّق عليه، ويسلبه حقه فـي أن يكون حراً(26).

        وهذا يشير إلى عمق نظرة الإمام علي (عليه السلام) إلى مفهوم الحرية، فالحرية فـي نصه هذا، نابعة من أصولها الطبيعية: من الناس الذين لهم وحدهم الحق فـي أن يقرروا مصيره استناداً إلى أنهم أحرارٌ حقاً، لا رأي فـي ذلك لمن يريد أن يسلبهم هذه الحرية، أو “يمنحهم” إياها. ولما كان مفهوم الحرية عند علي (عليه السلام) هو هذا المفهوم الدقيق العميق، كان لا بد لمعناها من أن يكون هو المعنى الذي يُنظر على أساسه إلى الأحوال الخاصة والعامة، إلى كُلِّ ما يرتبط بوجدانيات الناس ونزعاتهم وحياتهم الداخلية، وإلى كل ما يتصل بالعلاقات العامة. وكان أن تُبنى عليه حقوق الإنسان.

         (لقد أدرك علي بن أبي طالب (عليه السلام) الحرية بأصولها، فأطلق إدراكه هذا نصاً صريحاً، وأقام على هذه الأصول بناءه الجبار فـي الأخلاق الخاصة والعامة،وفـي علاقات الناس بعضهم ببعض،وعمل بموجباتها مصلحاً ومشرّعاً وقائداً وحاكماً وواعظاً، وأعطى على احترامه حق الناس فـي الحرية الواسعة كل يوم دليلاً، ولكن ضمن نطاق يرسمه مفهوم الحرية نفسه، وهو ألاّ تسيء حرية البعض إلى حرية الجماعة)(27).

          بعد هذه الدراسة لحق الحرية عند الإمام علي (عليه السلام)، يمكننا القول إن الإمام أيقظ روح الحرية المسؤولة عند الناس، ونجد أنفسنا متفقين مع الأستاذ جرداق حين يقول: (إن الحرية بمفهومها العلوي هذا هي التي تخلق الثورات وتنشئ الحضارات)(28).

                       والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة، تعليق وفهرسة د. صبحي ، كتاب 31، ص509.
(2) يقول الإمام علي: ( الحر حر وإن مسه الضر ، والعبد عبد وإن ساعده القدر ) ، الليثي الواسطي علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق: الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، دار الحديث، ص48.
(3) خولا: عبيداً ، ظ: الرازي، مختار الصحاح، ص192.
(4) ابن قتيبة الدينوري (276هـ) ، الإمامة والسياسة ، تحقيق: طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي وشركاه،1/125.
(5) نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، 20/267.
(6) جرداق ، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ج1 ، ص ص344-345.
(7) ينظر : ألمجلسي، بحار الأنوار ، ج101، ص183.
(8) ينظر : الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة، تعليق وفهرسة د. صبحي، كتاب 31،ص514.
(9) مالك الأشتر من وجوه الصحابة وخيار التابعين، وخُلَّص أصحاب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، شهد معه جميع حروبه ، ثم ولاه مصرـ إدارتها وجباية خراجها، قتل مسموماً وهو فـي طريقه إليها سنة 37هـ. وعندما بلغ نبأ وفاته الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) صعد المنبر فـي مسجد الكوفة، ونعاه للناس مؤبناً إياه بقوله: (ألا إن مالك بن الحارث قد قضى نحبه، وأوفى بعده، ولقي ربه، فرحم الله مالكً، لو كان جبلاً لكان فنداً، ولو كان حجراً لكان صلباً). كان رضوان الله عليه معدوداً فـي العباد والزهاد، ورؤساء الأقوام، وشجعان العرب وقادتها، مضى بعد أن سجل له تأريخاً حافلاً للمجد والكرامة.
(10) المجلسي، بحار الأنوار، 33/601.
(11) للتوسعة في مضامين العهد الشريف فقد أفاد الباحث كثيراً فيما سطره هنا من: توفيق الفكيكي، عهد مالك الأشتر، خضر القزويني، أخلاق الإمام علي بن أبي طالب.
(12) فاحسم أي اقطع مادة شرورهم عن الناس بقطع أسباب تعديهم، وإنما يكون بالأخذ على أيديهم ومنعهم من التصرف في شؤون العامة ألمجلسي.
(13) الإقطاع: المنحة من الأرض. والقطيعة الممنوح منها: والحامة كالطامة: الخاصة والقرابة.
(14) مهنؤه: منفعته الهنيئة.
(15) المغبة كمحبة: العاقبة. وإلزام الحق لمن لزمهم وإن ثقل على الوالي وعليهم فهو محمود العاقبة بحفظ الدولة في الدنيا ونيل السعادة في الآخرة، نهج البلاغة، خطب الإمام علي(عليه السلام)، نهج البلاغة، ج 3، ص 85.
(16) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده، ج2، ص19.
(17) الكليني، الكافي، 8/69.
(18) للتوسعة ظ: محمد كاظم حسين الفتلاوي، حرية العقيدة والرأي في الفكر الإسلامي، رسالة ماجستير، كلية الفقه، جامعة الكوفة، 2008م.
(19) ظ: محمد جبار هاشم، الحقوق المدنية والسياسية في الشريعة الإسلامية،رسالة ماجستير،كلية الفقه،جامعة الكوفة،2006.
(20) محمد مهدي الصدر: أخلاق أهل البيت، ص325.
(21) الإحسائي، محمد بن علي: عوالي اللئالي، ج3، ص182.
(22) ذكر السيد المرعشي فـي إحقاق الحق، ج32، فـي باب زهده (عليه السلام) وعدله: إن علياً لم يبن آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفة إيثارًا للخصاص التي يسكنها الفقراء. وربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء والطعام، (والخص: بيت يعمل من الخشب والقصب، وجمعه خصاص، وأخصاص، سمي به لما فيه من الخصاص وهي الفرج والأنقاب. انظر النهاية لابن الأثير، ج 2،ص 37).
(23) المجلسي، بحار الأنوار، 75/91.
(24) البلاذري، أحمد بن يحيى: أنساب الأشراف، تح: المحمودي، محمد باقر،مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1974م، ص157.
(25) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده، ج3، ص57.
(26) ظ: م.م. محمد كاظم الفتلاوي، محاضرات في حقوق الإنسان، كلية الدراسات الإنسانية الجامعة، النجف الأشرف، 2012م.
(27) جورج جُرداق: الإمام علي(عليه السلام) صوت العدالة الإنسانية، ج1، ص138.
(28) جرداق ، المصدر السابق ، ج1 ، ص134.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.