Take a fresh look at your lifestyle.

« نزيل مصر وشاعر العصر » عمارة اليمني.. شاعر الفاطميين

0 94

أنمار معاد المظفر

 

اسمه ونسبه
هو عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان بن أحمد الحكمي المذحجي اليمني الملقب بنجم الدين(1) والمكنى بأبي محمد(2) أو أبي حمزة(3) أو أبي الحسن(4)، عالم فقيه مؤرخ كاتب شاعر. هو من قبيلة الحكم بن سعد العشيرة من مذحج كبرى القبائل القحطانية، وهو من بيت الرئاسة فيها إذ كانت رئاستها تنتهي لزيدان بن احمد جدّه لأبيه والمثيب بن سليمان جدّه لامه(5)،

ثم إلى ولديهما من بعدهما، يقول عمارة (ولقد أدركت عمي علي بن زيدان وخالي محمد بن المثيب ورئاسة حكم بن سعد العشيرة تقف عليهما وتنتهي إليهما)(6). وكان أبوه ـ واسمه علي أيضاً ـ الشخصية الثالثة بعد عمه وخاله.

وقد جمعت أسرته مع السيادة والرئاسة حب العلم والمعرفة إذ يتحدث عمارة عن جده قائلاً (كان زيدان يقول: أنا اعدّ أسلافي أحد عشر جدّاً ما منهم إلاّ عالم مصنف في عدة علوم)(7). وعن زيدان هذا يقول العماد الأصفهاني: (كان ذا قدرة على النظم الحسن وبلاغة في اللهجة واللسن وشعره كثير وعلمه غزير)(8).

كما كان أحد أخوة عمارة وهو يحيى عالماً بأيام الناس(9). وقبيلته وأهله معتدّون بأصالتهم ويمتازون بفصاحتهم ومحافظتهم على العربية إذ كانوا (لا يساكنهم حضري ولا يناكحونه ولا يجيزون شهادته ولا يرضون بقتله قوداً بأحد منهم ولذلك سلمت لغتهم من الفساد)(10)، وينقل عمارة عن نفسه أن فقهاء زبيد كانوا يتعجبون أيّام صباه من كونه لا يلحن في شيء من الكلام(11).

ولادته ونشأته
ولد عمارة عام513هـ كما قال بعض من ترجم له(12) أو عام 515هـ كما قال أكثرهم(13) وعمارة نفسه ـ وهو المؤرخ ـ لم يحدد تاريخ ولادته بل اكتفى بالقول انه دخل زبيد عام 530هـ وهو دون العشرين(14).

أما مكان ولادته فقد ذكر عمارة في كتابه (النكت العصرية)(15) أنها كانت في تهامة باليمن في مدينة مرطان من وادي وساع. إلاّ أن عمارة نفسه ذكر في كتابه (تاريخ اليمن)(16) أن ولادته في الزرائب وان الزرائب وطن أهله ومحل سكناهم، وعليه فأمّا أن الزرائب ومرطان اسمان لمدينة واحدة أو أن الزرائب إقليم يضم مدناً منها مرطان(17).

تقلّب عمارة في موطن قبيلته ومغنى أجداده في كنف أسرة ذات جاه عريض وبقي على هذا الحال حتى عام 530هـ (18) إذ بعثه أبوه إلى زبيد لطلب الفقه بصحبة الوزير مسلم بن سحت فهبطها عمارة ولازم طلب العلم فيها لمدة أربع سنوات مكباً على درسه حتى أنه لم يكن يخرج من مدرسته طوال السنوات الأربع إلاّ لصلاة الجمعة(19). وكان قد تفقه خلال هذه المدة على المذهب الشافعي على يد الفقيه أبي محمد عبد الله بن القاسم الأبّار رأس الشافعية في زبيد وقتذاك(20).
وفي السنة الخامسة ذهب إلى زيارة والديه ثم عاد إلى زبيد(21).

 

بين زبيد وعدن
عاد عمارة إلى زبيد وصار أستاذاً يقرأ عليه الطلبة الفقه الشافعي(22). وخلال هذه الفترة ذهب حاجاً إلى مكة بصحبة الملكة الحرة أم فاتك آل نجاح ملك زبيد وفي سفرته هذه عرفته الملكة الحرة وقربته وعن طريقها تعرف إلى الوزير القائد أبي محمد سرور الفاتكي القائم بدولة فاتك صاحب زبيد(23) ومن هنا بدأت علاقته ببلاط آل نجاح ملوك زبيد وبدأ نجمه بالسطوع وصار موضع ثقة الملكة الحرة ووزيرها سرور حتى أنهما أرسلاه إلى عدن على إثر أزمة اقتصادية مرت بها زبيد كي يتجّر بشراء البضائع الرخيصة في زبيد وبيعها في عدن وزوداه بالمال لأجل ذلك(24).

فذهب عمارة إلى عدن تاجراً واستطاع خلال سفرته الاتصال بآل زريع حكام عدن وبرأسهم محمد بن سبأ ومدحهم بشعره وبلغت علاقته بهم درجة عالية من الاختصاص والمودة فحصل عمارة على صحبة ملوك الحاضرتين وصار خلال السنوات الممتدة بين سنة 538و548هـ من المقدمين في بلاطي الدولتين ويقول عمارة بأنه (ما من أهل دولتي زبيد وعدن إلاّ من يغار على نصيبه من مجالستي ومؤانستي)(25).

إلاّ أن عمارة في الواقع كان أقرب إلى آل زريع حكام عدن منه إلى آل نجاح في زبيد وكان آل زريع من دعاة الفاطميين(26) مما أثار حفيظة أهل زبيد وملوكهم ـ وهم من أهل السنة ـ عليه إذ كان التنافس السياسي والمذهبي بين آل زريع وآل نجاح على أشده، كما قام حساده ببث الدعايات ضده فهمّ أهل زبيد باغتيال عمارة فخرج حاجاً سنة 549هـ إلى مكة(27).
وفي موسم الحج توفي أمير الحرمين هاشم بن فليتة الحسني وولي مكانه ابنه قاسم بن هاشم فكلف الأمير الجديد عمارة بالسفارة عنه إلى مصر حيث دولة الفاطميين(28).

 

السفارة إلى مصر
ذهب عمارة سفيراً عن أمير الحرمين إلى مصر حيث أكبر دولة شيعية آنذاك فوصلها في شهر ربيع الأول من عام 550هـ(29) والخليفة يومها هو الفائز بن الظافر الفاطمي ووزيره هو الملك الصالح طلائع بن رزيك الأرمني شاعر أهل البيت. دخل عمارة القاهرة حاضرة الفاطميين وذهب إلى قصر الخلافة حيث قام باستقباله الملك الصالح طلائع في قاعة الذهب فانشد عمارة قصيدة امتدح فيها الخليفة الفائز بنصر الله ووزيره الملك الصالح أولها(30):

الحمد للعيس بعد العزم والهممِ
حمداً يقوم بما أولت من النعمِ
يقول فيها:
ورحن من كعبة البطحاء والحرمِ
وفداً إلى كعبة المعروف والكرمِ
فهل درى البيت إني بعد فرقته
ما سرت من حرمٍ إلاّ إلى حرمِ
يقول عمارة (وعهدي بالصالح وهو يستعيدها في حال النشيد مراراً والاستاذون واعيان الأمراء والكبراء يذهبون في الاستحسان كل مذهب)(31).

وما انتهى من إنشاد قصيدته حتى أغدقت عليه الخلع والهدايا وأقام عمارة في مصر (في أرغد عيش وأعز جانب)(32) إذ ضمه الملك الصالح إلى سلك جلسائه من العلماء والأدباء كالقاضي الجليس ابن الحباب السعدي الاغلبي والمهذب بن الزبير وابن قادوس وغيرهم. وهو خلال ذلك تنثال عليه صلات الصالح والأمراء وموظفو الدولة يتسابقون على دعوته إلى ولائمهم.

وفي شوال قفل راجعاً إلى مكة فأدرك الحج والزيارة وكلفه قاسم بن هاشم بن فليتة ببيع فضة باب الكعبة في زبيد بعد تبديله فتوجه إلى زبيد في صفر من عام 551هـ ومن زبيد حج حجته الثالثة إلى مكة(33).

السفارة الثانية
كلف عمارة بسفارة ثانية إلى مصر من قبل ابن فليتة بسبب جناية جناها خدمه على حجاج مصر والشام(34) فتوجه عمارة إلى مصر وكان الخليفة لا يزال هو الفائز بنصر الله الفاطمي، وبدا لعمارة أن يتخذ مصراً وطناً له فلم يفارقها حتى نهاية حياته.

عمارة في مصر
استوطن عمارة مصراً وألقى رحله في كنف الفاطميين ووزيرهم الصالح طلائع بن رزيك الذي أختص به عمارة وأعجب به أيّما إعجاب حتى كأنه وقف شعره عليه وعلى آل رزيك (واتى فيهم بما بهر العقول) كما يقول القلقشندي(35). وصار عمارة يتقلب في بلاط الفاطميين معززاً مكرماً (فكان عندهم بمنزلة الوزير)(36) وأحسنوا إليه وبالغوا في برّه و صار الشاعر الأول في البلاط وكانت له مقابل ذلك رسوم ورواتب.

عاصر عمارة في مصر خليفتين من خلفاء الفاطميين هما الفائز بنصر الله (ت:555) والعاضد لدين الله (ت:569) آخر خلفاء الفاطميين. وإن كان عمارة لم يكثر من مدح الفائز فقد أكثر من مدح العاضد وقال فيه قصائد كثيرة منها قوله يهنيه بتولي الخلافة ويعزيه بسلفه وابن عمه الفائز:
ورثت الهدى بالنص منه وقوله
أخي وابن عمي أن عدمت يقومُ
وقد سن ذاك المصطفى في ابن عمه
فمن شرفيكم حادثٌ وقديمُ
وقوله فيه:
ورثوا الإمامة حاضراً عن غائبٍ
وتداولوها آخراً عن أوّلِ
من ظافرٍ أو فائزٍ أو عاضدٍ بيت
خلافته على النص الجلي
أوصى إليك بها ابن عمك بعده
نصاً كما نص النبي على علي
وفي ثالثة وفيها يعرض ببني العباس:
يا حجة الله التي بضيائها
هديت بصيرة حائرٍ عن قصدهِ
ورث الهداة الراشدون إمامة
أحيى معالمها بواضح رشدهِ
أن تفتخر بنبوة ووصية
فهما تراث عن أبيه وجده
ما ضركم والمصطفى لكم أب
فقدانكم لقضيبه ولبرده
ما بين آلات النبي وآله
إلاّ كما بين الحسام وغمده
ومما يجدر ذكره أن السلطة في أواخر العهد الفاطمي كانت بيد الوزراء لا سيما في عهدي الفائز والعاضد الفاطميين اللذين نصّبهما الملك الصالح وهما صغيرا السن. وكان الملك الصالح من أقوى الوزراء في ذلك العهد ومن أشدهم حنكة وتمرّساً بالسلطان وكان شيعياً إمامياً صلب العقيدة وهو أول الوزراء المصريين الذين عاصرهم عمارة. وقد أكثر عمارة من مدح الصالح وأهله فمن ذلك قوله:
ألقى الكفيل أبو الغارات كلكله
على الزمان وضاعت حيلة النوبِ
وداخلت أنفس الأيّام هيبته
حتى استرابت نفوس الشك والريبِ
بثّ الندى والردى زجراً و تكرمة
فكل قلب رهين الرعب في الرعبِ
وان مدح عمارة الصالح في حياته فقد رثاه بعد مقتله في أيام العاضد في 19 رمضان من سنة 556هـ(37) وأكثر التفجّع عليه:
تنكّد بعد الصالح الدهر فاغتدت
مجالس أيّامي وهنّ غيوبُ
أيجدب خدي من ربيع مدامعي
وربعي من نعمى يديه خصيبُ
وهل عنده أن الدخيل من الجوى
مقيمٌ بقلبي ما أقام عسيبُ
وان برقت سني لذكر حكايةٍ
فان فؤادي ما حييت كئيبُ
وقال فيه أيضاً:
غضب الإله على رجالٍ أقدموا
جهلاً عليك وآخرين أشاروا
لا تعجبنْ لقدار ناقة صالحٍ
فلكل قومٍ ناقةٌ وقدارُ
أحللت دار كرامة لا تنقضي
أبداً وحلّ بقاتليك بوارُ

ووزر للعاضد من بعد الملك الصالح ابنه الملك العادل رزيك بن الصالح والملقب أيضاً بالملك الناصر وقد اختص به عمارة أيضاً لاسيما وان لعمارة علاقة وطيدة بالملك العادل منذ أيام أبيه الصالح وقد مدحه بقصائد عدة وكان كثيراً ما يقرن مدحه بمدح العاضد الفاطمي، ومن شعره فيهما قوله:

لولا إتباع قريش دين جدكم
طوعاً وكرهاً لما دانت لها العربُ
وليت أن النفوس القوم إذ قعدت
عن القيام بنعماكم بما يجبُ
تجنبتكم بسجليها متاركةً
فلا نصيبّ أنالتكم ولا نصبُ
ولو تولت بنو رزيك نصرتكم
في سالف الدهر ما نابتكم النوبُ
إن فاتهم حرب صفين فقد بلغوا
في مصر من نصركم أضعاف ما طلبوا

وقد قتل الملك العادل في محرم من عام 558هـ على يد شاور بن مجير السعدي الهوازني(38) الذي تولى الوزارة للعاضد، وفي أيّامه استقال عمارة عن عمل الشعر إذ طلب من شاور أن يعفيه من ذلك وان يجعل ماله من الرسوم على حكم الضيافة(39).
على أن عمارة قد مدح شاوراً أيضاً إذ يقول فيه:

حمي الوطيس فخضته بعزائمٍ
علّمن حسن الصبر من لم يصبرِ
ضجر الحديد من الحديد وشاورٌ
من نصر آل محمدٍ لم يضجرِ
حلف الزمان ليأتينّ بمثله
حنثت يمينك يا زمان فكفّرِ
ولم تدم أيام شاور حتى ثار عليه ضرغام بن سواد واستولى على الوزارة بعد هرب شاور إلى الشام حيث دولة نور الدين زنكي(40) ويقول عمارة عن ضرغام (وكنت في أيّامه خائفاً منه متعلقاً بصحبة أخيه ناصر المسلمين)(41).
والظاهر أن عمارة حاول التقرب من ضرغام إذ مدحه وأخوته كما في قوله:
لم أدر والتشبيه يقصر عنكم
أغيوث نزلٍ أم ليوث نزالِ
طالت بأيديهم قصار صوارمٍ
باتت بها الأعمار غير طوالِ
وخلطتم أنصاركم بنفوسكم
فالناس من مولى لكم وموالِ

ولكن وزارة ضرغام لم تطل إذ ما لبث شاور أن عاد تسانده جيوش نور الدين زنكي بقيادة أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين بن أيوب بعد أن وعد شاور نور الدين بان يعطيه ثلث خراج مصر إن هو ساعده في استعادة منصبه(42). وبالفعل عاد شاور إلى دست الوزارة، وقد مدح عمارة شاوراً في وزارته الثانية، ثم عادت الأمور إلى الاضطراب إذ ان شاوراً لم يفِ بوعده لزنكي وطلب من شيركوه العودة بالجيوش النورية إلى دمشق وأرسل بالوقت نفسه إلى أملريك ملك بيت المقدس يخوّفه من نور الدين إن هو ملك مصراً وكان ذلك بداية الخلاف الذي أدى إلى سقوط الدولة الفاطمية إذ اختلف شاور بعد جملة من الإحداث مع الإفرنج فقاموا بحصار القاهرة وكادت أن تسقط بأيديهم لولا أن تداركها أسد الدين شيركوه(43)، وقام صلاح الدين الأيوبي بقتل شاور في ربيع الآخر سنة 564هـ فولي الوزارة شيركوه بن شادي ولقبه العاضد بالملك المنصور وبعد شهرين وخمسة أيام توفي شيركوه فاستوزر العاضد صلاح الدين بن أيوب بن شادي ولقبه بالملك الناصر(44).

مع الأيوبيين
أنقذ أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين الخلافة الفاطمية من السقوط تحت قبضة الإفرنج فكان طبيعياً من عمارة أن يمدحهم ويسجّل لهم هذا الموقف وهو ما فعله كما في قوله:
حميتهم من الإفرنج سرب خلافة
حريم لها مجد الإمام من الذعرِ
ولما استغاث ابن النبي بنصركم
ودائرة الإسلام أضيق من شبرِ
جلبتم إليه النصر أوساً وخزرجاً
وما اشتقت الأنصار إلاّ من النصر

وما كان مدحه لهم إلاّ من أجل ولائه للفاطميين. أصبح صلاح الدين الأيوبي وزيراً للعاضد بالله الفاطمي وكما ذكرنا سابقاً فان السلطة في أواخر العهد الفاطمي كانت بيد الوزراء وان الخليفة كان له مجرد الاسم، وقد زاد صلاح الدين من عزلة الخليفة الفاطمي وصار يعمل على زيادة نفوذه حتى تجرأ في مطلع عام 567هـ على قطع خطبة الفاطميين وصار يخطب للمستضيء العباسي وأعقب ذلك موت العاضد يوم عاشوراء(45) فأصبح صلاح الدين سيد مصر الأوحد (وأخذ يوطد ملكه الجديد وينشر مذهبه السني بكافة الوسائل ويقضي على كل ما هو شيعي أو شبه شيعي)(46). فعزل القضاة الشيعة وأبعد رجالات الدولة الفاطمية وقطع ما كان لهم من الرسوم ومن أولئك المبعدين عمارة.

كان عمارة من الموالين الصادقين للدولة الفاطمية لذلك فقد عزّ عليه أن يرى زوال تلك الدولة ولكن لم يكن في اليد حيلة خاصة بعد وجود حاكم كصلاح الدين الذي كان يضرب بيد من حديد كل من خالفه. فما كان من عمارة في السنتين اللاحقتين إلاّ أن يحاول التقرب الظاهري من الأيوبيين فقام بمدحهم بقصائد عدة فمدح نجم الدين أيوب بن شادي أبا صلاح الدين ومدح تورانشاه بن أيوب والملك العادل بن أيوب ومدح صلاح الدين نفسه. إلا أن الملاحظ من قصائده في الأيوبيين هو غياب المشاعر الصادقة التي كانت بارزة في قصائده في الفاطميين. فعمارة في مدحه للأيوبيين كان يركز على الجانب المادي لاسيما وان الأيوبيين كانوا قد قطعوا ما كان له من الرسوم.

فنراه يقول من قصيدة في مدح صلاح الدين:

عجبت من الأرزاق امتص ثمدها
وتروى بصافيها رجال وتغرقُ
ولكني أظن الرزق يهوى تحرّقي
عليه وطيب العود حين يحرقُ
واحسب أن الجود أما حكاية
مضى أهلها أو صورة ليس تخلقُ
وإلاّ فما بالي كسدت وفي فمي
معادن درّ سوقها الدهر ينفقُ
ولا يخفى ما في البيت الثالث من التعريض أو الهجاء بعينه.
ونرى عمارة أكثر صراحة في قوله مخاطباً صلاح الدين:
فقد صارت الدنيا إليكم بأسرها
فلا تشبعوا منها ونحن جياعُ
إذا لم تريدونها فكونوا كمن مضى
ففي الناس أخبار لكم وسماعُ
ولم يكن عمارة يستجدي من الأيوبيين بل كان ـ في نظره ـ مطالباً بحقه، يقول في مدح نجم الدين أيوب:
تركت قصدك لما قيل انك لا
تجود إلاّ على من مسّه العدمُ
ولستُ بالرجل المخفي موضعه
ولا لنزرٍ من الإحسان اغتنمُ
ولا إلى صدقات المال اطلبها
ولا عمى نال أعضائي ولا صممُ
وإنما أنا ضيف للملوك ولي
دون الملوك لسان ناطق وفمُ
أما قصيدته المسماة (شكاية المتظلم ونكاية المتألم) التي أرسلها إلى صلاح الدين بعد أن تدهور به العيش واشتد به الضنك والتي لم تلق من صلاح الدين أذناً صاغية لعلمه بهوى عمارة في الفاطميين فهي لا تخلو من التقريع والتعريض بل جعلها الصفدي أحد أسباب قتل عمارة(47). ولولا خوف الإطالة لعرضنا بعض المقاطع منها.
ورغم كل ذلك فان عمارة لم يكن في كل أحواله متظاهراً بمداهنة الأيوبيين فهو قد رثى الدولة الفاطمية وتفجّع عليها أشد التفجّع وبكل صراحة في قصيدته الخالدة:
رميت يا دهر كف المجد بالشللِ
وجيده بعد حسن الحلي بالعطلِ
التي أوغرت صدور الأيوبيين عليه. وهي أحد أسباب مقتله كما يقول بروكلمان(48).
ونراه يقول في أبيات:
قُطعت يدٌ أضحت قصوركم بها
مهجورة بعد الندى والباسِ
هذي حصون الروم عُطّل غزوها
وغزت دياركم بنو العبّاسِ
حتى متى لا تنتهي عن ظلمكم
أبداً ولا لجراحكم من آسِ
بل إن عمارة هجا بعض الأيوبيين كالملك المظفر ابن شاهنشاه بن أيوب:
عظّمتما الأمر وفخّمتماه
وما ابن شاهنشاه إلاّ ابن شاه
ومن تكون الشاة أماً له
فما يكون التيس إلاّ أباه
فكان هذا هو حال عمارة مع الأيوبيين حتى عام 569هـ إذ اتفق مع جماعة من الشيعة من أعيان المصريين ورجالات الدولة الفاطمية على الفتك بصلاح الدين وإعادة دولة الفاطميين ومعهم مجموعة من حاشية القصر والجند وبعض أمراء صلاح الدين. وكان عمارة من أكابر الدعاة إلى هذا الأمر والمحرضين عليه(49) (وعيّنوا الخليفة والوزير وأحكموا الرأي والتدبير وبيتوا أمرهم بليل وستروا عليه بذيل وكان عمارة اليمني الشاعر عقيدتهم ودعا للدعوة قريبهم وبعيدهم)(50).

وكان معه من الأعيان: القاضي المفضل ضياء الدين بن كامل القاضي والشريف الجليس وعبد الصمد الكاتب والقاضي الأعز سلامة العوريس وداعي الدعاة عبد الجبار بن عبد القوي ونجاح الحمامي(51). وكانت خطتهم تتلخص في مكاتبة الإفرنج كي يتجهوا إلى مصر مقابل مال معين فيخرج إليهم صلاح الدين ويرجع من عسكره من وافقهم فلا يستطيع مواجهة الإفرنج ويستولون هم على القاهرة وان لم يخرج صلاح الدين بنفسه بل يكتفي بإرسال العساكر ثاروا هم عليه وأخذوه أخذاً باليد(52). وكان عمارة قد اضطلع بدور مهم في الخطة إذ قام بتحريض شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخي صلاح الدين على المسير إلى اليمن وفتحها بعدة قصائد أشهرها قصيدته الميمية:

العلم مذ كان محتاج إلى العَلَمِ
وشفرة السيف تستغني عن القلمِ

التي تعتبر من أشهر قصائد أثارت الحمية في الأدب العربي. والغاية من ذلك إضعاف قوة صلاح الدين العسكرية عن طريق تقليل عسكره(53). ونجح عمارة في مسعاه إذ توجه تورانشاه إلى اليمن بعد أن اصطحب معه قسماً كبيراً من جيوش صلاح الدين. فأمن عمارة وجماعته من أن يسد تورانشاه مسد صلاح الدين إن هم فتكوا به(54).

مقــتله
كان عمارة وأصحابه قد أدخلوا معهم في هذا الأمر الشيخ زين الدين علي بن نجا الواعظ الحنبلي فوشى بهم إلى صلاح الدين وسأله أن ينعم عليه مقابل ذلك بجميع ما لابن كامل من الأموال والممتلكات فأجابه صلاح الدين إلى ذلك(55). فألقي القبض عليهم يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من سنة 569هـ(56) واحضروا إلى صلاح الدين (فيم ينكروا الأمر ولم يروه منكراً)(57) فأمر صلاح الدين بشنقهم فشنقوا يوم السبت ثاني شهر رمضان من السنة المذكورة في القاهرة بين القصرين(58) وكان عمارة قد صلب منكساً بين بابي الذهب وباب البحر(59). وكانوا قد اتهموا عمارة أيضاً بالزندقة لبيت نسبوه إليه فأفتى الفقهاء بقتله والبيت:

قد كان أول هذا الأمر من رجلٍ
سعى إلى أن دعوه سيد الأممِ
إلاّ إن أكثر المؤرخين صرّحوا بأن هذا البيت معمول عليه(60).

مذهـبه
عدّ الشيخ الأميني عمارة اليمني من الشهداء على التشيع(61) وكذلك عدّه من الشيعة صاحب نسمة السحر(62) وآقا بزرك الطهراني(63) وآخرون منهم د.شوقي ضيف(64) و د. ذو النون المصري(65) الذي عقد فصلاً كاملاً للحديث عن تشيع عمارة. وأقدم من نص على تشيعه ـ فيما نعلم ـ هو ابن الأثير(66).

وجعله ابن كثير ينسب إلى الرفض(67). ويقول القلقشندي (وعمارة هذا لم يكن على معتقد الشيعة بل فقيهاً شافعياً)(68) ويقول عنه ابن خلكان (وكان فقيهاً شافعياً شديد التعصب للسنة)(69) ومثله اليافعي في مرآة الجنان(70) والأسنوي في طبقات الشافعية(71) وتبعهم على ذلك د.حسن سليمان محمود محقق كتاب (تاريخ اليمن) لعمارة حيث يقول (واحتفظ عمارة إلى آخر لحظة من حياته بمذهب أهل السنة)(72).

ونحن بعد النماذج التي نقلناها من شعره لاسيما ما كان في مدح العاضد ـ وما سنذكره لاحقاً ـ لا نجد صعوبة في اثبات تشيعه فشعره خير دليل على ذلك ومن تصفّح ديوان عمارة جزم بتشيعه قطعاً، وعليه فلا عبرة بما قاله أولئك وأصروا عليه من منطلق العصبية.

لكن يبقى الكلام حول كتاب عمارة (النكت العصرية) الذي هو كالترجمة الذاتية له ففي هذا الكتاب نجد عمارة يتبرأ من التشيع إذ يذكر فيه حادثة وقعت له مع الملك الصالح طلائع في أوّل دخوله مصراً فضل فيها عمارة الشيخين كما يذكر في هذا الكتاب أبياتاً من قبل الملك الصالح يدعو فيها عمارة إلى التشيع ورفض عمارة ذلك بأبيات أخرى أجاب بها الصالح(73).

والجواب عن ذلك بسيط فإن هذا الكتاب الّفه عمارة في عهد الأيوبيين كما استظهر ذلك د.شوقي ضيف(74) وجزم به د. ذو النون المصري(75) وهو ما نجزم به أيضاً والدليل على ذلك أن عمارة أرّخ فيه لوزراء مصر حتى وزارة شاور الثانية قبيل مجيء الأيوبيين وإذا كان الأمر كذلك فمن الطبيعي أن ينحو فيه عمارة ذلك المنحى خوفاً من بطش الأيوبيين بأن يخفي تشيعه ويحاول البراءة منه في الظاهر. أضف إلى ذلك أن حادثة تفضيل الشيخين ورفض دعوة الملك الصالح للتشيع إنما حدثتا في بداية مقدم عمارة إلى مصر كما هو واضح من سياق الكتاب حيث لم يكن قد تشيع بعد ولا ريب في كونه سنياً شافعياً في بداية حياته إلى حين استيطانه مصراً.

أما قوله في قصيدته (شكاية المتظلم) التي أرسلها إلى صلاح الدين والتي يقول فيها واصفاً الفاطميين:
مذاهبهم في الجود مذهب سنةٍ
وإن خالفوني في اعتقاد التشيّعِ
فالجواب عنها واضح لما قدمناه.
إذن فعمارة اليمني ابتدأ حياته سنياً شافعياً ثم دخل التشيع بعد استيطانه مصراً وشعره أكبر شاهد على ذلك. إلا أن الكلام يبقى حول مذهبه في التشيع، فهل كان إمامياً أم إسماعيلياً؟

جعل الشيخ الأميني عمارة من الشيعة الإمامية بل عدّه من فقهاء الأمامية ومدرسيهم(76) إلاّ أن الجندي في تاريخه يذكر أن عمارة اعتقد مذهب الإسماعيلية ويذكر أيضاً أن شعره شاهد على ذلك(77). وجزم بذلك أيضاً د.شوقي ضيف مستدلاً على ذلك بشعر عمارة(78). وهو ما نذهب إليه أيضاً إذ لو قرأنا شعر عمارة لم نجد ما يدل على إماميته فضلاً عن عدم تصريح المؤرخين بذلك.
بل إن شعر عمارة صريح في إسماعيليته وفي اعتقاده إمامة الفاطميين وعصمتهم ولكي يطمئن قلب القارئ بذلك نورد هذه الأبيات في مدح العاضد:
ولاؤك دَينٌ في الرقاب ودينُ
وودّك حصنٌ في المعاد حصينُ
وحبك مفروض على كل مسلمٍ
يقول بحب المصطفى ويدينُ
ومالك فوقٌ غير من خلق الورى
وجملة هذا الخلق عندك دونُ
وكل إمام في لياليك هذه
إمامته شك وأنت يقينُ
بقيت على النص الجليّ وغرّهم
قياس على أصل الهوى وظنونُ

فهذه الأبيات وما ذكرناه آنفاً في مدح العاضد تدل بلا ريب على كونه شيعياً إسماعيلياً. ويمكن أن يضاف إلى ذلك أن الفكر الإمامي كان شبه غريب على عمارة بخرف الفكر الإسماعيلي الذي كان بالغ الشيوع في اليمن أيّام نشأة عمارة ومقامه هناك، فآل زريع حكام عدن الذين اختص بهم عمارة كانوا من دعاة الإسماعيلية، وكانت كبرى دول اليمن وهي الدولة الصُليحية التي عاصمتها صنعاء دولة شيعية إسماعيلية وكان الصليحيون يتولون شؤون الدعوة في تلك الأنحاء، ثم إن المذهب اللإسماعيلي هو المذهب الرسمي في مصر حيث أقام عمارة إلى حين مقتله، فكل ذلك قد يجعل الفكر الإسماعيلي أقرب إلىعمارة من الفكر الإمامي. والله هو العالم
بحقيقة الحال.

نشرت في العدد 18


(1) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي،20/563، وفيات الأعيان، ابن خلكان، 3/431، الغدير، 4/408، معجم الشعراء،كامل سلمان الجبوري،4/75.
(2) كما في طبقات الشافعية، الأسنوي، 2/320، وفيات الأعيان، 3/431، شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي، 4/234، سير أعلام النبلاء، 20/592، وغيرها.
(3) كما في خريدة القصر، قسم شعراء الشام، 3/101.
(4) كما في مخطوطة ديوان عمارة المحفوظة في كوبنهاكن.
(5) انظر: النكت العصرية، عمارة اليمني، ص7.
(6) المصدر السابق، ص8.
(7) المصدر السابق، ص8.
(8) خريدة القصر، قسم شعراء الشام، 3/103.
(9) ، (10) انظر: النكت العصرية، ص8، 7.
(11) انظر: تاريخ اليمن، عمارة اليمني، ص54.
(12) انظر: معجم الشعراء، 4/75.
(13) انظر: سير أعلام النبلاء، 20/593، طبقات الشافعية، 2/320، الوافي بالوفيات، 22/237، تاريخ الأدب العربي، عصر الدول والإمارات، د.شوقي ضيف، ص154.
(14) انظر: تاريخ اليمن، ص54.
(15) انظر: النكت العصرية، ص
(16) انظر: تاريخ اليمن، ص54.
(17) انظر: عمارة اليمني، د.ذو النون المصري، ص27ـ28.
(18) انظر: تاريخ اليمن، ص54.
(19) انظر: النكت العصرية، ص21.
(20) انظر: تاريخ اليمن، ص106.
(21)، (22)، (23) انظر: النكت العصرية، ص22، 23، 26.
(24) انظر: عمارة اليمني، ص38
(25) انظر: النكت العصرية، ص27.
(26) انظر: مصر في عهد الدولة الفاطمية، د.محمد جمال الدين سرور، ص140.
(27) انظر: عمارة اليمني، ص 39 وما بعدها.
(28) انظر: وفيات الأعيان، 3/432، معجم الشعراء، الجبوري، 4/75، تاريخ الأدب العربي، د.شوقي ضيف، ص154.
(29) انظر: طبقات الشافعية، الأسنوي، 2/320.
(30) انظر: النكت العصرية، ص32، وفيات الأعيان، 1/33.
(31) النكت العصرية، ص34.
(32) وفيات الأعيان، 3/433.
(33) انظر: النكت العصرية، ص41، وفيات الأعيان، 3/433.
(34) انظر: عمارة اليمني، ص47.
(35) صبح الأعشى، 3/606.
(36) النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، ابن تغري بردي، 6/64.
(37) انظر: وفيات الأعيان، 2/528.
(38) انظر: مصر في عهد الدولة الفاطمية، ص104.
(39) انظر: النكت العصرية، ص86.
(40) انظر: مصر في عهد الدولة الفاطمية، ص104.
(41) النكت العصرية، ص74.
(42)، (43) انظر: مصر في عهد الدولة الفاطمية، ص105، وما بعدها.
(44) انظر: حسن المحاضرة، السيوطي، 2/193.
(45) انظر: مرآة الجنان وعبرة اليقظان، اليافعي، 3/285ـ286.
(46) عمارة اليمني، ص59.
(47) انظر: الوافي بالوفيات، 22/243.
(48) انظر: تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان، 3/445.
(49) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، 12/340.
(50) كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، أبو شامة، 2/185.
(51) انظر: المصدر السابق، 2/186، الكامل، ابن الأثير، 11/398، السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي، 1/162.
(52) انظر: الكامل، 11/399، البداية والنهاية، 12/340.
(53) انظر: البداية والنهاية، 12/340، كتاب الروضتين، 2/186.
(54) انظر: الكامل، 11/399.
(55) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي، 1/163.
(56)، (57) انظر: وفيات الأعيان، 3/435.
(58) انظر: المصدر السابق، وكذلك: السلوك لمعرفة دول الملوك، 1/163.
(59) انظر: شذرات الذهب، 4/235، السلوك للمقريزي، 1/163.
(60) انظر: وفيات الأعيان، 3/435، سير أعلام النبلاء، 20/594، خريدة القصر، قسم شعراء الشام، 3/104.
(61) الغدير، 4/408.
(62) نسمة السحر في من تشيع وشعر، 2/456.
(63) طبقات أعلام الشيعة، الثقات العيون في سادس القرون، ص210.
(64) تاريخ الأدب العربي، عصر الدول والإمارات، ص156.
(65) عمارة اليمني، ص102.
(66) الكامل، 11/398.
(67) البداية والنهاية، 12/341.
(68) صبح الأعشى، 3/606.
(69) وفيات الأعيان، 3/433.
(70) مرآة الجنان وعبرة اليقظان، 3/295.
(71) طبقات الشافعية، 2/321.
(72) تاريخ اليمن لعمارة، ص6.
(73) النكت العصرية، ص44 وما بعدها.
(74) تاريخ الأدب العربي، ص155.
(75) عمارة اليمني، ص197.
(76) الغدير، 4/408.
(77) انظر: نسمة السحر، 2/456.
(78) تاريخ الأدب العربي، ص155.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.