Take a fresh look at your lifestyle.

إشارات قرآنية في نشوء وتمدد الكون

0 7

د. عامر عمران الخفاجي
كلية التربية/ جامعة بابل

د. فيصل علي البصام
كلية العلوم/ جامعة بابل

 

تمــهيد
في الوقت الذي أخذت العلوم والتكنولوجيا تخطو خطوات واسعة وسريعة نحو التقدم والارتقاء ولاسيما في النصف الثاني من القرن الماضي، كان نصيب علوم الفضاء والفلك الحصة الأكبر في التقدم موازنة ببقية المعارف سواء أكان ذلك من الناحية النظرية أم من الناحية العملية، فبعد أن كان علم الفلك محصوراً في دراسة الكون بواسطة الأجهزة والمراصد الأرضية، شرع ببناء وتصنيع الأجهزة الفضائية لدراسة الأجرام السماوية من خارج الغلاف الجوي الأرضي، ليتضمن الأطوال الموجية كافة، كما استخدم الحاسوب لالتقاط الصور من الفضاء الخارجي، ومن البديهي أن يعالج علم الفلك الكثير من الأسئلة التي حيرت ومازالت تشغل الإنسان ومنها كيفية بدء الكون.

لقد تفتحت الذهنية الإسلامية، فانبرت طلائعها لاحتضان الجهد العلمي المتوجه نحو الكتاب الكريم، فامتدت بدراسات فنية عصرية ميسرة بذلك الفهم القرآني بعيداً عن الجدل الفلسفي والنزاع التقليدي، ووجدنا أن هذه الدراسات مازالت مفتقرة إلى كشف العديد من الظواهر القرآنية في ضوء المفهوم العلمي الحديث، إذ أفصحت آياته عن مشيئته في الكون وظواهره، وهذا يفسر ميل الدراسات العلمية والفضائية وما فيها من غزارة نحو هذا الجانب، لذلك تطلعنا إلى إصدار سلسلة قرآنية تعزز مجدنا الخالد وتتيح المجال لباحثينا ليتوصلوا إلى حقائق التصور العلمي والإنساني من آياته سبحانه.

مقدمة
تكشف مسألة الخلق قدرة القادر الحكيم وإن تفاوتت في الكبر والنوع، دليل ذلك ما جاء في دراسات علم الفلك الراديوي والجيو فيزياء، إذ أثبتت أن خلق الكون أكبر من خلق الناس لما فيه من الأسرار العلمية في جريان أجزائه، وسعة أبعاده، وكبر مجراته قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)[غافر:57]، وقوله أيضاً: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا)[النازعات:27].

لقد حاول الإنسان معرفة كيفية نشوء الكون، ولكنه لازال في دور الحدس والتخمين، لذلك نجد قلة من يتصدى من علماء العصر الحاضر إلى وضع نظرية مبنية على أسس علمية من شأنها أن توضح نشوء الكون بأجمعه، وأن ما وضع من نظريات ما يزال عرضة للتعديل في تفسير الحوادث والظواهر الكونية المتزامنة معها وتمدد الكون إحدى تلك الظواهر التي ما تزال مستمرة الحدوث.

إن النظام الكوني ليس مجهولاً تماماً، وحقائق نشوئه وتمدده جعلت عدداً غير قليل من العلماء، لا يعرف بدقة كيف ابتدأ خلق العالم الكوني، لأن المدبر الأعلى لم يشرك معه أحداً في خلق الكون ولا خلق غيره، قال تعالى: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ)[الكهف:51]، ولمح سبحانه في قرآنه المجيد إلى كيفية نشوء الكون، وما ورد من نظريات تتوافق لحد ما مع الكلمات القرآنية في هذا الجانب والله الموفق.

قال تعالى: (…وهي دخان) مشيراً إلى الحالة الغازية، وقوله: (وكان عرشه على الماء…) مشيراً إلى القدرة الإلهية في الحالة السائلة، وقوله: (والأرض بعد ذلك دحاها) مشيراً إلى الحالة الصلبة.. أما إشارة القرآن إلى نظرية الانفجار الهائل في الكون وتكون المجرات والنجوم في قوله: (كانتا رتقاً ففتقناهما…).

 

المبحث الأول
نظريات نشوء الكون
إن ابتداء خلق الكون وكيفية تطوره وحركته وزمن تشكيل السدم كل ذلك لم يزل غامضاً بعض الشيء، وكل ما دار حوله لا يعدو أن يكون تصورات ونظريات، والنظرية في العلوم الطبيعية ما هي إلا فرض يرجح العلماء صحته بتتابع الوقائع وزيادتها، ولكن ما يزال الاحتمال عندهم بنقص ما فرضوه لما يظهر من تفاوت بين الحقائق الموجودة فعلاً وما خرجوا به من نظريات،

فإذا اكثرت الوقائع واستمرت في الزيادة عندهم البراهين والأدلة في صحة النظرية، تتحول في النهاية إلى قانون، لذلك نلاحظ أن هناك مفاهيم فلسفية عديدة تبحث في هذا العلم، كل منها يبحث ويفترض مبدأ معيناً، ومن هذه المفاهيم مثلاً مفهوم المبدأ الكوني (Cosmological Principle) الذي يفترض أن الكون متجانس (Homogeneous) ومتماثل الخواص الاتجاهية (Isotropic) وكذلك مفهوم المبدأ الكوني المتكامل (Perfect Cosmological Principle) أي متماثل الخواص الاتجاهية ومتجانس في المكان والزمان (لا يتغير مع الزمان)، وإن النظرية التي اتبعت المبدأ الأخير هي نظرية الخلق المستمر (Continuous Creation)، والتي تنص على أن الكون لا يملك لحظة ابتداء أو لحظة انتهاء، وسنعرض النظريات التي دأبت

على كيفية نشوء الكون وتطوره:

1ـ كون أرسطو:
لقد وضع أرسطو (القرن الرابع ق.م) أول نظرية للكون والتي عاشت أفكارها ألفي سنة تقريباً، فاعتقد هو وأقرانه من فلاسفة الإغريق، أن الأرض ثابتة وتقع في مركز الكون ذي الأبعاد المحدودة، وأن الحركة بالنسبة له، على ثلاثة أنواع الحركة الخطية والدائرية والمختلطة، وبما أن الكون محدود الأبعاد،

لذلك فإن الحركة الخطية لا يمكنها الاستمرار إلى ما لا نهاية، لذلك فالحركة الدائرية هي الحركة الوحيدة التي ليس لها بداية أو نهاية، وهذا يفسر حركة النجوم والكواكب بمسارات دائرية، وتأخذ النجوم أشكالاً كروية وهي أزلية لأنها مصنوعة من مادة أزلية سميت بالأثير (Ether) تسمى اليوم بالمادة السوداء (Black Matter).

عدت نظرية أرسطو من أطول النظريات صموداً على الرغم من ضحالتها، ولم تبدأ بوادر انهيارها إلا في القرن السادس عشر على يد الفلكي (كوبرنيكوس)، فلقد استبدل الشمس بالأرض كمركز للكون، وفسر دوران النجوم الظاهري، بدوران الأرض حول محورها وبذلك قوضت مفاهيم (كوبرنيكوس) نظرية أرسطو.

إن رصد النجمة البراقة (المستعرة العظمى) عام (1572م) من قبل الفلكي (تيكوبراهي) مكنته من البرهنة على أنها أبعد من القمر، كذلك برهن من رصده للمذنب الذي ظهر عام (1577م) بأنه يدور حول الشمس بمدار بيضوي خارج مدار الزهرة، كما أن قوانين (كبلر) كانت ضربة قاضية لنظرية أرسطو، وباختراع المرقب الفلكي من قبل (غاليلو)، اكتشف الكلف الشمسي وأقمار المشتري الأربعة، واكتشف العالم (هالي) عام (1718م) حركة بعض النجوم البراقة وتبعه (هيرشل) عام (1783م) فوجد أن الشمس تتحرك أيضاً وأن صغر النجوم ناجم عن بعدها السحيق، وبذلك تقوضت نظرية مركزية الشمس في الكون، وبقدوم نيوتن ووضعه لقانون الجاذبية التثاقلية، استند علم الفلك على أسس سليمة.

 

2ـ الكون في مفهوم النظرية النسبية (كون أينشتاين ـ دي سيتر):
لقد حاول أينشتاين عام (1916م) تطبيق النظرية النسبية العامة على الجاذبية والكون بافتراضه كوناً متماثل الخواص (Isotropic) مع الاتجاه (أي متساو في جميع الاتجاهات عند النظر إليه من نقطة واحدة) ومتجانس أي متشابه عند النظر إليه من عدة نقاط في نفس الوقت.

وبسبب تواجد المادة في الكون وبفرض تجانس توزيعها، فإن معادلات المجال أعطت كوناً متقلصاً بتأثير الجاذبية (Gravitation)، وتسمى نظريات الكون المعتمدة على النسبية بنظريات الكون المتطور التي بعض نماذجها يفترض كوناً متمدداً إلى ما لا نهاية مبتدئاً بانفجار أعظم (Bing Bang) الذي يؤدي إلى انخفاض كثافة المادة تدريجياً، وبعضها يفترض أن الكون متذبذب بتأثير الجاذبية التثاقلية التي تعيق التمدد. أما إذا حدث قبل وخلال لحظة الانفجار فلا يمكن معرفته، لأن الكون المستمر بالتمدد هو من بين نماذج الكون المتطور التي تلقى قبولاً أكثر من الكون المتذبذب أو الكون الذي ينكمش ليكون كتلة واحدة (مثل الثقب الأسود).

إن المجرات تتباطأ بالجاذبية التثاقلية بسرعة تعتمد على كثافة المادة الكونية، وهذا ما يمكن أن يحصل للكون المتمدد، فإذا كانت سرعة القذف عند لحظة الانفجار الأعظم أقل من سرعة الإفلات للأرض (11كم/ثا)، فإن سرعته تتباطأ بالجاذبية، فتعود المجرات تتجمع، ثم يتكرر الانفجار وهكذا، أي إن سرعة ابتعاد المجرات البعيدة في الماضي أكبر من سرعتها في الحاضر، وهذا ما يؤيده قانون (هابل) إذ أن مقلوبه يعطي أقصى عمر للكون.

لقد تمكن أينشتاين من إيجاد العلاقة بين نصف قطر هذا الكون المتناهي وكثافة المادة المتوافرة بالعلاقة ( ). وعلى الرغم
من هذا السكون والاتزان المتناهي، فقد حدد كونه هذا بإطار دائم وثابت تستطيع المجموعات الكونية أن تنمو في داخله وتتطور، لكن كثيرين عارضوا كون أينشتاين ـ دي سيتر، ومنهم (أرثر أدنكتن) في كتابه الكون المتمدد عام (1932) قائلاً بأن كليهما لا يمكن أن يصلحا كأنموذج للكون الحالي بسبب القوتين الجاذبة والطاردة المركزية اللتين تعملان بالتضاد، إذ تصبح قوة الجذب مهمة تقريباً في أعماق الكون بسبب الأبعاد المذهلة للمجرات ما بينها ويزداد التوازن اختلالاً ويتجه في طريق التمدد السريع.

3ـ نظرية الحالة المستقرة (Steady- State Theory):
لقد أعلن في كمبردج عام (1948م) كل من (بوندي) و(جولد) و(هويل) نظرية تحل مشكلة الزمان قبل الانفجار، وذلك بافتراضهم أن الكون بالمعدل يظهر نفسه كما هو من قبل الراصد في أي جزء من الكون، وفي أي زمان منه، وهو يفسر بأن المجرات التي تتباعد تخلق محلها المادة (على شكل ذرات الهيدروجين) لكي تبقى كثافة الكون ثابتة، ونظراً لبطء عملية الخلق بحيث لا يمكن التحسس بها في المختبر، فالكون يظهر على حاله، ولكن المادة تكفي للتعويض عن المادة المفقودة لغرض بناء مجرات جديدة بدلاً من المجرات القديمة التي ابتعدت عنا، لذلك فليس للكون بداية أو نهاية فهو أزلي،

أي إنه يبقى كما هو عليه الآن وكما عليه قبل بلايين السنين (ويفسر ذلك بقاء الكون على حاله، بأن المادة تخلق لتعويض المادة التي تختفي بالتمدد، ولكن عملية الخلق، ذرة بذرة بطيئة يمكن حسابها من معدل التمدد الكوني، فوجد بأنها تقارب ذرة هيدروجين في كل سم3 في (1510 سنة)!! وهي عملية بطيئة جداً) أي أن الكون أزلي تتحول فيه المادة إلى طاقة والطاقة إلى مادة بعملية متوازنة باستمرار.

إن جميع الأدلة العلمية لا تؤيد هذه النظرية، مما يجعل نظرية الانفجار الأعظم والكون المتطور أكثر قبولاً، أما ماذا حصل قبل الانفجار؟ وما هو معنى الزمان قبل الانفجار؟ فهي لازالت أسئلة شائكة جداً تنتظر الحل.

4ـ نظرية الانفجار الأعظم (كون لي ميتر المنفجر):
لقد وصف القسيس (لي ميتر) كونه إبّان النشوء، بأنه كان منكمشاً على نفسه انكماشاً كلياً تتكدس المادة فيه بعضها على بعض لتشكل نواته الأولى الضخمة المستقرة. وما لبثت لسبب من الأسباب أن انفجرت فتطايرت أشلاؤها في رحاب هذا الكون وأخذت في الانتشار والتباعد من أثر قوة هذا الانفجار المروع بسرع متفاوتة مع مسافاتها. وقد قدر (لي ميتر) تاريخ حدوث هذا الانفجار إلى قبل عشرة آلاف مليون سنة، كما صرح بأن الكون ماض في التمدد وسيستمر إلى ما لا نهاية.

ولاقت هذه النظرية استحساناً وقبولاً من معظم الأوساط العلمية نظراً لتوافق بعض وقائعها مع أحدث ما توصلت إليه الأرصاد الفلكية والبحوث العلمية، وقالوا ما أن يصل الكون إلى أقصى حدود التمدد، حتى تصل عنده القوة الطاردة حدها الأصغر، ثم تنعكس هذه الظاهرة في تلك النقطة فتتغلب عليها قوة الجذب فتبدأ عملية الانكماش فعلها المتواصل لتعود بالكون تدريجياً إلى حالته الأولى، ثم يعاد الانفجار مرة أخرى وهكذا تتناوب هذه الظاهرة. ولقد دأب فريق آخر للبحث في نظرية (لي ميتر) الانفجارية في الستينات كان أبرزهم (جورج كامو) أحد الباحثين في الفيزياء الذرية أجرى بعض التعديلات،

إذ افترض هو والعالمان (تولمان) و(روبرت دك) بأن الكون ابتدأ بكرة نارية هائلة من الطاقة والمادة بكثافة غير محدودة وبدرجة حرارة تقارب (1010) كلفن، إذ ربما كانت جسيمات المادة تتكون من البروتونات والالكترونات والنيوترونات والنيوترينو، وبعد (100 ثانية) من الانفجار بردت إلى (910) كلفن، حيث بدأ بناء النويات الثقيلة، واستمرت عملية البناء لبضع ساعات، حيث انخفضت درجة الحرارة إلى (810) كلفن وتحول قرابة (20%) من المادة إلى هليوم وقليل من الديورتريوم (الهيدروجين الثقيل H21 (أقل من 0،001)).

إن الكمية المتولدة من الديوتريوم تعتمد على كثافة الكرة النارية، لأن الكثافة العالية تساعد على تحويله إلى الهليوم، أما الباقي فيتحول إلى هيدروجين، ولكن بعد مليون سنة حيث تصبح الكرة النارية تشبه باطن النجوم الحارة والمعتمة، ستبرد تدريجياً إلى (3000كلفن) والكثافة تقارب (1000ذرة/سم3) وتصبح الكرة النارية باردة وشفافة للإشعاعات بسبب تعادل ذرات الهيدروجين فتتسرب الإشعاعات إلى أجزاء الكون بحرية منفصلة عن المادة، وبعد بليون سنة تتكثف المادة إلى مجرات ونجوم.

إن كرة النار غير محددة في الفراغ فهي ليس لها موقع، وبسبب الزحزحة نحو الأحمر تتولد إشعاعات راديوية من جسم أسود بدرجة تقارب (3) كلفن، وهذا الجزء الأسود يحيطنا من جميع الاتجاهات، واكتشف العالمان (آرنوبنزياس) و(روبرت ولسن) عام (1965) هذه الإشعاعات على طول موجة (7،35سم) ولوحظ أنها قادمة من جميع الاتجاهات وبكميات متماثلة الخواص الاتجاهية في الفضاء، سميت بالإشعاعات الخلفية الكونية (Cosmic Radiation Background) والإشعاعات الخلفية الأولية. ولقد تأيد ذلك بصورة مستقلة من دراسة امتصاص خطوات الطيف لهذه الإشعاعات من قبل جزيئات السيانوجين للأمواج (2،6سم). كذلك أثبت أن عدم اعتماد شدة الأشعة الكونية على الاتجاه يؤيد نظرية الكون المتطور.

إن اكتشاف إشعاع الخلفية الكونية جعل من نظرية الانفجار الأعظم أكثر ارتكازاً من ناحية تفسيرها لنشوء الكون كما دحرت نظرية الكون المستقر.
بعد حدوث الانفجار الكبير مباشرة كان الكون خليطاً من الإشعاعات ما بين درجة (1010ـ1210) كلفن، والفوتونات تمتص قبل رحيلها بعيداً لتكون المادة، وبعدها أخذ الكون يبرد تدريجياً إلى أن أصبحت درجة حرارته (3000) كلفن بعد مليون سنة تقريباً من لحظة الانفجار، ثم ارتبطت أيونات الهيدروجين مع الألكترونات فجأة لتكوين ذرات الهيدروجين، وخلال هذه المرحلة أصبح الكون أقل عتومة مما كان عليه في البداية، لأن الهيدروجين يمتاز باحتوائه على الطيف الخطي، ومن ثم أصبح الكون شفافاً لعدم حصول عمليتي الامتصاص الكلي والإشعاع الكلي من قبل المادة الكونية، عندئذ تركت بقايا الإشعاعات الأولية في الكون والمستمرة في انطلاقها خلال الفضاء إلى الأبد.

5ـ نظرية الكون المادي ونقيضه:
ظهرت حديثاً نظرية أخرى معاكسة تماماً للنظرية الانفجارية ونظرية الكون الثابت بل ولكل النظريات الكونية الموضوعة وقد بحثها وحققها الباحث الألماني (ديراك) عام (1928م) وثبتت صحة هذه النظرية بعدئذ باكتشاف جسيم البوزترون (الإلكترون الموجب) على لوح فوتوغرافي للأشعة الكونية في عام (1932م) وعززت صحة هذا الاكتشاف عند العثور على نقيض البروتون والنيوترون بواسطة المعجلات النووية، ففي عام (1965م) وضع الباحث السويدي (الفن) نظرية كونية تقوم على أساس نظرية الوجود المادي ونقيضه وتقوم على أن المادة الأولية للكون كانت في البدء مادة رقيقة جداً تتألف من البروتونات وأضداد البروتونات مع إلكترونات وأضدادها، وفي اللحظة التي بدأت فيها بالتجمع والتكاثف الجذبي، اصطدمت بعضها مع بعض ثم تلاشت وتحولت إلى طاقة عالية جداً بعدها قذفت في ضغط كبير فلم توقف عملية التكاثف الجذبي فقط. بل عملت على دفع المادة وتشتيتها في الفضاء وهو ما يعرف اليوم بالتمدد الكوني.

من خلال النظريات المنجزة على امتداد التاريخ الفلسفي والعلمي لكيفية نشوء الكون يتضح أن بعض النظريات تحتاج إلى أدلة علمية وفلسفية معززة للتحقق والاقتراب من حقيقة النشوء مع أن نظرية الانفجار الأعظم وما تحمله من حوادث علمية متسلسلة هي أقرب لصورة النشوء من بقية النظريات رغم ما تضمن النظريات الأخرى على حقائق علمية سليمة.

المبحث الثاني
أصل المنظومة الشمسية
(Origin of the Solar System)
إن الفرضيات التي وضعت حول أصل المنظومة الشمسية وكيفية تكوينها يجب أن تفسر الخواص العامة لها والحقائق الأساسية لحركة كواكبها. ولقد أظهرت القياسات أن أعمار كل من الشمس والأرض والقمر والنيازك متقاربة جداً، فمن دراسة النشاط الإشعاعي لصخور القشرة الأرضية، ظهر أن عمر أقدمها يبلغ (3،3) بليون سنة. وقد وجد أن أعمار المعادن الأرضية تبلغ حوالي (4،5) بليون سنة، وأن عمر العينات القمرية التي جلبها رواد الفضاء عام (1969م) والنيازك التي تسقط على الأرض وجدت بأنها متقاربة مع عمر الأرض.

أما عمر الشمس فيتم حسابه بواسطة التركيب الكيميائي للشمس والطاقة الخارجة منها إضافة إلى استعمال نظريات التطور والتركيب النجمي. فلقد وجد أن عمرها يبلغ حوالي (5) بليون سنة، وعلى أساس ذلك وجد أن عمر المنظومة الشمسية يتراوح بين (4،5ـ 5) بليون سنة، علاوة على الزخم الزاوي للشمس يبلغ حوالي (2%) من الزخم الزاوي الكلي للمنظومة الشمسية، أي أن غالبية الزخوم الزاوية تتوزع على الكواكب السيارة،

فمثلاً المشتري وحده يملك حوالي (60%) من الزخم الزاوي الكلي، أما بالنسبة للتركيب الكيميائي لأفراد المنظومة الشمسية، فلقد وجد أن أغلب العناصر الموجودة في الشمس هي الهيدروجين والهليوم والتي تؤلف (98%) من كتلتها وأن الهيدروجين وحده يشكل (80%) من كتلة الشمس. يحتوي المشتري وزحل على عناصر مشابهة تقريباً وبكميات قليلة من نفس العناصر في أورانوس ونبتون. أما الأرض فإن النسبة المئوية للعناصر الثقيلة تكون أكبر من العناصر الأخرى وهي موجودة في النيازك وفي القمر أيضاً. وأن تركيب كل من المريخ والزهرة وعطارد يشبه تركيب الأرض بصورة مقاربة جداً.

نشوء النظام الشمسي
كان هذا الموضوع من المعضلات التي شغلت أذهان علماء الطبيعة والفلك منذ القرن السابع عشر حتى يومنا هذا، حاول البعض منهم على فترات مختلفة وضع الفرضيات لحل هذه المعضلة، وكل كان يقيم له حجة وبرهاناً لدعم فرضيته، إلا أن أكثرها لم تكن من الصلابة لتعيش طويلاً، هكذا عاشت نظريات لفترة من الزمن ثم بادت وخلفتها نظريات.
إن أية فرضية توضع لتفسير المنظومة الشمسية، يجب أن تنطبق عليها جميع الخواص التي تتصف بها المنظومة، وعلى كل حال، سنعرض ملخصاً لبعض الفرضيات المهمة:

1ـ فرضية ديكارتز (Decartes):
وضعت هذه الفرضية عام (1644م) وقد كانت أول فرضية تفسر أصل المنظومة الشمسية وهو نشوؤها من السديم الغازي.

2ـ فرضية بوفون (Buffon):
وضعت عام (1750م) وقد نصت على أن الكواكب تكونت على أثر اصطدام مذنب بالشمس، ونتيجة لذلك انفصلت بعض الغازات من الشمس واستمرت تدور حولها وبعد أن انكمشت هذه الغازات كونت الكواكب ثم توابعها.

3ـ نظرية الفيلسوف كانت (Cant) (1724ـ1804)م:
قدم هذه النظرية في كتابه التاريخ الطبيعي ونظرية الكون، وتتلخص بأن المجموعة الشمسية كانت تتألف في بادئ الأمر من أجرام صغيرة صلبة لا حصر لها تتناثر في أعماق الفضاء، ما لبثت أن تجمعت وتجاذبت وتصادمت مع بعضها البعض فتولد عن هذا التصادم حرارة كبيرة تحولت من جراء تلك الكتل المتجمعة إلى غازات، ثم تجمعت على هيئة سحب وأخذت تدور حول نفسها بسرعة عظيمة من الغرب إلى الشرق، ثم انطلقت منها غازات بفعل القوى الطاردة ما لبثت هي الأخرى أن تجمعت وتكاثفت وفقدت حرارتها من جراء سرعتها ثم تكور شكلها فتكونت منها أجرام كبيرة وصغيرة وهي السيارات المعروفة ثم أخذت تدور حول الجرم الكبير الذي انفصلت عنه بنفس اتجاه حركته.

4ـ فرضية شامبرلن ومولتن (Chamberlain ،Molten):
في عام (1900م) جرى تعديل على فرضية بوفون، حيث استبدل المذنب بنجم كبير الحجم، وفرض أنه اقترب من الشمس نتيجة لقوانين الجاذبية العامة، تولدت الكواكب حول الشمس بسبب انفصال الغازات من الشمس وبقيت تدور حولها وسميت بنظرية المد الغازي.

5ـ فرضية جينز وجيفرز (Jeans-Jeffries) (1901م):
وهي تؤكد اقتراب نجم من الشمس ونتيجة للجاذبية العامة انفصلت الغازات من الشمس على شكل ألسنة نارية لامعة وبعد مدة من الزمن تكون قرص غازي يدور حول الشمس مكوناً الكواكب.

6ـ نظرية شميدت (Shemdit):
أخرج هذا الباحث الروسي نظرية حديثة عام (1946م) عن نشوء الكواكب السيارة التي تقول: لقد حدث للشمس أثناء حركتها داخل نظام مجرتنا، أن مرت بسحابة كثيفة من الغازات والغبار الكوني فتشبعت بها واجتذبت قسماً كبيراً معها وهي ماضية في طريقها داخل المجرة، وما لبثت أن تجمعت هذه السحب حول الشمس بحكم جاذبيتها بشكل حلقة كثيفة وهي تدور بالاتجاه المعاكس لعقارب الساعة، ثم بدأت ذرات هذه السحب بالتجمع والتكاثف على بعضها ثم الانفصال حسب مقتضيات الظروف فشكلت كتلاً صغيرة أولاً بأول، ثم تجمعت في كتل أكبر حتى انتهت إلى تكوين هذه الكواكب.

7ـ فرضية هنري رسل (Henry Russell):
تنص هذه الفرضية على أن الشمس ربما كانت في أول الأمر نجماً في منظومة ثنائية تدور حول مركز ثقلها، وما لبث أن انفجر أحد النجمين مولداً الكواكب السيارة وتوابعها. وقد أكد على هذه الفرضية العالم (فريد هوبل) عام (1946م) حيث بنى فرضيته على طبيعة انفجار نجوم المستعمرات العظمى (Supernova Explosion) وهو أن الشمس كانت في الأصل تمثل أحد أعضاء مركبة نجمية مزدوجة، لأن نصف السماء التي تقع تحت نطاق البصر هي أعضاء في النظام الزوجي، ومن سياق حديثه عن تكوين النجوم ونموها وتطورها تطرق إلى سحب الغازات الوافرة من الهيدروجين المنتشرة في هذا الفضاء الكوني الشاسع، وأن النجوم التي تمر من خلال هذه الغازات لابد أن تتشبع منها بحكم جاذبيتها فتزداد كتلتها وعندما تجمع بعض النجوم كمية كبيرة من هذه المادة وتصبح من الضخامة البالغة تضطر كتلتها الكبيرة إلى إحراق هيدروجينها بمعدل زائد فيزداد سطحها توهجاً وسطوعاً قد تصل إلى ألف مرة من توهج الشمس إلى أن ينفد هذا الوقود في حدود (50) ألف مليون عام.

7ـ الفرضية السديمية (Nebular Hypothesis):
تعد هذه الفرضية مقبولة الآن من قبل العديد من العلماء، وقد نشرها بصورة مستقلة الباحث الفرنسي لابلاس (Laplace)، وتنص على أن المنظومة الشمسية تكونت من سديم كبير مؤلف من الغازات والأتربة وحجمه أكبر من حجم المنظومة الشمسية الحالية بعدد من المرات، إذ كان السديم في أول الأمر بدرجة حرارية واطئة، ويدور حول مركزه بسرعة بطيئة، وبالتدرج بدأ بالانكماش والتقلص تحت تأثير قوى جذبه الذاتي، واستناداً إلى قانون حفظ الزخم الزاوي، فإن السرعة تزداد عندما يقل نصف قطره نتيجة لانكماشه وتقلصه. وهكذا فكلما زادت السرعة يصبح السديم أكثر تفلطحاً أي يقرب شكله من شكل القرص بفعل القوة المركزية. ويستمر في الانكماش إلى أن تختل قوة التماسك بين جزيئاته فتتغلب القوة المركزية على أجزائه إلى أن تنفصل حلقات كاملة من المادة من المناطق الخارجية للسديم الذي يستمر بالانكماش وتبدأ جزيئات هذه الحلقات بالتكثف بفعل الجاذبية العامة، وبمرور الزمن تكونت الكواكب التي تدور حول السديم المركزي الذي هو الشمس وبنفس الطريقة تكونت التوابع حول كواكبها.

إن فرضية السديم الغازي مقبولة الآن في تفسير وتكوين النجوم من الغازات والأتربة السائبة في فضاء ما بين النجوم، حيث تبدأ هذه الغازات والأتربة بالانكماش والتقلص وتزداد درجة حرارتها المركزية إلى أن تبدأ عمليات التفاعل النووي، وبذلك تحصل عمليات الانبعاث الحراري والضوئي من النجم أو الشمس وهي التي تجعل الزخم الزاوي بصورة عامة يتمركز في الكواكب أكثر من الشمس.

نشرت في العدد 18


المصادر
(1) فيزياء الجو والفضاء والفلك، د. فياض النجم، د. حميد مجول النعيمي، بغداد ج2، 1985.
(2) الموسوعة الفلكية المبسطة، د. ميخائيل عبد الأحد، 1977.
(3) التفسير الكبير، الفخر الرازي، دار الفكر، بيروت، 1405.
(4) التكامل في الإسلام، أحمد أمين، دار المعرفة، بيروت، ج1ـ5.
(5) أنوار التنزيل وأسرار التأويل، البيضاوي، دار الجيل، 1329.
(6) شهادة الكون، عبد الودود رشيد محمد، ط1، بغداد، 1990.
(7) الكشاف، الزمخشري، دار المعرفة، بيروت.
(8) القرآن والعلم، أحمد محمد سليمان، دار العودة، بيروت، 1978.
(9) ملامح كونية في القرآن، شاكر عبد الجبار، ط1، بغداد، 1985.
(10) الكون والقرآن في علم الفلك، محمد علي حسن، ط3، بغداد، 1978.
(11) اينشتاين والنظرية النسبية، محمد عبد الرحمن مرحبا، النهضة، بغداد، 1984.
(12) الطبيعة في القرآن الكريم، كاصد ياسر الزيادي، سلسلة دراسات (236) العراق، 1980.
(13) القرآن محاولة لفهم عصري، مصطفى محمود، دار المعارف، مصر، 1976.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.