Take a fresh look at your lifestyle.

الزهد والإسراف في البنيان

0 6

 

د. علي ثويني
معمار وباحث/ مملكة السويد

 

الزهد والحداثة المعمارية:
وفي استيضاح الصفات الزاهدة المنعكسة في مرآة العمارة، نجد أجلى صورها في البساطة والمباشرة التي تضطلع بموقع الجوهر والدستور. وولوجاً إلى معرفة صفة البساطة والتبسيط الذي كان إحدى الثوابت الأساسية في عمارة المسلمين وحاد يوماً عنها السلاطين وحافظت على ديمومتها العمارة الشعبية والذي اكسبها صفة (الثابت الثقافي) بسبب الاتجاه المباشر لهدف العمارة المتمثل في وظيفية و(مباشرية) نحو الهدف إلى الفضاء المعماري المستخدم، ومثالنا الأجدر في ذلك المسجد الذي جاء ليحقق وظيفة روحية وثقافية واجتماعية البسها المسلمون ببناء يفي بالحاجة ولم تعر أي أهمية لكيفية ما ستكون عليه هيئتها الخارجية.

وفي تقصي كنه البساطة من الناحية الفلسفية والعملية التي ظهرت في العمارة الخارجية والداخلية الإسلامية. نجد أن ممارسة (الاختزال) الوارد في العمارة الحديثة، لم تكن تعني بأي حال من الأحوال الاختزال لذلك الفضاء في جوانبه الكمية المجردة، بل تشتمل على مجمل الأحاسيس والانطباعات التي تتولد عن حالة التكامل المتزن بين عناصر البنية الكلية لذلك الفضاء، الذي يخدم الحياة الاجتماعية الإسلامية. ويكون ذلك انعكاسا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)(1). وهذا هو الميزان والمقاس بين التبذير والتقتير الذي أنعكس كمبدأ من مبادئ العمارة، السارية في كل مكان وزمان.

إن الوصول إلى نقطة التوازن هذه والتوقف عندها في نتاجات العمارة والفنون والآداب هي من سجايا البراعة والإبداع والتحكم الرفيع في الإيقاع والتأثير على أحاسيس المتلقي للفعل الإبداعي وان تحقيق ذلك التوازن بين طرفي المعادلة (الأكثر أو الأقل) من اعقد التحديات التي تجابه المعماري أو الفنان أو الأديب. وأسلوب البساطة أو السهولة في هذا الإطار المتوازن لا يعني الرخص أو الوفر، سهل المنال في العملية التصميمية. والمبنى البسيط في شكله يكون نتيجة دراسة طويلة وليست اعتباطية متسرعة. وتتأتى البساطة هنا من تأثيره على استعمال وتنظيم حياة مستعمليه، وتأثيره على تسهيل فهمه وإدراكه بالنظر. كما هو الخطاب الإسلامي العام الذي ورد سهل الفهم والإفهام ويعتمد على آليات بسيطة في شرحه.

والتبسيط عملية فحص وتجريد واختزال لكل ما هو زائد وكل مال ليس له ضرورة وأساسا من التواجد، وما يعتبر عبئا على كفاءة المبنى. وهذه العملية لا تظهر للرائي العادي، ولا يدركها إلا الخبير المتفقه، واسع الأفق، ويتميز بكونه مرهفا لإدراك الجمال من (النوع الفكري)، المحسوس، وليس من النوع الملموس المدرك بالحواس. أما صيغة التبسيط الواردة في تيار (العمارة العالمية) المعاصر فهو ليس إلا إتباع لقواعد واستخدام لأشكال تم تبسيطها وأصبحت ممكنة الاستعمال ذات ثلاثة أبعاد كأنها تماثيل أو ثنائية الأبعاد كأنها لوحات فنية(2).

وفي السياق الجمالي نجد أن للجمال ثلاث صيغ إحداها حسي بما تلمسه الحواس وجمال عاطفي يتعلق بالذكريات، وسالف الصلات، وجمال فكري وهو يتكرس بعد مراحل كبيرة من التقدم والرقي العقلي والثقافي. ويدعى كذلك (الجمال التجريدي) وهو أقرب أنواع الجمال إلى النوع (الوظيفي) التي وجدت لها تيارا عريضا في عمارة القرن العشرين. ويتداخل ذلك الجمال مع مفهوم (المتقشفون) في العمارة، وهم المتمسكون بوجهة النظر الفكرية وحدها ويسقطونها عادة على الاعتبارات الأخرى غير الفكرية، ويخرجها من الموضوع. وهذا الجنوح إلى الجمال لا يتواجد في ذهن المتفرج السلبي (passive)، ولا يتكشف لذوي العقل العلمي المحض، وبذلك يكون الإعجاب بالشيء وحده ولذاته وكنهاية في حد ذاته إعجابا تجريديا منزها من الغرض والفائدة، أي مبرر أخر، وبذلك يتضمن الشكل لدى عشاق هذا الجمال درجة من السمو النوعي ويترادف الشكل مع الجمال نفسه(3).

وقد أدى التعلق بهذا النوع من الجمال (الزاهد) إلى مشاكل فلسفية في الحضارات المادية، ومنها الحضارة المعاصرة، عندما وضعت مبادئ جامدة في النسب والتناظر والانسجام الشكلي وغيرها من المبادئ التصميمية في العمارة، أرادوا أن يفرضوها على أذواق الناس. ثم تصاعد ذلك إلى حالة من اليأس من الموضوع بمجمله، الذي أعتبر الجمال مسألة فردية محضة. وهكذا خالفوا موضوع (الجمال الزاهد) الذي أتى به الفكر الروحاني في الإسلام، الذي ربط الجمال بصانعه ولم يحدد له أشكال قسرية بعينها. وبذلك وجد حلا لذلك اللغط القائم بين مرامي كل من المعماريين الأكاديميين الذين يسعون لمقاييس ثابتة وشاملة والفلاسفة اللذين يبحثون عن الحق المطلق والعلميين الذين يريدون ترتيب الأشياء عقليا حتى يتم استيعابها والإلمام بها كلية، في الذهن والذاكرة.

ولهذا المستوى الرفيع من الشعور بالجمال ومفهوم البساطة نجد في أيامنا هذه صدى في نفوس جل التيارات الفنية والمعمارية الحديثة، والتي كانت رائديتها تعود إلى العمارة الإسلامية الأولى. وهذا يرجعنا إلى التمحيص في كنه العمارة، مستعينين بالتعريف الذي ذكره الدكتور عرفان سامي عن العمارة بأنها: (الفن العلمي لإقامة أبنية تتوفر فيها عناصر المتانة والمنفعة والاقتصاد وتفي حاجات الناس المادية والنفسية والروحية في حدود أوسع الإمكانيات وبأحسن الوسائل المتوفرة في العصر التي تكون فيه). وهذا ما يطابق المنهج الذي اتخذته عمارة المسلمين.

ومنذ بداية القرن وبظهور التيارات المعمارية العالمية في القرن العشرين حيث نجد تيار (النقائيين Purists) قد أثرت في العمارة الأوربية. وانبرى من هذا التيار المعمار (أدولف لوس)(4)، ناقدا حالة الزخرف في العمائر وذلك عام 1908م خلال مقال كتبه تحت عنوان (الزخرف والجريمة)، وتطرف في أحكامه حيث أعتبر الزخرف من علامات الهمجية أو التردي الآثم، أو متنفسا للكبت(5). وبعد أن هذبت تلك الفكرة المتطرفة في أحكامها، حيث ظهرت في مدرستين منها وهي مدرسة المعمار (ليكوربوزييه)(6) و(ميس فان دروه)(7)

اللتين أخذتا شوطا كبيرا في هوى رهط واسع من المعماريين في العالم وجوهرهما يكرس الاختزال والتقشف في المفردات المعمارية والذي يضيف إليه غنى كما قال ليكوربوزييه (Less is more) بالرغم من أن بعض المعماريين قد وسموا هذا المنحى الاختزالي الذي يولد السأم (Less is bore) كما قال فنتوري، وهو من رواد (ما بعد الحداثة). ويقول ليكوربوزييه في ذلك: (تتولد العاطفة من النظام التشكيلي الذي ينشر تأثيره على كل جزء من أجزاء التكوين… من الوحدة في الفكرة تمتد من وحدة المواد المستعملة إلى وحدة خطوط التسوية العامة… من الوحدة في الهدف… من ذلك العزم الذي لا يتزعزع للوصول إلى غاية النقاء وغاية الوضوح وغاية الاقتصاد ).

ويمكن هنا رصد الفرق بين الزهد الإسلامي في العمارة والزهد الذي دعا له بعض رواد عمارة القرن العشرين بأن الثاني جاء مقتصرا على الزخرفية في العمارة والدعوة إلى النزعة (الاختزالية)، دون المساس بالجانب الصرحي والمبالغات في الفضاءات والبذخ في مواد المواد والبهرج والإثارة في عناصرها، مما يجعل هذا الزهد ناقصا أو شكلا دون محتوى أو ظاهرا دون باطنا. وهو ما يخالف الزهد الإسلامي الذي دعا إلى (شمولية زاهدة)، في مجالات الحياة والعمارة التي كانت على العموم الصورة التي تعكس إيقاعها.

إن إدراك المفهومين ـ الاقتصاد والتبذير ـ المتناقضين يلتقيان في نقطة ذروة يتحقق عندها الكمال والتجاوب بين المكونات وعند هذه النقطة يجب أن تتوقف الإضافة إذ عندها تتحقق أسمى درجات الغنى والثراء علي صعيد الوظيفة أو الشكل. وهذا ما يتجلى في كثير من الأعمال العمرانية والمعمارية العربية. ولدينا في عمارة الصحراء الضاربة، ونموذجيتها في عمارة مدائن وادي (مزاب) في الصحراء الجزائرية، من جذورها القديمة، التي استطاعت أن تحافظ على بساطتها من التأثيرات الخارجية بسبب انعزالها والتي أحدثت اكبر الأثر في نفوس معماريي (البساطة) ومنهم ليكوربوزييه الذي نهل من عمارتها الشيء الكثير. وهذا للأسف لم يمس مشاعر معماريينا المحدثين الذين حاكوا الجانب الصرحي للعمارة متأثرين بعمارة الغرب ومنبهرين بها، وبالرغم من وجود بعض المدارس العالمية الداعية إلى عكس ذلك كما هو حاصل في فكر المعماريين الفنلنديين والمدرسة الاسكندينافية مثل (الفار آلتو)(8)

الذين رسموا خطهم البسيط المتواضع المتناغم مع الخطاب الأخلاقي العمومي والعقلية الشعبية دون الإفراط في العاطفة إليها، والتي مازالت رافضة لعمارة البذخ. وتوجه جل اهتمامهم لتطوير نوعية وكفاءة مواد البناء وتكنولوجيا البناء الذي يوفر السرعة والسهولة والاقتصاد في التنفيذ. وقد وجهت انتقادات شعبية حادة لمركز التجارة العالمي في مركز مدينة ستوكهولم عاصمة السويد وكان مما رددوه العامة في ذلك بأنها (هنا السويد وليس الخليج العربي!)… إنها لحقاً مفارقة تستأهل التوقف عندها والمعاينة، فيخال المرء فيها أن البساطة الواردة في جوهر الإسلام ومنهجه الأخلاقي وعمارته قد ظهرت هنا وليس من بؤرته المحمدية
في الجزيرة العربية.

نشرت في العدد 18


(1) سورة الفرقان، الآية: 25.
(2) د.عرفان سامي، نظرية الوظيفية في العمارة، القاهرة 1961م، ص64.
(3) د.عرفان سامي، نظرية الوظيفية في العمارة، القاهرة 1961م، ص11.
(4) Loos Adolf ، (1870م ـ1933م) معمار ومخطط مدن ومنظر نمساوي.
(5) ليكوربوزييه، معمار فرنسي من أصول سويسرية (1887م-1965م)، لديه كثير من النظريات الرائدة في عمارة القرن العشرين.
(6) رينر بانهام، عصر أساطين العمارة، ترجمة سعاد عبد علي مهدي، بغداد 1989م، ص58.
(7) ميس فان درروه (Mies Van Der Rohe)، معمار أمريكي ألماني الأصل (1886م-1969م) درس في الباوهاوس ثم كرس فكرها بعد هجرته إلى أمريكا قبيل الحرب الثانية، وأهم ما ميزه نزعته التبسيطية والزاهدة في العمارة.
(8) الفار آلتو (Aalto Alvar) (كورتان 1898م- هلسنكي 1976م)، معمار ومخطط مدن ومصمم فنلندي، ذا منحى وظيفي من النوع العضوي. أستطاع أن يؤثر في الفكر المعماري ، ولاسيما لدول الشمال الأسكندنافي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.