Take a fresh look at your lifestyle.

كتاب الجامعة أول مدون فـي الحديـث

0 4

الشيخ حسن كريـم الربيعي
الكلية الإسلامية الجامعة

                             يعد الحديث المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية الذي يرتبط بالقرآن الكرم ارتباطاً وثيقاً من جهة أن الحديث يفسر ويبين إجمال وعموم القرآن الكريم ولا غنى للفقيه المجتهد عنه ففيه الكثير من التفصيلات المهمة لأحكام الشريعة الواردة في القرآن الكريم بجهة الإجمال أو العموم أو الإطلاق وغالباً ما نجد التفصيل والتخصيص والتقييد في الحديث الشريف.

يكاد يطبق الجميع أن لا تحريف في القرآن الكريم بل هو قطعي الصدور بدون زيادة ولا نقيصة وإن وردت روايات عند المسلمين يظهر منها التحريف فيه ولكن لا اعتبار بها أبداً.

إن المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن وإن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) وقد صرح بذلك كثير من الأعلام:
1ـ رئيس المحدثين الصدوق محمد بن بابويه وقد عد القول بعدم التحريف من معتقدات الإمامية.
2ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في أول تفسيره التبيان.
3ـ الطبرسي في مقدمة تفسيره مجمع البيان.
4ـ الشيخ جعفر كاشف الغطاء في بحث القرآن من كتاب كشف الغطاء.
5ـ الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره آلاء الرحمن(1).
وغيرهم من أعلام الشيعة الإمامية.

وعموماً قد أجمع علماء الإسلام بأن هذا القرآن المتداول هو نفسه بدون زيادة ولا نقيصة.
أما الحديث فيبدو أن هناك إجماعاً على أنه قد حصل فيه تحريف وتدليس وكذب على صاحب الرسالة النبي(صلى الله عليه وآله) وكذلك على الأئمة من ولده(عليهم السلام)، وهذا واضح لمن تتبع الروايات ورأى فيها الكثير مما يخالف حتى القرآن الكريم، فقد لعبت السياسة دوراً كبيراً في اختراع الأحاديث الكاذبة للتقرب للسلطان أو الانتصار لمذهب أو غيرها من النوازع الاجتماعية أو حتى التجارية.

تدوين الحديث
يظهر للباحث في علوم الحديث اتجاهان في التدوين:
الاتجاه الأول:
القائل بضرورة تدوين السنة الشريفة وقد تزعمت هذا الاتجاه المدرسة الإمامية والأدلة على هذا الاتجاه كثيرة بل متواترة(2).
الاتجاه الثاني:
القائل بضرورة منع تدوين السنة الشريفة والنهي عن كتابتها، ووردت روايات تؤيد هذا الاتجاه في كتب الحديث، وفعلاً منع التدوين إلى عهد عمر بن عبد العزيز (99ـ101هـ) الذي أمر بتدوينها بعد مرور قرن من الزمان(3).

وبهذا يكون الاتجاه الأول قد تحمل حفظ السنة الشريفة ونشرها وتدوينها وقد لاقى على أثر ذلك معارضة شديدة من القوى الحاكمة آنذاك وبالذات من قبل الدولة الأموية والعباسية، ولما كتبت السنة كانت تعرض على الرقابة بل أن السيرة النبوية كانت هي الأخرى تعرض على السلطة كما اعترض على أبان بن عثمان عند كتابته للسيرة وأحرق عروة بن الزبير كتب فقه له عندما شعر بخطورة السطوة الأموية على كل من يخالف نهج الدولة.

إن مدرسة الإمامة ترى أن الإمام هو الحافظ للشريعة والحفظ من صلب وظيفة الإمامة كما نرى ونحن نتصفح التاريخ أن الإمام الحسين(عليه السلام) نهض بثورته المباركة لعلمه أن الجاهلية في تزايد كبير قد يصل إلى محو الإسلام وقرآنه، فجاهد بكل ما أوتي من قوة فذهب شهيداً أعجز غيره في البذل والتضحية، وسلك الأئمة(عليهم السلام) المسلك الآخر لحفظ الشريعة وهو الاهتمام بالجانب العلمي مع الحفاظ على الثورة الحسينية المباركة، وبفضل هذين المسلكين للثورة الجهادي والعلمي الأصيل ظل مشعل الإسلام الخالد وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إن الشريعة الإسلامية تعتمد على الأحاديث الصحيحة في بناء أحكامها المختلفة، ورأت المدرسة الإمامية أن الأحاديث يجب أن تؤخذ أولاً من أهل العصمة والإمامة ومن صدق بهم وكان ثقة عدلاً لا يكذب في الحديث.

هنالك عدة شروط لمعرفة صحة الأحاديث، تناولها علم دراية الحديث، ولعلم الحديث اتجاهات متعددة فتارة يدرس السند برجاله ويسمى علم الرجال وتارة يدرس المتن لمعرفة ألفاظه وما يختص بها فيسمى فقه الحديث وتارة أخرى السند والمتن بمجموعه فيسمى علم دراية الحديث وله عدة أقسام وأحكام(4).

كتاب الجامعة
جاءت الروايات المتواترة أن أمير المؤمنين(عليه السلام) قد كتب الجامعة وهو إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخطه(عليه السلام)(5).

يذكر الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ أن أمير المؤمنين(عليه السلام) قد كتب الجامع (كتاب علي أو صحيفة علي)، وكان الأئمة(عليهم السلام) يفتحونه وينظرون فيه ويسمونه الجامعة.

والجامعة هي: صحيفة فيها الحلال والحرام والفرائض وفيها كل شيء وفيها كل ما يحتاج الناس إليه وليس قضية إلا وهي فيها حتى ارش الخدش والظفر والجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة.

ثم يذكر الأستاذ أن طول هذا الكتاب سبعون ذراعاً مطوياً مثل فخذ الرجل وهو ما يقارب (32،55) اثنين وثلاثين متراً وخمسة وخمسين سنتمتراً(6).

ويبدو أن أمير المؤمنين(عليه السلام) قد كتب عدة كتب في علوم مختلفة من فم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ظلت هذه الكتب عند الأئمة(عليهم السلام) وهو مصداق قولهم(عليهم السلام) إن أحاديثنا تنتهي إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)
عن الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله).

ويبدو من الروايات بعض كتبه(عليه السلام) ومنها:
1ـ صحيفة الفرائض (صحيفة كتاب الفرائض ـ فرائض علي وقضاياه) وهي إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخط الإمام علي(عليه السلام).
2ـ كتاب الجفر.
4ـ مصحف فاطمة(عليها السلام) إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخط الإمام(عليه السلام) فيه أشياء كثيرة من العلم وفيه وصيتها(7).

ويظهر أن الجامعة تحتوي على أغلب هذه الكتب، فقد كتب الشيخ الكليني (ت 329هـ) في كتابه إن الجامعة فيها علم الحلال والحرام: (فعن أبي شيبة، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: ضل علم ابن شبرمة عند الجامعة إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخط علي(عليه السلام) بيده، إن الجامعة لم تدع لأحد كلاماً، فيها علم الحلال والحرام إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق إلا بعداً. إن دين الله لا يصاب بالعقول)(8).

إن كتاب أمير المؤمنين(عليه السلام) ذكرته مصادر المسلمين على أنه كان صغيراً في ذؤابة سيفه قد أملاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيه أشياء عن الميراث(9).

توارث الأئمة(عليهم السلام) هذا الكتاب بعد أمير المؤمنين(عليه السلام) وتذكر الروايات أن الإمام الباقر(عليه السلام) قد أخرجه لأصحابه، فقد جاء في نص الرواية: (فأخرج [الإمام الباقر(عليه السلام)] كتاباً مدروجاً عظيماً ففتحه وجعل ينظر فيه)(10).

ومن هذا يتضح أن رواياتهم مسندة إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) عن طريق كتاب الجامعة المتوارث عندهم(عليهم السلام)
فدعوى القطع والارسال في أحاديثهم لا دليل عليها، ومما يثبت أن الأئمة لم يأخذوا عن غير هذا الطريق وذلك لعدم وجود أساتذة وشيوخ لهم، فلا يدرس الباحث شيوخ وأساتذة للأئمة(عليهم السلام) فهم يحدثون عن آبائهم إلى أن ينتهي السيند إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) مروراً بأمير المؤمنين(عليه السلام)

الكاتب لهذه الصحيفة أو الكتاب الموصوف بأنه فيه الحلال والحرام حتى أرش الخدش وغيرها من الصفات، ويمكن القول أن هذا الكتاب يحتوي علم الرسول(صلى الله عليه وآله) وما تحتاجه الأمة من بعده.

(ففي حديث أم سلمة أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) دعا بأديم [أي جلد] وعلي بن أبي طالب عنده فلم يزل رسول الله(صلى الله عليه وآله) يملي وعلي يكتب حتى ملأ بطن الأديم وظهره وأكارعه [بعض أطرافه]، وأن الرسول(صلى الله عليه وآله) علّم علياً وأسر إليه وحدثه بألف حديث لكل حديث ألف باب)(11).

ومن السيرة التاريخية للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) والأئمة يتضح أن منهجهم منهج الرسول ورسالته الإسلامية بالتمام والكمال فقد أودعهم العلم كله، لقد نشر أمير المؤمنين(عليه السلام) هذه العلوم الكثيرة عن طريق تدوين الجامعة وما تحتويه من علوم مأخوذة مباشرة من فم الرسول(صلى الله عليه وآله)، فقال: (سلوني قل أن تفقدوني… والذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها)(12).

فالجامعة: هي التي احتوت علوم النبي(صلى الله عليه وآله) وما تحتاجه الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة، والجامعة هي التي رآها الحكم بن عيينة عند الإمام الباقر(عليه السلام) لما اختلفا في شيء(13).

وفي الروايات نجد أن الجامعة فيها كل شيء يحتاج إليه الناس، وهذا يعني أن أول مدون للسنة النبوية الشريفة هو أمير المؤمنين(عليه السلام) وقد دونها كاملاً(14).

وفي رواية معتبرة يرويها الكليني (ت329هـ) في كتابه جاء فيها:
(وقد كنت أدخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة… فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله(صلى الله عليه وآله) أكثر ذلك في بيتي… فما نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها…)(15).

والحديث طويل فيه دلالات على التكامل للدين الإسلامي بمصدريه قد حفظ عند أمير المؤمنين(عليه السلام) بدلالة هذه الرواية.
ذكر الشيخ الفضلي في كتابه تاريخ التشريع الإسلامي أن كتاب علي(عليه السلام) هو غير كتاب الجامعة أو الصحيفة(16) ولكن يبدو أنهما واحد بدليل أن الجامعة كما وردت فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس.

والجامعة هي أول كتاب جمع فيه العلم على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)(17)، ثم ذكر الشيخ الفضلي بعد أن شرح كتاب علي(عليه السلام) بشكل منفرد وقال إن الجامعة هي المعبر عنها في جملة من الأخبار بكتاب علي(عليه السلام) وفيه دلالة على أن الجامعة هي أول مدون حديثي يجمع مختلف العلوم وتسمى بعدة أسماء، والحق أن أمير المؤمنين(عليه السلام) قد كتب عدة كتب في ظل خلافته ومنها كتابه إلى محمد بن أبي بكر يعلمه مسائل عديدة، ولكن مصدر كثير من كتب الأئمة وأحكام الشريعة هي الجامعة:

وممن رأى الجامعة عند الإمامالباقر(عليه السلام):
1ـ سويد بن أيوب.
2ـ أبو بصير وقد رآها أيضاً عند الإمام الصادق(عليه السلام).
3ـ غدافر الصيرفي والحكم بن عيينة أو عتيبة في بعض الكتب(18).
ونقل عن الجامعة غير واحد من علماء الجمهور:
1ـ ابن سعد في آخر كتابه الجامع.
2ـ البخاري ذكرها في ثمانية مواضع من الصحيح ورواها بثمان طرق.
3ـ كتب الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب كتابه (صحيفة علي بن أبي طالب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): دراسة توثيقية فقهية)(19).

وفي الختام أتمنى من الله عز وجل التوفيق لجمع روايات كتاب الجامعة عند كل فرق المسلمين وبيان دور كتاب الجامعة في حفظ المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي وهي السنة النبوية الشريفة فقد حفظها أمير
المؤمنين(عليه السلام) ودأب أئمة الهدى(عليهم السلام)

في المحافظة عليها ونشرها بين تلامذتهم فكانوا يحدثون عنها وربما يخرجوها لجلسائهم أثناء المناظرات العلمية فما روي عنها لا يحتاج إلى سند ومن شاهدها ونقل منها فصحيح عنه ما ورد بغض النظر عن زمن من عاصر تدوينها من الصحابة والتابعين إن طال أو ابتعد، لذلك فإن الأئمة(عليهم السلام)

وإن لم يشاهدوا النبي(صلى الله عليه وآله) يقولون قال النبي(صلى الله عليه وآله) فإن ذلك يدل على أنهم يتحدثون عن كتاب الجامعة هذا الذي هو بخط أمير المؤمنين(عليه السلام)
وإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلا حاجة إذن إلى سند متصل بالنبي(صلى الله عليه وآله).
ومن مطاوي بحثنا اتضحت أهمية كتاب الجامعة عند المسلمين كإرث مكتوب في حفظ السنة النبوية وما يهم المسلمين قاطبة وفيها أيضاً دلالة انحصار العلم بالشريعة وما يحتاجه الناس
بالإمام(عليه السلام).
لذلك من الجدير ذكره أن يتولى الباحثون دراسة الجامعة بصورة أكثر تفصيلاً من هذا البحث المتواضع.

نشرت في العدد 17


(1) الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، (الكويت: لجنة التأليف في دار التوحيد، 1979م)، ص218.
(2) الجواهري، حسن، بحوث في الفقه المعاصر، ط1، (بيروت: دار الذخائر، بلا)، ج1 ص14.
(3) المصدر نفسه، ج1 ص14.
(4) للمزيد: ينظر الخلاصة في علم الدراية، لحسن كريم الربيعي.
(5) الصدر، حسن، الشيعة وفنون الإسلام، (بيروت: دار المعرفة، بلا)، ص29.
(6) محفوظ، حسين علي، جوانب منسية في دراسة السنة النبوية، (بغداد: مطبعة الشموع، 1426هـ)، ص19.
(7) المصدر نفسه، ص20.
(8) الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب، الكافي، (طهران، دار الكتب الإسلامية، 1388هـ)، ج1 ص57، عبد الصمد، حسين العاملي، وصول الأخيار إلى أصول الأخبار، تحقيق: عبد اللطيف الكوة كمري، (قم: الخيام، بلا)، ص184.
(9) الجواهري، بحوث، ج1 ص24.
(10) المصدر نفسه، ج1 ص20.
(11) محفوظ، جوانب، ص20.
(12) الثقفي، إبراهيم بن محمد، الغارات، (دمشق: دار الكتاب الإسلامي، 1410هـ)، ص6.
(13) الصدر، الشيعة، ص29.
(14) الفضلي، عبد الهادي، تاريخ التشريع الإسلامي، (إيران: سرور، 1424هـ)، ص29.
(15) الكافي، ج1 ص64.
(16) الفضلي، تاريخ، ص30.
(17) المصدر نفسه، ص34.
(18) المصدر نفسه، ص35.
(19) المصدر نفسه، ص34.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.