Take a fresh look at your lifestyle.

الزهد والإسراف في البنيان

0 4

د. علي ثويني
معمار وباحث/ مملكة السويد

                  ثمة تأيض وتمثيل ومشيمية بين المنتج الإبداعي الإنساني والفكر المحرك له سواء ديني أم فلسفي، فما تصنعه اليدان مصدره وعي وقناعات ونوازع ذهنية، يكمن وراءها هواجس وبواطن نفس بشرية لا يعلم كنهها إلا بارئها، ويحاول العلم الحديث سبر أغوارها، ولا يستكثرها علينا المتعصبون للحداثة ،

حينما يعلمون أن (جاك دريدا) (اليهودي الفرنسي ـ الجزائري)،الذي أنتج الفكر التفكيكي الحداثي، قد أصطحب المعماريين إلى مشروع متنزه لافاييت في باريس ليملي عليهم نظريته، وليجسدوها سطوحاً وفضاءات وجماليات معمارية، وليؤكد مشيمية الفلسفة والمنتج الإبداعي في كل زمان ومكان.

الممارسة الأخلاقية هاجس اجتماعي ـ ديني، وإحدى سمات تلك الممارسة هو (الزهد)، من ضمن منظومة الأخلاقيات التي (تممها) الدين الحنيف. والزهد يعني التواضع والوسطية والابتعاد عن الغلو والإسراف كمنهج أخلاقي إسلامي. وبقي هذا المبدأ صنواً للمنهج القويم للإيمان ووجد تباعاً (مثل حال كل التوجهات الفكرية) صداه في العمران والعمارة.

والزهد (Ascetisme) في اللغة يعني (الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمة عنه) كما ذكر ذلك ابن رجب(1)، أو يرد ضد الرغبة وليس عدمها بإطلاق، ومنه قولهم زهيد للقليل دون المعدوم… ويقال (خذ زهد ما يكفيك أي قدر ما يكفيك) وبذلك فالزهد هو القليل، ورجل زهيد الأكل قليله(2). وورد المعنى في الذكر الحكيم (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ)(3).

وورد في الحديث النبوي الشريف بما يحدد تلك الصفة والمفهوم: (الزهاد في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذ أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك) وقال الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) أيضا: (أزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)(4).
وقد رسم الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)

خطاباً أخلاقياً زاهداً من خلال حالتين: (الاعتدال في العيش دون الحرمان من الطيبات وهذه لعامة الناس، واختيار الفقر والحرمان للأئمة)(5). أو قوله بما ورد في (مرآة الزمان) لسبط ابن الجوزي: (على أئمة الحق أن يتأسسوا بأضعف رعيتهم حالاً في الأكل واللباس ولا يتميزوا عنهم بشيء)(6).

والزهد لدى الإمام أبى الحسن يهدف إلى إقامة مجتمع المتقين المثالي، وحدد تلك الفلسفة في خطابه إلى محمد بن أبي بكر والي مصر: (أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباح لهم الله الدنيا ما كفاهم به وأغناهم… سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غداً جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة، فإلى هذا يا عباد الله ليشتق من كان له عقل، ويعمل له بتقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)(7).

ويذكر في أخبار الفتح الأولى إلى فارس، وفي رواية يصف الطبري فيها ورود سفير من العرب اسمه ربعي بن عامر على رستم الذي استلم دفة الأمور بعد موت الملك يزدجرد، ويروي عن ربعي هذا أنه قال: (يا أهل فارس، إنكم عظمتم الطعام واللباس والشراب وإنا صغرناهن).

ووردت الدعوة للزهد في الشعر العباسي عندما تصاعد الغلو في البذخ والإسراف من قبل السلاطين، وظهور الحركة الصوفية في البصرة الأموية ثم توسع منحى الزهد في بغداد العباسية:
إذا أردت شريف النــاس كلـهم
فأنظر إلى ملك في زي مسكين
ذاك الذي حسنت في النـاس رأفته
وذاك يصـــلح للدنيـا وللديـن
ووردت أقوال وآراء في الزهد لدى العلماء في التراث الإسلامي كما قال الفضيل بن عياض الفقيه المغربي (الزهد هو الرضا عن الله)(8).

وقال أيضاً: جعل الله الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا، جعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد. وقال سفيان الثوري (161هـ/777م) (الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء). ومن بواكير الفكر الصوفي في الإسلام نذكر ما قاله الحسن البصري (ت 110هـ/728م): (الزاهد الذي إذا رأى أحدً قال: هو أفضل مني)(9).

وجاء في الأخبار أن سأل رجل الإمام الصادق(عليه السلام): على أي شيء بنيت عملك؟ قال: (على أربعة أشياء: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فوثقت به، وعلمت أن علي أموراً لا يقوم بأدائها غيري فاشتغلت بها، وعلمت أن الموت يأخذني بغتة فاستعددت له، وعلمت أن الله مطلع علي فاستحييت منه).

وسئل الجنيد البغدادي عن الزهد فقال: خلو اليد من الملك، والقلب من التتبع. وقال الصوفي بشر الحافي: الزهد ملك لا يسكن إلا في قلب خال، وقال الصوفي البغدادي السري: مارست كل شيء من أمر الزهد، فنلت منه ما أريد إلا الزهد في الناس، فإني لم أبلغه ولم أطقه. قال يحيى بن معاذ: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عمل بلا علاقة، وقول بلا طمع، وعز بلا رياسة.

ومن مرادفات الزهد التقشف وهو أكثر من الزهد في مرتبة اللارغبة. ويرد كذلك مفهوما (الحرص) أو (الاقتصاد) اللذان يعنيان الوسطية في الصرف والتصرف. ويذكر ابن خلدون في تاريخه رسالة طاهر بن الحسين إلى ولده عبد الله حين ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما، حيث يذكر: (وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء أبين نفعاً ولا أجمع فضلاً منه، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى السعادة، وقوام الدين والسنة الهادية بالاقتصاد، وكذا في دنياك كلها)(10).

وعكس الزهد يرد الإسراف أو التبذير ترد كثير من التفاسير في اللغة والفقه الإسلامي ومنها يقول الجرجاني بان الإسراف: (هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس)، وفي موضع آخر يقول الإسراف هو: (صرف الشيء زائداً على ما ينبغي، وبخلافه التبذير، لأنه صرف الشيء فيما لا ينبغي). وعرف التبذير ابن العربي قائلا: (أنه تجاوز الحد المباح إلى المحظور)، وقال عن التبذير: (هو منعه من حقه ووضعه في غير حقه، بمعنى الإسراف)(11).

وللنصوص الداعية للزهد تفسير فلسفي تنعكس من شعور المؤمن بالهوة السحيقة بين سمو الآخرة وحقارة الحياة الدنيا كما أسلفنا في رسالة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام). ويمكن أن يكون هذا سبباً كافياً لأن تعلن جل الأديان كفاحها ضد الجميل لحدسها بأن ذلك الجميل يقيد الناس بالدنيا ويطمعهم بمتعتها الموجودة في الملبس والمأكل والأهم في العمارة التي هي خير محل لتفريغ حالة العافية التي تكتنف الإنسان وبذلك جاء الدين والفن الديني والعمارة الدينية موجباً على الناس خشية الخالق الضابط لتلك الجدلية.

وبالرغم من ذلك فأن الديانات تعلن عداءها ضمناً للجميل لكنها لم تعلن عداءها (للسامي) الذي يعاضد الممارسة الأخلاقية في العقائد لما لها من تداخل مع الغيبيات التي تثنينا عن الإتيان بالقبائح. وكان من وراء عدم القطيعة مع (السامي) من تأثير عاطفي على الناس، حينما يترك لديهم دهشة، ويوقظ فيهم الحماس من خلال الهيبة التي يفرضها على المتلقي فيشعر بعدم قدرته على المقارنة مع الظواهر الأخرى.

ينطبق هذا الأمر على جل الأديان ويستثنى منها الإسلام الذي يؤمن بالجمال الموضوعي كما ورد في الحديث (الله جميل ويحب الجمال)(12).

لقد وردت ممارسات هذا المذهب الصوفي في الأديان البوذية والمسيحية والمانوية قبل ورودها في الإسلام، ومن الجدير ذكره أن اليهودية بنيت على مبادئ تجارية غير داعية للزهد أساساً، واعتباره باباً للإيمان الصحيح، وسمة مشتركة لجمهور المؤمنين، كمطلب لبناء الحياة الروحية المثلى. وقد وصل البعض من النصارى إلى قناعات في ممارسة الرهبنة والتبتل والإعراض عن ملذات الدنيا في المأكل والملبس والفرج. ولكن الإسلام لم يقر ذلك المبدأ، للمصطفى العربي(صلى الله عليه وآله) حديث يستهجن فيه تلك الممارسة. بالرغم من المنطلقات الصريحة في التسامح مع متطلبات النفس بالتلذذ المقنن، فقد شذ عن ذلك وبالغ كثير وتمادى رهط كبير من طبقة رجال الدين، جل الملوك وبطاناتهم الذين وجدوا لهم في التمتع بملذات الدنيا، مخرجاً فقهياً تفسيرياً من ضمن النصوص المتسامحة.

الزهد و العمارة
وردتنا أخبار العمائر الإسلامية الزاهدة الأولى، التي أقامها المسلمون في صدر الإسلام ابتداء من مسجد المدينة، على حجراته الجانبية الذي شاده الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) بيده من مادة الطين وسقفه بجذوع النخيل وسعفه مثل أي دار للعامة. قد مكث فيه حتى توفاه الله فدفن في إحدى حجراته.


جاءت الأخبار في حديث ابن السائب عن الإمام الحسن(عليه السلام) قال: (كنت أدخل بيوت أزواج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدي).

ويعزي البعض أن هذا الزهد المعماري متأت من بيئة الصحراء الفقيرة التي ورد الإسلام من ثناياها، أو ربما عقلية أهلها القنوعين المؤثرين البساطة والدعة وشظف العيش. ولكن فاتهم في ذلك التعليمة الواردة في المنظومة الأخلاقية للإسلام والتي وردت في الذكر الحكيم (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)(13) وذلك النعت ترك أثره في بواطن العقلية الإسلامية، وكانت للقدوة الحسنة أثرها في ذلك.

وجاء في ذكر الزهاد من الصحابة ممن أثبتوا بسيرهم سمو العقيدة المسيرة لسجاياهم، ومنهم سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري الذي نقل عن أخباره بأن زوجته لم تجد ما تكفنه به بعد وفاته، وهو صاحب الرسول الكريم.

ومن الجدير ملاحظته في أيامنا أن الإسلام أتى بحلول اقتصادية ذات روح إنسانية تحكمها الشريعة وضوابط العقيدة، وكرس الإسلام التكافل الاجتماعي والروح التعاونية بين عناصره، وحدد أولويات وآليات منهجية لذلك. ولم يلغ الإسلام الطبقات الاجتماعية، على عكس ما يذهب إليه البعض اليوم، وأعتبر أن وجود الفوارق في الرزق بين البشر من حكم الله في خلقه، الهدف منه تكريس روح الطموح وحافز السعي نحو تحسين المستوى المعاشي للبشر. وورد في الذكر الحكيم (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون)َ(14).

ولكن لم يصاحب إقرار الإسلام بالطبقات الاجتماعية، وبالتفاوت الطبقي، أي إقرار بالممارسة الشاذة عن الزهد والتعقل في الإسراف، والتواضع ويشمل ذلك حتى أصحاب الأموال الذي رفض لهم ممارسة كنزها. وقد ورد في الذكر الحكيم نقد لاذع لمن يسلك منهم ذلك المنهج اللاأخلاقي في الممارسة المعمارية: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)(15).

ويمكن اعتبار الغناء المادي بالمفهوم الإسلامي امتحاناً أخلاقياً للإيمان، أكثر من كونه مدعاة للتفاخر والخيلاء الذي هو إحدى صفات أهل البادية، والذي نجد له ممارسة حتى في أيامنا هذه. ويرد في قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)(16).

وإذ نلاحظ بما يخص الممارسة المعمارية في المجتمعات الإسلامية بأن هيئة البيوت، فضاءاتها وملكاتها المساحية والتقنية، لا تحمل تلك الفوارق الطبقية الشاسعة، مثلما هو عليه في المجتمعات والثقافات الأخرى. ويكمن كبير الفرق في الجانب التزويقي والجمالي، والتجهيزي للبيوت.

ويمكن اعتبار ابن قتيبة من أوائل من دعا إلى (النورم) في العمارة، حيث وصف الدار بالقميص، فحيث يخاط القميص حسب مقاس صاحبه، كذلك يبنى البيت حسب مقياس ساكنه، وبهذا يُعَدُّ ابن قتيبة أول من تحدث عن المقياس الإنساني (Scale Human) في العمارة الإسلامية، وهو منحى للزهد في جوهره، تواجد بقوة في حداثة عمارة القرن العشرين.

ولم يعمر ذلك المنحى الزاهد طويلاً، فبعيد عصر الخلافة الأول حيث نقل بعدها بنو أمية عاصمة الدولة إلى دمشق ثم أثروا حياة الترف وتأثروا بطابع الحياة البيزنطية المتماشية مع هذا المنحى ثم اتخذوا مما يناسبهم من العمارة السورية ـ البيزنطية منهجا للخيلاء وممارسة ملذات العيش. ويقال عن (الوليد بن عبد الملك) الأموي أنه أنفق جباية الضرائب على الأراضي الشامية لمدة سبع سنوات لبناء المسجد الكبير في دمشق. وبذلك انحرفوا بالسير الزاهد المرسوم من قبل السلف.

وعلى عكس تلك النزعة فقد ورد في ممارسة الزهد من أخبار الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز أنه أستكثر البذخ الذي أشيد به مسجد دمشق الجامع، حيث نقل عن صفوان بن صالح قال (سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق، فقال رأيت أموالاً أنفقت في غير حقها، فأنا مستدرك ما استدركت منها، فأرده إلى بيت المال: أعمد إلى ذلك الفسيفساء والرخام، فأقلعه وأطينه، وأنزع تلك السلاسل وأجعل مكانها حبالاً، وأنزع تلك البطائن. وأبيع جميع ذلك).

وخلف العباسيون الأمويين، وساروا على نفس النهج وزادوا فيه حينما تأثروا بالحياة الساسانية والعمارة الصرحية العراقية،كما هي صريحة في عمائر سامراء الباقية. وبذلك غيروا في جوهر الحياة الإسلامية ونقلوها إلى روح جديدة من البذخ والأبهة والخيلاء، غير المشابهة لما كان سائداً خلال سنين الإسلام الأولى، ولاسيما فيما يتعلق بمتاع الدنيا من الملبس والمأكل وأنعكس صريحاً خلال العمارة والفنون.

الزهد والتصوف
ثمة تداخل بين الزهد والتصوف حيث اقترن أحدهما بالآخر، ولو أن حركتي (الزهاد والصوفية) ظهرتا مترادفتين، لكن الأولى اضمحلت واختفت ومكثت الثانية حتى اليوم.

لقد تداعى شيوع البهرج ولذة العيش والترف المبالغ إلى ردة فعل سلبية في نفوس بعض المؤمنين، آثر البعض على أثرها الانقطاع بعيداً عن مجرى هذا السيل الجارف، بما يشبه الاعتزال والوحدة، أو الانقطاع عن الدنيا والإعراض عن ملذاتها. وقد لقى الأمر صداه في بعض نفوس الذين شكلوا الرعيل الأول لحركة التصوف في الإسلام.

ثم اتخذت هذه الحركة منهجاً ومنحى فكرياً تطبيقياً أصولياً بحتاً، باحثين عن جذور النقاء الروحي. وهي نزعة لها جذور في الثابت الثقافي المحلي للبيئة العراقية نجد تلميحات صريحة لها في نصوص ملحمة كلكامش السومرية. وقد اعتبر المتصوفة الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) أول من مارس الصوفية واعتبر لجوؤه لغار حراء تجسيداً لحالة الانقطاع التي يسعون لممارستها وتبريرها. وهكذا أمست سيرته الشريفة والممارسات الزاهدة في العمارة التي طبقها في مسجده، منهاجاً أخلاقياً لمبانيهم.

وجذوة النفس نحو النقاء والبساطة ودحض البهرج الدنيوي ومؤآثرة التقوى والتقشف والزهد والإعراض عن الثروة والجاه في الفكر الصوفي، هي حالة تجسد الرغبة في إيجاد الصلة بين الخالق والمخلوق والانطلاق الروحي إلى الأعلى. ولهذه الفلسفة جذور فكرية سابقة للفكر الإسلامي تأثر بها من قبيل العرفانية (الغنوصية) البابلية(17)، والنصرانية والمانوية(18) ثم التأثيرات الهندية والبوذية وربما الثيوصوفية اليونانية. لقد وردت في البوذية وبنفس الصيغة، حتى أن الشخص المنتسب إلى جماعتها نعتت باسم (بونز Bonz) التي تعني (الفقير) بالعربية أو (الدرويش) بالتركية، أو كما في المسيحية بصيغة الرهبان والنساك والمتقشفين المنقطعين عن الدنيا.

وتكرست تلك النزعة الى الزهد والتواضع في بناءات الديار ولاسيما (الزوايا) التي هي دور متعددة الوظائف جمعت بين العبادة والإقامة والإنتاج والمرابطة، واستعملت كذلك كمحطات لتوقف القوافل العابرة (خانات أو قوافل). وهنا نرصد قرب الحلول المعمارية للدير المسيحي (المانستير) مع (الزوايا) الصوفية. وكان يؤمها الشيوخ (المرابطون) ومريدوهم (الطلبة) ولاسيما في الجبال والصحارى والثغور وتخومها. ونجد خير الأمثلة موجودة في الصحراء الكبرى في المغرب الإسلامي. ونجد صوراً لها في الجزائر من خلال لوحات الانطباعي الفرنسي (ن . ديني)(19).

واحتفظت الصوفية بتسمية المرابطة وليس صفتها، ونظام دار الصوفية الذي أمسى زاوية في المغرب وخانقاه أو التكية في المشرق العثماني، مأخوذ أصلاً من الربط حيث كان يؤهل فيها المرابط دينياً وروحياً بجانب التدريب العسكري تماشياً مع قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(20) وظهر الرباط قبل الزاوية و مسقطها المعماري لا يختلف عن مسقط المدرسة إلا انه في بعض الأحيان تعمل فيه الخلوات على حدة لغرض الانقطاع، والتعبد في جناح منفصل وذلك إذا اجتمعت المدرسة والخانقاه في مجمع واحد.

والخانقاه كلمة فارسية مركبة (خا- نكاه) ومعناها (دار التعبد). وقد أقيمت أول خانقاه في الإسلام عام ( 405 هـ/1010م) إلا انه قبل ذلك بكثير أقام زيد بن صبرة في البصرة في عهد الخليفة عثمان بن عفان أول مسكن لإقامة بعض المسلمين بغرض التفرغ للعبادة. ولا يعرف الشكل الأول لهذه المباني التي انتشرت بعد ذلك عبر العالم الإسلامي. وفي النصف الأول للقرن الخامس الهجري ـ الحادي عشر الميلادي، ألحْق المدفن ببناء الخانقاه، وانشأ السلاجقة مجموعة من الخوانق في الموصل ومدن سوريا. وقد أدى ارتباط التصوف مع المذهب الشافعي ثم بالمذهب الحنفي الى الانتشار السريع خارج إيران التي وجد التشيع فيها مكاناً راسخاً، ولم تعد مرتبطة بالتشيع بعدها، وأصبحت مثل التشيع محل هجوم الفكر السلفي، وانتشرت في الجناح الغربي للعالم الإسلامي (ذي الغالبية المالكية) أكثر من مشرقه، ومازالت الطرق الشاذلية والعيساوية والقادرية منتشرة هناك.

لقد اتخذت العمارة الصوفية ولاسيما في خانقاوات المولوية التابعة لطريقة المولى جلال الدين الرومي(21) في قونية في آسيا الصغرى، الطرازين التركيين السلجوقي ثم العثماني. وبعد المولوية انتشرت الطرق البكداشية(22) والدمرداشية(23) التي اتسع نطاقها في آسيا الوسطي إلى البلقان، وامتدت حتى وصلت السودان ومصر. وتلك المباني تأثرت بطرز العمارة التركية التي جاءت بالبناء الصرحي والمغالاة في الزخرف والألوان والتغطية بالقاشاني والقباب الباسقة المخروطية، وبذلك تقّربت إلى عمارة السلاطين وبذخها، ولاسيما بعد أن اتخذت الطريقة البكداشية منهجا للجيش الانكشاري الساند لعرش السلطان العثماني وغزواته.
أما من الناحية المنهجية فقد انحرفت الصوفية عن المبدأ الذي وجدت بسببه واتخذت منحى جديداً مرتبطاً بالمعجزات والكرامات وخوارق الأمور والتي وجدت هواها لدى نفوس العامة الباحثة عن ملموس الظواهر الإيمانية.

وأقيمت هكذا القبور الصرحية للأولياء، وأمها العامة للتبرك بها، أو تيمناً بحمايتها لهم ولمدنهم وحقولهم وبذلك أخذت عمارة الصوفية تتجه نحو العناية بالقبور وعمارتها. ويجدر ذكر حقيقة أن انتشار الطرقية وفكر التصوف (الجديد) قد تزامن بشكل عجيب مع بواكير حقبة التخلف في كل مناحي الحياة الإسلامية منذ القرن العاشر الهجري ـ السادس عشر الميلادي. ولم تعد الصوفية اليوم دعوة للزهد في الدنيا والانقطاع عن ملذاتها وتكرس حالة من القطيعة مع بهرجها ولاسيما في العمارة، بقدر ما أمست حالة روحانية وطقوس مجردة وتجمعات فرقية،
تمارس العبادات على طريقتها
التتمة في العدد القادم.

نشرت في العدد 17


(1) ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص210.
(2) بطرس البستاني، قطر المحيط.
(3) سورة يوسف، الآية: 20.
(4) رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد.
(5) سبط بن الجوزي، مرآة الزمان، مخطوطة مليت، اسطنبول (المجلد الرابع رقم 1521).
(6) تاريخ الطبري، المجلد3، ص276.
(7) عن نهج البلاغة، للشريف الرضي، مجلة الفيصل، ص56، العدد 3130 سبتمبر 2002م.
(8) العقد الفريد، ابن عبد ربه، ج2 ص120.
(9) ابن قتيبة، عيون الأخبار.
(10) مقدمة إبن خلدون، ص304.
(11) أبن رجب، جامع العلوم والحكم ص211.
(12) حديث نبوي شريف رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد.
(13) سورة الإسراء، الآية: 27 .
(14) سورة الزخرف، الآية: 32.
(15) سورة الزخرف، الآية: 33 ـ35.
(16) سورة الملك، الآية: 2.
(17) تسمى كذلك الأفلاطونية الجديدة، وشرع بصياغتها آخر ملوك بابل (نبونيد) بعد سقوطها 539 ق.م، حينما أعتكف في واحة تيماء في الجزيرة العربية، وبثها أتباعه في الشام والعراق وآسيا، والإسكندرية وشمال أفريقيا.
(18) المانوية دعوة دينية ظهرت جاء بها ماني المولود في بابل عام 215م، والمصلوب عام 276م من قبل بهرام أبن هرمز ملك الفرس، وهي خليط من عدة فلسفات وعقائد، كرست الزهد والتقشف في العيش. وقد بقيت حتى نسخها الإسلام.
(19) الرسام الانطباعي الفرنسي نور الدين ديني الذي أشهر إسلامه وعاش ممنونا في أواصر حميمة مع إتباع إحدى الطرق الصوفية (المرابطين) في قرية (بو سعادة ) الواقعة على تخوم الصحراء في الجزائر الوسطى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
(20) سورة آل عمران، الآية: 200 .
(21) جلال الدين الرومي، ويطلق عليه مريدوه (مولانا). هو شاعر وفيلسوف ومن ثم صوفي كبير فارسي ولد في مدين بلخ في خراسان عام 1207م ومات في قونية في تركيا عام 1273م واستحدث في طريقته طقس الرقص والدوران بالتنورة والقلنسوة الحمراء، التي يمارسها مريدوه في تركيا ومصر والبلقان واسيا الوسطى.
(22) الطريقة البكتاشية أسسها الحاج بكتاش ولي (1209م-1271م) في إنطاكية في آسيا الصغرى. وتجد لها اليوم المريدين في الآسيتين الصغرى والوسطى أكثر مما في البلاد العربية مثل مصر وسوريا. وفي مصر بثها الشخصية التركية الأسطورية (قايغوسز) الذي أبدلوا اسمه المصريون باسم سيدي عبد الله المغاوري.
(23) هي إحدى فروع الطريقة الخلواتية، أسسها محمد دمرداش المحمودي، عام 1522م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.