Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة في تراث .. مصطفى جواد

0 174

              كان لقاء الدكتور مصطفى جواد حلمًا يراودنا قبل انتظامنا في الدراسة الجامعية. كانت أخباره وأحاديثه الإذاعية تملأ نفوسنا شوقًا للتلمذة على يديه، وتحقق ذلك الحلم سنة 1960 من القرن السابق. لقد التقينا بمن نحلم أن نلتقي به وسمعنا صوته في قاعات الدرس بكلية التربية،جامعة بغداد، ومرت أربع سنوات ونحن نتابعه ونحاوره في مادة الأدب في السنة الأولى وفقه اللغة في الرابعة ثم الدراسات العليا مادة تحقيق النصوص سنة 1964.

              كنا نسمع صوتًا وعلمًا يختلف عما نسمعه من غيره من الأساتذة الآخرين معرفة وحفظًا واجتهادًا، وكان الأستاذ الآخر الذي أفدنا منه وأثر فينا هو الدكتور أحمد عبد الستار الجواري رحمه الله.

              مصطفى جواد عالم لغوي محقق كان همه وغايته التي سعى لها طيلة حياته الحفاظ على سلامة العربية وإشاعتها على ألسن الناطقين بها. كان لذلك سعيه في قاعات الدرس وفي المؤتمرات العلمية وفي نشر مقالاته إذاعة، وأحاديثه حتى ابتدع وسيلته الإعلامية لإيصال صوته إلى كل بيت بوساطة الإذاعة والتلفاز ببرنامجه البديع (قل ولا تقل) فجعل اللغة حديث المجتمع نخبتهم وعامتهم ،وهو منهج جعل مصطفى جواد يتردد على كل لسان يسمعه ويسمعه بشوق وانتظار برنامجه الذي كان يؤديه ببراعة نافذة أثرها في قلوب السامعين بكل طوئفهم(1).

         بقينا نتابعه ونستمع أحاديثه ونراسله لمعرفة ما يلتبس علينا من اللغة والتاريخ حتى جاء نعيه صدمة لمريديه ومحبيه،فودعناه بكلمة تأبينية ألقيت على جثمانه في ركن سادن الصحن العلوي الشريف في النجف الأشرف عصر يوم 19 كانون الأول 1969.

               ثم ووري الثرى فكان قبره في بداية شارع كربلاء العام يضم أكبر أعلام الحضارة في العراق في القرن العشرين.

 

   اللغة وسلامتها لديه:

            لقد انشغل النصف الأول وما بعده من القرن العشرين في الدعوة إلى إصلاح العربية، وهذه كانت ثمرة نشاط النهضة الثقافية التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر، فقد ظهرت ونمت حركة لغوية للنهوض بالعربية نحوها وصرفها ومصطلحها وإملائها في مصر والشام والعراق،فكانت دعوات الإصلاح أهم مكونات الثقافة اللغوية والأدبية، فظهرت مؤلفات في تاريخ الأدب وارتفع صوت طه حسين لإصلاح منهج دراسته كما ظهرت دعوة إصلاح نحو العربية وتيسير قواعدها للدارسين.

 ظهر اتجاهان:

             أحدهما إصلاح الكتاب النحوي فألفت كتب في ذلك في النحو الواضح والبلاغة الواضحة لعلي الجارم ومصطفى أمين والنحو الميسر إضافة إلى الكتب المدرسية.

             والاتجاه الآخر إصلاح المنهج اللغوي فكانت حركة تيسير النحو على يد علماء من مصر ولبنان والعراق مثل إبراهيم مصطفى وزارة المعارف المصرية ثم الدكتور مهدي المخزومي وأحمد عبد الستار الجواري في العراق وأنيس فريحة بلبنان وغيرهم .

               كما ظهرت حركة إصلاح المعجم العربي والمصطلح وتأليف الجديد فيه، فكانت الدعوة إلى تأليف المعجم التاريخي والمعجمات العصرية، كما قويت حركة تحقيق التراث العربي ونشره بالصورة اللائقة، فكان محققون بارعون في مصر والعراق وباقي البلاد العربية، كما ظهر علماء اهتموا بإصلاح العربية في هذه المجالات كافة يحملون الثقافة الموسوعية الشاملة في مقدمتهم الأب أنستاس مادي الكرملي في العراق، والدكتور مصطفى جواد. في هذا الجو من الحركة العلمية ظهر مصطفى جواد حاملًا الثقافة الموسوعية في التاريخ واللغة والبلدان والأدب بفنونه وعصوره المختلفة.

           فالكتابة عن مصطفى جواد ليست سهلة تكتنفها أسئلة مهمة: هل هو لغوي؟ نعم لقد كان يمتلك المعرفة اللغوية وفلسفتها والتبحر فيها .هل كان أديباً؟ نعم، فقد نظم الشعر وكتب في قضايا الأدب وتاريخه. هل كان مؤرخاً؟ نعم،فقد كان واعيًا التاريخ وأحداثه وحقق كتبًا مهمة فيه هل كان محققًا؟ نعم، لقد امتلك كل خصائص التحقيق العلمي، أمانته، فقد استخدم فكره وملكة حفظه النادرة وفطنته، وإبداعه في التعبير ومعرفته اللغوية والتاريخية وذاكرته الحادة ومعرفته اللغوية والتاريخية في تحقيق النص.

          لقد كان منهجه في اللغة وتحقيق النص واحدًا وأهم خصائصه إشاعة المعرفة والأمانة العلمية والدقة في التتبع والاجتهاد في الرأي.

              لقد كان مصطفى جواد علما من أعلام الحضارة العربية ومبدعًا في حفرياته اللغوية والتاريخية للوصول إلى هدف البحث، فهو أديب لغوي مؤرخ محقق شملت ثقافته كل هذه المعارف لكن اللغة وتحقيقها غلبت عليه، فاتخذ من اللغة عالمه ومن التحقيق مجاله الذي أبدع فيه، ومنهجه الذي سار عليه ولم يفارقه. فكان مكتبة تمشي وقاموسًا ينطق.

               يعد كتابه (المباحث اللغوية في العراق) ومقالاته في سلامة اللغة العربية ووسائل نهوضها أهم ما صدر في القرن العشرين في العراق في دراسة أصول العربية نحوها ومفرداتها ومصطلحاتها، ويقرن كتابه المباحث اللغوية في العراق بكتاب العالم الألماني برجستراسر (التطور النحوي للغة العربية) لتشابه منهجهما التاريخي المقارن في تنقيبهما ومتابعتهما أطوار العربية التاريخية نحوها وأصول مفرداتها وأساليبها، ويزيده مصطفى جواد في اجتهاده واقتراحه وسائل النهوض بها.

             لقد كان يتابع التطور العظيم الذي أصاب حياة العصر وأيقظ الأفكار والعيون على أسبابه ومخترعاته ووسائله المادية وتطوره الاجتماعي وماجدّ فيه من أفكاره، فبالرغم من الجهد في تنمية اللغة بقيت العربية غير مستوعبة لوسائل العصر وقضاياه الاجتماعية والفكرية (مع أنها من اللغات المنطوية على عناصر الحياة الكامنة فيها قوة النماء والإثراء والانتشار والازدهار)(2).

                لقد تفاجأت العربية بسيول من أسباب المدنية لم تعهدها من قبل، وبأمواج من العلوم والفنون والصناعات لم تعرفها (لقد أنقض ظهر اللغة العربية ديون قرون من الاصطلاحات، وفاتها أزمان اصطلاحات عدة، وتخلفت عن ركب الحضارة الحافل بتخلف أهلها وذهاب سلطانهم وتضاؤل إيمانهم بحقهم في الاستقلال.

               ولولا هذا القرآن العزيز وهذا الدين المتين لطوحت بها الطوائح وقامت عليها النوائح وصارت كاللغات التاريخية)(3).

             لقد وجب على علمائها أن يتداركوا ما فاتها إذ تراكمت إزاءها ما لا تعرف تسمية لذلك حدد مصطفى جواد مشكلاتها ليضع العلاج كما يرى بما يأتي:

* الحاجة الكبرى إلى المصطلحات لصلتها بالسيرة العلمية والعملية.

* مشكلة المعجمات والمفردات.

*مشكلة النحو والصرف.

*مشكلة أساليب التعبير.

*مشكلة رسمها وإملائها.

            لقد عالج هذه المشكلات في (المباحث اللغوية) وظل يتابع معالجتها واقتراح وسائل إصلاحها في بحوثه ومقالاته الأخرى المنشورة.

 

  مشكلة المصطلح وحاجة العربية إليه:

               واجهت العربية في عصرها الحديث سيلًا هائلًا من المصطلحات والألفاظ للعلوم والفنون والآداب لم تكن تعرفها، فهي وإن كان لها قديمًا مجموعة كبيرة من المصطلحات في اختلاف العلوم والفنون لم يحسن المؤلفون جمعها وتنظيمها، وتلك الاصطلاحات تحمل قسمًا كبيرًا من حضارة العربية والإسلام وتعين على فهم كثير من الأمور المستبهمة علينا في تراث الأمة العلمي وتراثها الأدبي وتراثها الفني(4) قد أصابها الجمود قرونًا فتختلف عما كان من تقدم حضاري في العلوم والفنون والآداب فصار فرضًا على علماء الأمة أن يتداركوا هذه المشكلة.

                كانت بداية العناية بالمصطلح في العراق في النهضة اللغوية الحديثة بجهود الأب أنستاس ماري الكرملي وإصداره مجلة (لغة العرب) في تموز 1911م عالج فيها اللغة والأدب والمصطلحات والتاريخ)(5) وواصلت المجلة في مرحلتها الثانية عنايتها بالمصطلح العربي إلى جانب عنايتها بالمفردات والتاريخ والأدب حتى غلقها سنة 1931.

               ومن الذين عنوا بالمصطلح العلمي والفني أيضًا في العراق الدكتور أمين المعلوف فقد وضع مصطلحات عسكرية للجيش العراقي تقابل الإنجليزية المستعملة، ووضع فيها معجمًا كما وضع في النبات، وكذا جهود السيد عبد المسيح وزير في وضع المصطلحات التي سهلت تعليم الجيش العراقي بالعربية سواء أكان في المدارس العسكرية المختلفة أم الثكنات(6) ثم ألفت وزارة المعارف ما سمي في حينه بـ(المجمع اللغوي) سنة 1926 وكان الشاعر معروف الرصافي وأنستاس الكرملي نواة له، مع انتخاب أعضاء آخرين.

               قام هذا المجمع بوضع كثير من المصطلحات في العلوم والآداب في مجال التعليم على وفق خطة اختطها أعضاؤه لوضع المصطلحات العلمية والأدبية ولكل ما يجد ويحدث من الكلمات في العربية وخاصة في الاصطلاحات التي تستعمل في المدارس والكتب المدرسية، وجعل النحت وسيلة من وسائل وضع المصطلح وقد اعترض الكرملي على وسيلة النحت إذ قال (لا أرى حاجة إلى النحت لأن علماء العصر العباسي مع كل احتياجهم إلى ألفاظ جديدة لم ينحتوا كلمة واحدة علمية. هذا فضلًا عن أن العرب لم تنحت إلا الألفاظ التي يكثر ترددها على ألسنتهم فكان ذلك سببًا للنحت(7).

                وقد أيد الدكتور مصطفى جواد اعتراض الكرملي هذا كما سيأتي الحديث.

            لقد كان نشاط مصطفى جواد اللغوي في عهد مبكر من حياته مع الأب أنستاس الكرملي في مجلة (لغة العرب) وغيرها من المجلات ثم المحاضرات والندوات والمؤتمرات العلمية ومشاركته في الترجمة أيضاً. ثم استخدم الحديث الإعلامي والإذاعة والتلفاز وبهذه الوسيلة نقل القضية اللغوية إلى آفاقها الواسعة، فمشكلاتها وصراعها مع الوافد اللغوي والشائع الملحون لم يعد حديثها وحوارها منحصرًا في قاعات الدرس أو قاعات المؤتمرات اللغوية وإنما شارك العامة والخاصة فيه من الناطقين بالعربية.

              إن المصطلحات من أعمال الخاصة من علماء اللغة، أما العامة فيستعملون المسمى من الآلات والأشياء بأسمائها التي تأتي معها من الخارج وقد كثرت النقاشات في مجمع اللغة العربية في القاهرة، فكان على المجامع العلمية والمؤسسات اللغوية أن تضع الأسماء والمسميات قبل أن تشيع بين العامة بأسمائها الأجنبية والذي يجري العكس من ذلك، فبعد أن يشيع الاسم الأجنبي على الألسن يوضع الاسم العربي،

              ولذا يعاني اللسان العربي هذا الصراع اللغوي بين الفصيحة والعامية والمصطلحات الأجنبية والأسماء التي غزت اللسان العربي من الصعب تغييرها بعد شيوعها وإن كان الحسّ اللغوي أو الملكة اللغوية لدى العرب تضع المصطلح المناسب للجديد فتستعمله كما كان في وضع مصطلح (السكة الحديد) أو (سكة الحديد) عند دخولها مصر وغيرها.

             وأحياناً تشيع الأسماء الأجنبية على الألسن ثم يمحوها ما يضعه اللغويون من الأسماء الخفيفة على اللسان. فعندما دخل القطار والسيارة واللاسلكي (ريل) والهاتف شاعت بأسمائها الأجنبية في كل قطر أو تومبيل أو موتوركار والوايرلس أو تلفون، ولما وضعت أسماؤها المذكورة قبلها العامة ونسيت الأسماء الأجنبية ماعدا اسم التلفون مع الهاتف فوضع مصطلح القطار بدلاً من الريل والسيارة بدلًا من تومبيل أو موتوركار لكن هذا لا يحدث دائما فآلاف الأشياء دخلت بأسمائها الأجنبية وبقيت، وما وضع لها من أسماء في العربية أما كان وضعه متأخراً أو أن مصطلحه لم يكن موحدًا.

             فكل بلد يضع مصطلحًا خاصا به فوحدة المصطلح مفقودة وهي مهمة للحفاظ على وحدة اللغة كما اختلفوا في مصطلح (علم اللغة واللسانيات والألسنية وعلم اللسان) وربما يكون من جهل المترجمين للعربية فلم يحسنوا وضع المقابل من الأسماء المترجمة.

               لقد عني الدكتور مصطفى جواد بذلك قائلًا: (إن شيوع الأسماء الغربية من المصطلحات لا يعنى عجز اللغة العربية بل تهاون أبنائها وتقصير علمائها وضعف المترجمين في نقلهم واستهانة الدخلاء عليها بوجودها وافتخارهم بمعرفة اللغات الغربية)(8).

                وعانت العربية من هذا الأمر ومازالت تعاني خصوصًا في تعريب العلوم وتدريسها باللغة العربية في جامعاتها.

               كان الدكتور مصطفى جواد يؤمن باجتماعية اللغة وتطورها وبالاجتهاد بوضع المصطلحات والألفاظ، وإن اللغة (لم تبق وقفًا على ما سمع من العرب الأولين ولا مقصورة عليه) وللعربية قابلية طبيعية لمجاراة الزمن والتطور تطورًا معتمدًا على طبيعتها في الاشتقاق والتعريب والنحت، ومعرفة هذه الطبيعة واجبة على من عني بها ووكل إليه الحفاظ على سلامتها)(9).

               وقد قال: (ان القدماء لم يسدوا باب المجاز .. فأهل هذا العصر يحق لهم استعمال عدد من الكلم على سبيل المجاز ويحق لهم الاتساع في التعبير على شرط أن لا يؤدي إلى المسخ والتغيير)(10).

                 إن هذا الشرط في قوله الأخير (أن لا يؤدي إلى المسخ والتغيير) جعل له موقفين في كثير من الأحيان:

الأول:

             إبداعه في وضع المصطلح وقبوله إذ كان موافقًا لما اختزنته حافظته من أصول الألفاظ واستعمالاتها في أطوار مختلفة من التاريخ. وموقفه هنا يريد به أن لا يتناقض معناها الجديد ومعناها القديم أوله علاقة به.

               وقد جعله هذا من نوادر اللغويين الحفاظ العارفين بطبيعة اللغة وباطلاعه واستقرائه استعمال المفردات في مختلف عصورها،وهذا جعله منسجمًا مع ما يعتقده من وسائل تنمية اللغة وأولها الاشتقاق فطبيعة اللغة العربية أنها لغة اشتقاقية، وكان يتخذ من القرآن الكريم المصدر الأول والأفضل لإتباعه، والقياس على استعمالاته وبعد القرآن ما يثق بفصاحته من كلام العرب من النثر والشعر.

              وهو يرى أن اللغوي الذي يوكل إليه الحفاظ على سلامة اللغة ينبغي له أن يعرف هذه الخصيصة في اللغة، وإلا وقع في الاختلاط الذي قد يشوّه اللغة فالمصطلح الجديد أو الكلمة يرجع بها إلى العربية فإذا كانت مستعملة وأهملت أجاز قبولها أو يمكن اشتقاقها على وفق الصيغ العربية وإلا كان ردّ قول من قبلها.

              قال: (جواز الرجوع إلى الكلمات القديمة المهملة من المصطلحات العلمية والمصطلحات الفنية الحديثة مع بعض التصرف أو الاشتقاق إن دعت الحاجة إلى أحدهما)(11).

              هذه قاعدته في قبول الجديد أو رده، وبهذا جاء اقتراحه لكثير من المصطلحات وقبوله لكثير من الكلمات المقترحة من اللغويين والمجمعيين، كاقتراحه مصطلح (دائرة المعارف) مقابل الاسم الأجنبي (انسكلوبيديا) وعدم قبوله اقتراح الكرملي (معلمة) فالدائرة قد استعملها كبار المسلمين للعلوم، ومن الشواهد التي ذكر قولها شمس الدين الذهبي في ترجمة أبي الفرج بن الجوزي(ت597هـ):

               (ومع تبحر ابن الجوزي في العلوم وكثرة اطلاعه وسعة (دائرته) لم يكن مبرزاً في علم من علوم وذلك شأن كل من فرق نفسه في بحر العلوم) كما ذكر كلامًا لابن رجب قد استعمل الدائرة في العلوم(12).

          واقتراحه على مجمع اللغة في القاهرة بإجازته مصطلح (عضوة) بتاء التأنيث لمشاركتها الواسعة في النشاط الاجتماعي والأدبي والعلمي ليطابق الموصوف صفته وسرد مجموعة حجج واستعمالات قديمة تسوغ هذا المصطلح بدلًا من بقائه على التذكير، وهو ترجمة للكلمة الإنجليزية ويراد به واحد أو واحدة، وأقدم الحجج مجيء قول الرسول(صلى الله عليه وآله) لأبي بن كعب وقد أعطاه الطفيل بن عمرو الدوسي قوسًا جزاء على إقرائه القرآن: (تقلدها شلوة من جهنم) والشلو العضو فأنثها على معنى تأنيث القوس(13).

                ووضعه مصطلح (القلاب) لمرض القلب قياسًا على دلالة صيغة (فُعال) كالصداع والدوار.

             هذا مبدؤه في الاشتقاق ووضع المصطلح وقبول الجديد. فالفعل (تنازل) المستعمل لدى أهل العصر بمعنى تخلّى وترك، اعترض على قبوله في أول الأمر، لأن دلالته المعجمية: تنازل القوم نزلوا عن إبلهم إلى خيلهم للقتال أو نزلوا إلى ساحة القتال فالفعل لا يدلّ على الاشتراك بين اثنين أو أكثر، لكنه وجد الفعل مستعملًا في شرح قصيدة ابن عبدون لعبد الملك بن بدرون مستعملا بمعنى (تخلى وترك وخلع نفسه) فقبله قائلًا: ثم بان لي أنه مولد مستعمل في لغة أدباء من الأندلس لا يستهان بهم.

              كذلك الفعل (استلم) بمعنى أخذ وتناول في استعمال أهل العصر قد خطأه أسعد داغر متذرعًا بأن أصل استعماله بمعنى اللمس والتقبيل والصواب تسلم(14).

             لكن الدكتور مصطفى جواد صوّب الاستعمال المعاصر للفعل إذ وجده مستعملًا عند أدباء الأندلس منذ المئة السادسة من الهجرة، وجعله محمولًا على المجاز المفتوح الباب في لغة العرب، فتقل معنى الملامسة إلى المباضعة والمضاجعة، والتسلم والاستلام يجمع بينهما اللمس، فيستعار الاستلام للتسلم(15).

              كان يرى أن (للكلمة العربية قيمتين دائمًا: قيمة معجمية وهي قيمة جامدة لا حياة فيها ربما تؤدي إلى سوء فهمهما، وقيمة استعماليه وهي القيمة القابلة للتطور، لأنها تؤخذ لها من صميم كلام العرب أو كتبهم على تعاقب الأزمان واختلاف البلدان)(16).

                هكذا كان قبوله أو وضعه المصطلح أو الكلمة، فالمولد مقبول ما وافق العربية اشتقاقًا واستعمالًا.

 الثاني:

                رده مالم يوافق مبدأ الاشتقاق والاستعمال على سبيل الاتساع والمجاز .

                فقد ردّ تخطئة إبراهيم البازجي من قال: (هذا أمر يأنفه الكريم (والصواب يأنف منه الكريم)(17).

               وقد صوبه الدكتور مصطفى جواد، لأن صيغة (فَعِل) يجوز تعديلها لغير العيوب والعاهات الظاهرة بنفسه وبحرف الجر،مثل أمن منه وأمنه وخاف منه وخافه. وأنف منه وأنفه وسرد مجموعة من الشواهد من قديم الشعر ومولده ومتأخره تثبت استعمال (أنف) متعديًا بنفسه. فاتفق السماع والقياس، وقد عدّ حذف حرف الجر من الإيجاز البلاغي(18).

                وبهذا المقياس كان رده وتصويبه كثيرا مما استعمله الكرملي في كلامه في هوامش كتاب المباحث اللغوية، كما رد تخطئة جملة من المصطلحات التي تضمنها مجلدات مجلة (لغة العرب) ومجموعاتها السنوية .

            من ذلك تخطئة الكرملي جرجي زيدان في قوله (وقد تعاصر البابليون والمصريون قائلا: والأصح: وقد عاصر البابليون المصريين لأن (كذا)(19) لا وجود للتفاعل في مادة (ع ص ر)… أراد أن يقول: فلا وجود.

              قال مصطفى جواد: من البديهي أن المفاعلة للمشاركة تؤدي في الغالب إلى التفاعل (وصوب كلام جرجي زيدان مستشهدًا بمجموعة من الشواهد من النثر لأدباء ومؤرخين منذ العصور الإسلامية القديمة ثم قال معلقًا: (إن الأب المذكور كان أعلم بالمصلحات العلمية والفنية منه بالنحو والصرف العربيين)(20).

               وبهذا المقياس أيضًا كان قبوله أو رده لواحد وخمسين كلمة من مصطلحات أهل العصر قدمها الأستاذ أحمد حسن الزيات إلى مجمع اللغة العربية بمصر، فما وافق مبدأه في الاشتقاق وموافقة المصطلح الصيغ العربية واستعمالاتها قبله وما لم يوافق رده واقتراح مقابلًا له. أذكر بعضها:

              (دخان ودخّن) (فالدخان) يدل على التبغ و(دخّن) على احترافه من قبيل المجاز المرسل، وذكر مجموعة شواهد من الشعر والنثر تناقض معناها الشائع، ثم قال: الصواب أن يشتق فعل جديد لهذا الضرب من استعمال الدخان على صيغة (افتعل افتعالًا) أي أدخن إدخانًا بمعنى اتخذ دخانا.

               وكذا مصطلح (التأميم) بمعنى التملك اقترح لها مصطلح (التأمّم) أي تسليط الأمة على الشيء(21).

            لقد كان كثير النقد على اللغويين خصوصًا في سهوهم وتعجلهم الأحكام من دون خبرة في معرفة أساليب العربية وأصول المفردات والاستعمال ثم في عدم انتباههم لما تؤديه الصيغ الصرفية من دلالات يمكن استغلالها في إيجاد المصطلح الجديد بقبول أو رفض الاستعمال المعاصر.

             لقد كان الاشتقاق عنده أكثر الوسائل فائدة لنمو اللغة وإيجاد المصطلح للمسميات الجديدة لحل مشكلة المصطلحات المحتاج إليها حديثًا (فالعلم بالاشتقاق والاستفادة منه أمران ضروريان في التحقيق الاصطلاحي) على شرط أن تستفيد المجامع والمؤسسات العلمية منه كما ينبغي له، لكن المجامع اللغوية لم تستطع أن تستفيد منه استفادة تامة واقتصرت على إقرار قواعد اشتقاقية أكثرها بديهية)(22)

             ثم سرد مجموعة من الصيغ التي يمكن الاستفادة منها في مئات من أسماء الآلات والأدوات فيما يسمى في اللغة تعدد الدلالة للصيغة الواحدة مثل (فِعال) ومؤنثة (فِعالة) فهو أقدم في العربية زمانا من صيغة (مِفْعل) ومؤنثة (مفعلة) وأكثر استعمالًا وأخف لفظًا وأرشق صيغة، واتخذ من القرآن شاهدًا على ذلك من قوله تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)(23) ولم يستعمل المخيط مع وجوده في اللغة.

            وكذا صيغة فاعل وفعّال المعروف أنه من صيغ المبالغة وما يستخرج منهما من أسماء الآلات والأدوات ثم تحويل صيغة (فاعل) إلى ((فاعَل) بفتح العين للإفادة منه في الآلات والأدوات كالخاتم والطابَع…).

            هكذا أخذ يسرد الصيغ التي يمكن الاستفادة منها في وضع المصطلح والاسم للدلالة الجديدة التي يحتاج إليها المجتمع.
لقد أثنى على مساعي المجمع اللغوي المصري وماله من فضل في جهوده ومساعيه اللغوية خصوصًا في وضع المصطلح وتمحيص القواعد وإصلاح العبارة العصرية وتقويمها بطرق علمية قائلًا: ولم يفته في ذلك إلا القليل وذكر أمثلة من مصطلحات البناء لم يضع لها المجمع مقابلًا وهو في العربية:

           (الحضرة) قال الزمخشري في أساس البلاغة: وجمع فلان الحضرة يريد بناء الدار، وهي عُدّة البناء من الآجر والجص وغيرها.

          كما ذكر استعمال المجمع (السائل) مكان (المائع) والسوائل مكان المائعات مع أن العرب استعملت المائع وجمعه السالم. وكانت بديهته حاضرة في ذكر الشواهد القديمة في استعمالها.

             إن موقفه في علاج مشكلة المصطلح في عصرنا يمثل في الآتي:

          جواز الرجوع إلى كلمات عربية قديمة غير مستعملة أو كلمات قديمة منقولة بطريق المجاز والاتساع مع بعض التصرف.

             الاشتقاق بحسب طرق الاشتقاق في العربية والتوسع في مصادر اللغة والاستشهاد منها.

                 ترجيح الفعل الثلاثي على الرباعي من الأفعال إذا كانا في معنى واحد، لأن الثلاثي أفصح وأقدم.

                باب المجاز مفتوح في العربية بشرط أن لا يتدافع المعنيان الحقيقي والمجازي.

                ولهذا لم يجوز استعمال الفعل (هدف إلى الشيء) بمعنى قصد إليه كما يستعمله أهل العصر(24).

             قال: الفعل (هدف) في عامة معانيه يفيد (الوصول والدخول) وقول الناس: هدف إليه بمعنى قصد إليه يدافع ذلك المعنى، فالمعنى الأول انتهاء، والمعنى الثاني شروع، فاستعماله بالمعنى الجديد غلط، لأنه كاستعمال (وصل) بمعنى (ذهب) وهو من ضرب التغيير الذي يؤدي إلى تسوية اللغة، ويورث الالتباس في قراءة الكتب العربية،ويقلب المعاني في أذهان الدارسين، ولا يجوز التفريط في اللغة والاستهانة بها بدعوى أن هذه المصطلحات جديدة، وأن اللغة قديمة ولاسيما أن اللغة العربية هي أوسع اللغات الحية اشتقاقًا وأرخاها نطاقًا)(25).

               وأما استهدف بمعنى جعله هدفًا أو طلب أن يكون هدفًا فقد سمع في كلام العرب الفصحاء وأجاز في القياس، وذكر له شواهده قديمة فصيحة.

               وكذا الفعل (فشل) يسعمله المحدثون بمعنى خاب لم يجوزه. فالفعل (فشل) لا يقوم مقام (خاب وأخفق) ولو مجازًا، لأنه بمعنى كسل وضعف وتراخى يدل على عدم مباشرة العمل أو عدم الاستمرار عليه مع أن الخيبة والإخفاق مباشرة للعمل باءت بالخسران، وتكون الخيبة أحيانًا بعد تمام العمل، ثم ذكر الشواهد عليه من الكلام الفصيح(26).

             فواضع المصطلح والناظر في استعمال المعاصرين اللغوي ينبغي له أن يكون عارفًا في تاريخ الكلم العربي وأطواره مطلعاً على مختلف الكتابات في العربية زيادة على ما هو مذكور من شروحها في المعجمات اللغوية(27).

 

  التعريب والترجمة:

            كان الدكتور مصطفى جواد يعد التعريب الوسيلة الثانية من وسائل تنمية العربية بعد الاشتقاق، لسدّ حاجتها من المصطلحات العلمية والفنية، وحاجة العربية شديدة في هذا العصر إلى المصطلحات العلمية والفنية.

              التعريب في الأصل أخذ الكلمة غير العربية وإحداث بعض التغيير اللفظي فيها بحسب ما يقتضيه النطق العربي من قلب أو تغيير، وصب الكلمة المستعارة في قالب عربي. وكان يرى في القرآن كلمات معربة فإن (الكلمة وإن كان أصلها من لغة أخرى فإنها إذا عرّبت في العربية واستعملها أهلها فقد صارت عربية كسائر ما تتخاطب عليه العرب من كلامها، لذلك جاز أن يخاطب الله بها العرب)(28).

            لقد أجاز المجمع اللغوي المصري التعريب في قراراته الأولى بقوله (يجيز المجمع أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم)(29).

            وكانت هذه الضرورة هي موضع الخلاف بين اللغويين فمنهم من يضيقها ومنهم من يتسع بها وكان المحافظون يخشون فتح باب التعريب على اللغة من تفشي الأعجمية في الكلام وغلبتها على العربية لغة القران الكريم.

              كان الدكتور مصطفى جواد يري جواز التعريب كما جاء في قرار المجمع اللغوي ورد على الكاتب الذي احتج على إجازة التعربية مقالته: (إن العلماء أجمعوا على أن التعريب سماعي لا يقاس) مظهرًا خشيته على العربي من أن تنقرض.

             ويستغلق القرآن ويبدو كل ما (دوّن) باللسان العربي من العلوم أو الآداب… ردّ الدكتور قول هذا المحتج قائلًا: (في ذلك شيء من المبالغة فالكاتب نفسه استعمل الفعل (دوّن) وهو مشتق من الديوان الكلمة الفارسية وقد استعملت كلمة الديوان في اللغة العربية حقيقة ومجازًا… واشتق منه فعل هو (دوّن يدون تدوينًا) وصار الاسم والفعل من كلام العرب…)

             كان يرى وجوب التعريب وإبحاته لنقل الأسماء الأعجمية إلى العربية بسبب أن العربي يصعب عليه التلفظ بالكلمة الأعجمية على صورتها الأصلية، لكن التعريب يجب أن يكون واضح المعالم محدودًا مشروطًا بالاضطرار، فأسماء الأعلام واللباس والشراب والطعام والأثاث ويلحق بباب الأعلام أسماء الأمراض الجديدة والأدوية الجديدة وأسماء الحيوانات التي لم يعرفها العرب وأسماء كل ما لم يعرفه العرب من الماديات الساذجة أي الخام والأسماء الخفيفة أصلًا.

             وذكر أمثلة منها تعريب كلمة (Term) ويقابلها (الأجل) وقد عربت في عصر الحروب الصليبية في المئة السادسة من الهجرة(30) وجعل ذلك من تساهلهم في التعريب لما يخف على اللسان.

            لقد كان يرى فيمن يقوم على تعريب المصطلح العلمي والفني أن يعتمد على المعرفة بلغات الحضارة الجديدة، كالإنجليزية والفرنسية والألمانية مع إتقان اللغة العربية الفصيحة (وأن أكثر من أحدثوا الغلط الشائع في لغتنا العصرية كانوا من النقلة أعنى التراجمة ومن الذين ساعدوهم على وجدان مفاريد العربية المقابلة لمفاريد اللغات الغربية ،على ما هموا إليه وتحققوا بمعرفته، ومن الحق علينا أن نعترف بصعوبة اتفاق لغتين اتفاقًا مستويًا بحيث يستطيع متقنهما أن يؤدي إحداهما بالأخرى حق الأداء)(31).

              ثم أنحى على النقلة وتخلفهم في العربية وإتقانهم اللغة الغربية باللوم، لأن ترجمتهم كانت (مسخاً من المسوخ أو ضربا من التدليس والتزوير).

             كانت للدكتور مصطفى جواد ملاحظات في التعريب. ذكرت أنه أوجب أن يكون االتعريب واضح المعالم، فأعلام البلاد أو أعلام الرجال ليس في تعريبها جدال، أما الأشياء الأخرى فينظر في تعريبها مقدار الفائدة، وهذا لا يوجب إباحة التعريب، فالعالم باللغة الأجنبية لا يحتاج إلى تعريب الاسم، لأن يقرؤه بلفظة في مظانه، والجاهل للغة الأجنبية لا تغنيه التسمية دون موضوع العلم أو الفن…

              أما المصطلحات الغربية ففي ترجمتها فائدة لغير العالم باللغة الغربية لما بين الاسم العربي وما اصطلح له من صلة في المعنى واللفظ وهذه الفائدة لا تحصل ببقاء المصطلح بلفظة الأجنبي، وضرب مثلًا بمصطلح (البنج) وقد سمّي ما يقوم مقامه في أزمان كثيرة (المرقد) والمرقد يوحي معناه إلى قارئه أو سامعه قبل أن يطلع على تعريفه ووصفه، لأنه مأخوذ من الرقود وهو النوم)(32).

             فهو لا يرى فتح باب التعريب فتحًا كاملًا وإنما يفتح لما يحقق الفائدة ليكون كثير من الكلمات العلمية أممية أو شبه أممية مما يخفف على طالب العلم شيئًا كثيرًا عند مراجعته الكلمة العلمية كما يعد الذين يميلون إلى اللغات الأجنبية حربًا للغة العربية، ويكفي أن يكون الاسم الأجنبي في كتب العلم المترجمة الكلام.

              لقد تطور اللسان العربي في الأزمنة المتأخرة فأصبح من السهل النطق بحروف أجنبية كان النطق بها صعبًا عسيرًا عليه، لاختلاط العرب بالأمم الأجنبية وألفتهم لغتهم، فالأصوات الأجنبية والحركات المولدة تفيد العربي في نطقه بالأسماء المعّربة، ويقتضي الحفاظ على صورة المعربات اللفظية ما أمكننا ذلك.

             وقد أجاز الاشتقاق من المعربات واستغرب قول أبي بكر بن السراج في منع الاشتقاق في استعمال المعربات رآها من باب المبالغة، وقد استشهد بكلام الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) نقلًا عن القاموس للفيروز آبادي في قوله: (والنيروز أول يوم من السنة معرب نوروز، قدّم إلى علي بن أبي طالب شيء من الحلوى فسأل عنه فقالوا: للنيروز، فقال: (نيرزونا كل يوم) وفي المهرجان قال (مهرجونا كل يوم).

              والسبب في ذلك أن النيروز والمهرجان لما دخلا في العربية واستعملا في صدر الإسلام استلزما اشتقاق فعلين لهما فسبق الإمام غيره إلى اشتقاقهما، ولم ينكر عليه أحد ذلك الاشتقاق، لأنه جرى على طبيعة العربية فمعنى (نيرزونا ومهرجونا ).
قدموا لنا حلوى النيروز والمهرجان… كما قالت العرب: (زوّدونا وعسّلونا وتّمرونا) أي أعطونا زادًا وعسلاً وتمرًا. (فإذا كان في الاشتقاق من الاسم الأعجمي فائدة فلا بأس بإتيانه)(33).

             وقد لام الذين عربوا الفسيولوجي والسيكولوجي بـ(الفسلجة والسكلجة) ولم يجرؤ على اشتقاق ( فسلج يفسلج وسكلج يسكلج).

             وإلى هذا ذهب أنستاس الكرملي أيضًا، قبول الألفاظ المعربة أو المنحوتة الغربية الأصل والاشتقاق منها،مثل :تلفن من تلفون ونورز من نوروز، ولكن بشرطين:

أحدهما: أن تكون الألفاظ خفيفة النطق والصيغة.

الثاني: أن تكون مادتها تشبه المادة العربية وإلا فإنك لا تقول فوطغرت يغو طغرف، اشتقاقًا من الاسم الغربي المنحوت (فو طغراف)(34).

            فالمصطلحات يجب أن تكون باللغة العربية، والتعريب يجب أن يقتصر على ما يكون فيه فائدة، وإذا كان هناك تقصير في إعداد المصطلحات فذلك راجع إلى المجامع العلمية والعلماء واللغويين لا إلى العربية، فباب اشتقاقها جعلها أوسع اللغات وأكثرها قدرة على التسمية.

 

  النحت:

           مرّ بنا ذكر إنشاء وزارة المعارف في العراق مجمعًا لغويًا 1926 كانت نواته الأب أنستاس الكرملي والشاعر معروف الرصافي وانتخبا أعضاء آخرين لينضموا إليهما ووضع هذا المجمع خطة لوضع الاصطلاحات العلمية والأدبية ولكل ما يحد من الكلمات وخصوصًا ما تحتاج إليه المدارس والكتب المدرسية، وقد عُدّ النحت من وسائل وضع المصطلح ومنهم من جعل التوسع فيه من أهم حاجات اللغة العربية.

              اعترض الكرملي على ذلك قائلًا: (لا أرى حاجة إلى النحت لأن علماء العصر العباسي مع كل احتياجاتهم إلى ألفاظ جديدة لم ينحتوا كلمة واحدة علمية.هذا فضلاً عن أن العرب لم تنحت إلا الألفاظ التي يكثر ترددها على ألسنتهم فكان ذلك سببًا للنحت أما التي لا يكثر ترددها على ألسنتهم فلم يحلموا بنحتها)(35).

              وقد رأى الدكتور مصطفى جواد صواب هذا الرأي وقد أعلن رأيه في محاضرة ألقاها في مؤتمر أدباء العرب بلبنان في بيت مري عند الكلام على ترجمة الطب النفسي الجسمي (psychoso matic) ولا يصح النحت في هذا الاسم خشية التفريط في الاسم بإضافة شيء من حرفه كأن يقال (النفسجي) أو (النفسجمي) مما يبعد الاسم عن أصله فيختلط بغيره، وتذهب الفائدة المرتجاة منه… وأود أن أشير إلى أني لا أركن إليه في المصطلحات الجديدة لأنه نادر في العربية ويشوه كلمها)(36). 

               وقال (وكل ما ثبت عندي منه عدة رموز جملية مثل سَبْحل فلان أي قال سبحان الله وحو قل… وطلبق… ودمعز… ولم يقولوا في العادة (اعتاد فلان السبحلة والحو قله) فالمصدر لم يكن مرادًا في استعمالهم النحت مع أن وضعنا للمصطلحات يعني الأسماء قبل غيرها، فإذا احتجنا إلى الأفعال اشتققناها من المصطلح نفسه)(37).

              لقد كان لا يرى الصعوبة في مشكلة المصطلحات قائمة في إيجادها، فالمصطلحات رموز الى مسمّياتها وكنايات عنها… وليس من مصطلح في كل لغة يدل على جميع ما في مسماه(38) وإنما الصعوبة في توحيد المصطلح وأعمامه على الأقطار العربية متفقا على استعماله، ومن أجل ذلك يقال في كثير من العلوم المستحدثة والفنون الجديدة (هذا الاسم لغة معناه كذا واصطلاحًا معناه كذا)(39).

             فهو يجيز النحت لكنه يعدّه آخر وسيلة حين تلجئ إليه الضرورة العلمية(40). وإلى هذا ذهب الكرملي أيضًا في النحت كما مر ذكره وكذلك قال: (ولغتنا ليست من اللغات التي تقبل النحت على وجه لغات أهل الغرب، كما هو مدون في مصنفاتهم والمنحوتات عندنا عشرات أما عندهم فمئات بل الاف… فساغ لهم النحت أما عندنا فاللغة تأباه وتبرأ منه) وقبل قليل ذكرت قبوله قلة من الألفاظ المعربة أو المنحوتة والاشتقاق منها بشرطين.

            وفي هذا المعنى كان موقف مجمع اللغة العربية في القاهرة فقد أصدر قراره بإجازة النحت (عندما تلجئ إليه الضرورة العلمية)(41).

—————————————————————-

الهوامش:
(1) كان هذا عنوان البحث اللغوي الذي نشره منذ سنة 1943 في مجلة عالم الغد كما ذكره هو في المباحث اللغوية في العراق 105.
(2) المباحث اللغوية في العراق 3.
(3) المباحث اللغوية4 في العراق.
(4) المباحث اللغوية في العراق 3
(5) المباحث اللغوية4 في العراق.
(6) المباحث اللغوية في العراق 3
(7) المباحث اللغوية4 في العراق.
(8)
(9) مبحث في سلامة اللغة العربية، د.مصطفى جواد رقم (2) مجلة المجمع العلمي العراقي الثاني، 1952، ص215.
(10) السابق 215، وهذا أيضا موقف مجمع اللغة في القاهرة في إقراره جواز السماع من المحدثين تأييدا لما قدمه احمد حسن الزيات انظر مجلة الرسالة المصرية، عدد 932 ص560.
(11) مبحث سلامة اللغة العربية (2) ص205.
(12) المباحث اللغوية في العراق67.
(13) مبحث في سلامة اللغة العربية رقم(3) مجلة المجمع العلمي العراقي ج1 م1954 ص115 ـ116.
(14) ينظر تذكرة الكاتب لأسعد داغر 30، وسائل النهوض باللغة العربية وتيسير قواعدها وكتابها د.مصطفى جواد مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق مجلد، 32ج1 ص147ـ148.
(15) ينظر تذكرة الكاتب لأسعد داغر 30، وسائل النهوض باللغة العربية وتيسير قواعدها وكتابها د.مصطفى جواد مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق مجلد 32ج1 ص147 -148.
(16) وسائل النهوض باللغة العربية …146.
(17) انظر لغة الجرائد لليازجي 26ط القاهرة، المباحث اللغوية 46،47.
(18) المباحث اللغوية 46، 47 كما خطأ اسعد داغر لمتابعته اليازجي بتخطئته الاستعمال .
(19) كان من عادته ان يضع (كذا) إلى جانب كل تعبير لا يراه فصيحا،وهنا صوب التعبير بقوله أراد أن يقول: فلا وجود.
(20) المباحث اللغوية 59 ،60 والأب المذكور، هو الكرملي .
(21) انظر تفصيل ذلك في مبحث سلامة اللغة العربية رقم 2، 3 مجلة المجمع العلمي العراقي م3 ج1 1954.
(22) وسائل النهوض باللغة العربية …مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق م32ج1 ص129.
(23) الأعراف/40.
(24) هذا من الكلمات الواحدة والخمسين التي قدمها احمد حسن الزيات إلى المجمع اللغوي المصري وقد مر ذكرها.
(25) مبحث في سلامة اللغة العربية، رقم 2 ص216، 217.
(26) السابق 225.
(27) انظر المباحث اللغوية. 43
(28) هذا جواب صاحب كتاب (المباني لنظم المعاني في علوم القران ص124 من سأله: كيف يجوز أن يكون في لغة القران في لغة العربي؟ انظر المباحث اللغوية 104.
(29) مجموع القرارات العلمية، مجمع اللغة العربية في القاهرة ص63، كتاب في أصول اللغة مجمع اللغة العربية بمصر ص49.
(30) انظر مبحث وسائل النهوض باللغة العربية 136، 137،مبحث سلامة اللغة العربية رقم (2)، ص 208.
(31) القول الناجح في الغلط الشائع- مصطفى جواد – مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق 24 ج3 ص395، 396.
(32) مبحث في سلامة اللغة العربية …رقم (2)، ص 209، 210.
(33) انظر مبحث في سلامة اللغة العربية رقم(1)، 234، 235، مجلة المجمع العلمي العراقي السنة الأولى ج1، 1950، وانظر القاموس المحيط (نيروز)،كتاب النيروز لأحمد بن فارس (في ضمن نوادر والمخطوطات)، 2/18 تحقيق، هارون.
(34) مجلة لغة العرب م5 نيسان 1928 ص293، المباحث اللغوية 104 وانظر إجازة الاشتقاق من المعربات الخفيفة في أصول اللغة- مجمع اللغة العربية بمصر 251 ،252.
(35) مجلة لغة العرب مج 4 ص39، المباحث اللغوية..88.
(36) المباحث اللغوية 88.
(37) السابق 89.
(38) المباحث اللغوية 94.
(39) مبحث في سلامة اللغة العربية رقم (2)، ص214.
(40) المباحث اللغوية 105 وانظر ص99، 100.
(41) مجلة مجمع اللغة العربية م7 ص158، كتاب في أصول اللغة – مجمع اللغة العربية بمصر ص49.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.