Take a fresh look at your lifestyle.

التطرف .. أسبابه وعلاجه

0 53

   التطرُّف             

              التطرف لغةً: هو الغلو والإفراط، وهو عكس الاعتدال ،

              والاعتدال: الاستقامة والاستواء وهو التوسط (بين حالين)

    ومنه: اعتدل الجو إذا صار بين الحار والبارد(1).

            ولم تختلف القواميس الأجنبية في تعريف التطرف، فقد ورد في (قاموس أكسفورد وتحت عنوان (Extremity) أي التطرف جاءت العديد من المعاني، منها: (هو النهاية القصوى في أي خط أو سلسلة متدرجة).

            ومنها: (هو شدة المغالاة، أو العنف في الانفعال والسلوك).

            ومنها: (هو الغلو في الاعتقاد والسلوك) (Obers chall 1973).

            وتكاد القواميس الأجنبية تتفق على أن التطرف هو تجاوز حد الاعتدال والغلو في الاعتقاد والسلوك)(2).

           أما اصطلاحاً : فقد عرَّف علماء الاجتماع التطرف بأنه (التعصب في الرأي وتجاوز حد الاعتدال فيه، وما يترتب على هذا التعصب من ألوان السلوك الإنساني00 العنيف أحياناً، اللا إنساني أحياناً أخرى)(3).

          وفي تعريف آخر: (أنه أسلوب مغلق للتفكير يتسم بعدم القدرة على تقبل أية معتقدات تختلف عن معتقدات الشخص أو الجماعة)(4).

           وفي التعريفات القانونية: (إن التطرف هو المعاملة القاسية والعنيفة)(5).

           أما في التعريفات السياسية فقد أورد قاموس السياسة المعاصرة: (التطرف هو الموقف المتوتر إلى أقصى حد)(6).

               وتكاد تجمع جميع العلوم على تعريف التطرف بأنه ابتعاد عن الوسطية والإعتدال في الاعتقاد والسلوك.

             أما في الفكر فهو شعور المرء أو الجماعة بامتلاكهم كل الحقيقة، مما يولد لديهم قناعة كاملة بصحة ما عندهم.

            إن الاختلاف في الرؤى أمر طبيعي، وقد خلق الله الناس مختلفين في قناعاتهم ووجهات نظرهم، لأن العقل الإنساني مبدع بتكوينه، والإنسان يتصرف ويرى الأمور بمنظار هذا العقل، أو قد يغير الإنسان رأيه بنمو عقله، وهذه ظاهرة صحية ومطلوبة، فينتج عن ذلك الرأي والرأي الآخر، وليس كالحيوان الذي يتصرف وفق غريزته فقط.

            إلى هنا لا ضير ولا بأس في هذا الاختلاف، أما البأس والخطر فإذا تعدى تلك الحدود وصارت اعتقاداتهم وقناعاتهم تدفعهم إلى تسفيه آراء المخالفين لهم والسخرية منها، بل إلى محاولة تصحيح قناعات الآخرين وإقناعهم بوجهات نظرهم، فإن اقتنعوا بها وساروا وفقها، فبها ونعمت، وإن لم يقتنعوا بها وكانت لهم وجهات نظر مغايرة مارسوا ضدهم العنف وبطريقة انفعالية خالية من التوازن والاعتدال، لأنهم اعتبروهم أعداء وتصرفوا معهم على هذا الأساس.

           ولأن هذا التطرف نابع من قناعات عقلية ، فقد اعتبر من أخطر أنواع التطرف، لأنه حالة مرضية يمكن أن تسري عدواها وتنتقل داخل المجتمعات. وتشتد خطورتها بدرجة ازديادها، فكلما ازداد التطرف شدة ازدادت خطورته.

 

  أسبابه:

         لو توغلت في معرفة أسباب التطرف، ستجد أن السبب الرئيس هو القناعات والتأثر بأفكار أو بشخصيات معينة باعتبارها القاسم المشترك لمعرفة الحقيقة، وأخذ كل شيء عنها واعتباره من المسلمات، فكراً وعقيدة وسلوكًا ويشمل الحب والكره والعداء.

           أو بتعبير آخر الحب والهوى لتلك الأفكار والشخصيات هو الدافع والمحرك الذي يجعلهم يحبون ويبغضون ويحاربون، دون اعتبار لمقاييس العقل والمنطق، بل العمى والصمم الكامل التام لنداء العقل والمنطق.

              وقد تحدث القرآن الكريم عن مثل هؤلاء وفي مختلف الأمم والعصور وفي موارد كثيرة، منها:

           ـ (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)(لقمان:21).

             ـ (.. وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى..)(فصلت:44).

          ـ (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ)(محمد:16).

            إن جوهر الخطأ الذي مني به المتطرفون هو أخذهم الحق من الجهات أو الأشخاص الذين يهوون ويحبون، واعتبارهم كل ما يصدر عنهم حقًا وعدلًا وكل ما يصدر عن سواهم باطلًا وظلمًا، فقد اعتمدوا في معرفة مقياس الحق من تلك الجهات، وليس العكس، في حين يضع لنا أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتغير الأزمنة والأمكنة، في كيفية معرفة الحق فيقول (عليه السلام):
           (لا يعرف الحق بالرجال، وإنما تعرف الرجال بالحق.. اعرف الحق تعرف من أتاه، واعرف الباطل تعرف من أتاه)(7). ومثله قوله (عليه السلام): (الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله)(8).

 

  الإسلام دين الاعتدال والوسطية:

         الإسلام دين وسط يرفض الإفراط، والتفريط، والخروج عن الاعتدال، قال تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ..) (الأعراف:29).

              (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً..)(البقرة:143).

            لقد وضع الإسلام قاعدة (لا إفراط ولا تفريط) التي تكاد تكون شاملة لكل مناحي الحياة، حتى الأمور العبادية منها، فلقد جاءت الأحاديث الشريفة مسمية (الإفراط والتطرف في العبادة) باسم (التعمق)، منها قوله(صلى الله عليه وآله): (إياكم والتعمق في الدين، فإن الله تعالى قد جعله سهلاً، فخذوا منه ما تطيقون)(9).

          وقال(صلى الله عليه وآله) أيضًا: (يا عليّ، إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربّك)(10).

            فـ(هذا التطرف بمعنى الغلو في الدين، أي التطرف في العبادة أو في السلوك الدعوي بمعنى تحميل النفس ما لا تطيق أو الزيادة في أي أمر من الأمور على ما طلبه الشارع الحكيم فهو في معظمه سلوك فردي، وغير قابل للتوسع والانتشار، وإن كان البعض يروج لمثل ذلك ويسعى لفرضه على الآخرين)(11).

            وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل هناك بأس من التعمق في الدين؟

          ويجيب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) على هذا السؤال بقوله : (إنَّ أقواماً يَتَعَمَّقونَ فِي الدّينِ يَمرقونَ مِنهُ كَما يَمرقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)(12).

           وهذا أمير المؤمنين(عليه السلام) يعنف أحد أصحابه حين كلف نفسه مالا يأمر به الله ولا سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو يظن أنه متعمق في العبادة!

            فقد شكى العلاء بن زياد الحارثي أخاه عاصم بن زياد إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) (فقال(عليه السلام): وماله؟

            قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا.

            قال(عليه السلام): عليَّ به.

           فلما جاءه قال (عليه السلام): يا عَدِيَّ نفسه! لقد استهام بك الخبيث (ويعني الشيطان)! أما رحمت أهلك وولدك! أترى الله أحل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون على الله من ذلك!

            قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك!

          قال (عليه السلام): ويحك، إني لست كأنت، إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره)(13).

             إذن هو استحواذ من الشيطان وخروج من الدين،[فالتعمّق هو التطرّف والإفراط، وإذا ما جُعل ميزاناً لأفعال الآخرين فلا يُنتج إلاّ الحكم الجائر، فيرى الحقّ دوماً في جانبه، وليس للآخرين حظٌّ منه، وهذا النوع من الرؤى هو الذي يسبّب الفرقة، ويستتبع الزيغ ويوجِد الشقاق،

            وبالتالي يصبح دعامة للكفر، وحسبنا في المقام كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في بيان هذه الحقيقة، وأنّ التعمّق أحد أُسس الكفر، إذ يقول: (والكفر على أربع دعائم: على التعمّق، والتنازع، والزيغ، والشقاق، فمن تعمّق لم يَنُب إلى الحقّ)(14).

            ومثل هؤلاء المتعمّقين بتماديهم في ظنونهم وأوهامهم، وإغراقهم في أفكارهم، ومن ثمّ أساليبهم المفرطة، لا يجدون مجالاً للإنابة إلى الحقّ، ومن هنا لا ينقادون للإسلام، وهل الإسلام إلاّ التسليم للحقّ، والإقرار به، والخضوع له بعد فهمه؟](15).

 

  معالجة التطرف:

             في سبيل الحد من التطرف لابد من استخدام أساليب الإقناع وعدم اليأس منها، أما إذا استخدمنا العنف في محاربته فسنقع في تطرف آخر يساويه بالمقدار ويعاكسه بالاتجاه.

              فإذا لم تنفع أساليب الإقناع، فبتركهم، قال تعالى:

           (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ)(سبأ:26). ما لم يعتدوا فيستخدمون القتل والإرهاب وسيلة لهم، وكما تعامل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) مع الخوارج الذين كفّروه وكفروا أصحابه، ويرون كل من لا يوافقهم على عقيدتهم مشركاً أو كافراً، فلم يقاتلهم على آرائهم ومعتقداتهم، وإنما أوصى أصحابه قبل نشوب القتال بينهم بقوله: (كفّوا عنهم حتّى يبدأوكم)(16).

           وقال في وصيته(عليه السلام): (لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه)(17).

           فالخوارج مرقوا من الدين بسبب تطرفهم رغم أنهم كانوا يطلبون الحق ولكنهم أخطأوا في تحصيله، فإن نشر الدين والدعوة إليه يجب أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالعنف والإرهاب، وإنما قاتلهم الإمام(عليه السلام) لأنهم قتلوا المؤمنين من الرجال والنساء والأطفال واستباحوا دماءهم وأموالهم ولم ينصاعوا إلى الحق، بل أصروا على جرائمهم وشهروا سيوفهم بوجه الإمام(عليه السلام) وقاتلوه.

            [عن الحسن قال: لما قتل الإمام علي(عليه السلام) الحرورية (الخوارج) قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين! أكفارٌ هُم؟

         قال (عليه السلام): من الكفر فروا، قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله كثيرا،

             قيل: فما هم؟

             قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا وبغوا علينا.. وقاتلونا فقاتلناهم](18).

          فـ [لو اقتصر التطرف على المجال الفكري أو الاعتقادي لكان خطره الاجتماعي أقل، ولكن المشكلة أن معظم فرق وجماعات التطرف لا تقف عند حدود الفكرة بل لا تلبث أن تتجسد في ممارسات عملية تظهر على أرض الواقع تكفيراً وإخراجاً من الملة، ويعقب ذلك هدر للدماء، وفتاوى بقتل المخالفين في الفهم أو التأويل والتفسير بتهمة الكفر](19).

            صادرة من أناس لبسوا عباءة الدين ونصبوا أنفسهم في مقام الإفتاء والحكم، لأنهم وجدوا شريحة كبيرة من الجهلة من يتعبدون بفتاواهم الضالة المضلة التي لم ينزل الله بها من سلطان، فكفّروا الملايين من المسلمين، ليتسببوا في سفك دماء الأبرياء وانتهاك أعراضهم وسلب أموالهم.. وإلى الله المشتكى وعليه المعول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

——————————————————-

الهوامش:
(1) معجم ألفاظ الفقه الجعفري، الدكتور أحمد فتح الله، ص310، معجم لغة الفقهاء، ص392.
(2) موقع رحماء، قراءة في واقع ظاهرة التطرف الشيخ مصطفى ملص.
(3) سيد عويس، بحث الحركات الدينية المتطرفة المركز القومي للبحوث الإجتماعية والجنائية 1982.
(4) سمير أحمد نعيم، محددات التطرف الديني في مصر، مجلة المستقبل العربي عدد 131/1990.
(5) حارث سليمان الفاروقي، المعجم القانوني، دار النشر الليبية، طرابلس 1962.
(6) قاموس السياسة المعاصرة، مكتية ليبيا، 1975 م وهبة بالإنجليزية.
(7) في ظلال نهج البلاغة، محمد جواد مغنية ج2 ص235.
(8) روضة الواعظين، للفتال النيسابوري، ص31.
(9) الصحيح من سيرة النبي
الأعظم(صلى الله عليه وآله)، السيد جعفر مرتضى العاملي ج25 ص300.
(10) الكافي، الكليني ج2 ص87.
(11) موقع رحماء، قراءة في واقع ظاهرة التطرف، الشيخ مصطفى ملص.
(12) موسوعة العقائد الإسلاميّة، محمّد الرَّيشهري، ج3 ص333.
(13) نهج البلاغة، ج2 ص187.
(14) نهج البلاغة: الحكمة، 31.
(15) موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في الكتاب والسنّة والتاريخ، محمّد الرّيشهري، ص263.
(16) أنساب الأشراف، ج2 ص 371.
(17) نهج البلاغة، ج1 ص108.
(18) كنز العمال، المتقي الهندي، ج11 ص300.
(19) موقع رحماء، قراءة في واقع ظاهرة التطرف، الشيخ مصطفى ملص.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.