Take a fresh look at your lifestyle.

عرض كتاب.. التشيع والاستشراق للدكتور عبد الجبار ناجي

0 77
              ما زال محور الاستشراق مثار جدل وتفاوت حاد بين الباحثين العرب في نمط تلقيهم لاتجاهاته العامة، فهناك تشعب كبير في أنماط التلقي والصور المكونة عن المستشرق وعمله، قد تتجاوز أحيانا الاهتمام بالموضوعات التي أخضعها الاستشراق للمعالجة والبحث،
            ومن دون شك هناك الكثير من الفواعل التي أطرت تلك الأنماط وأخرجتها بصورتها الخاصة، منها ذاتية متعلقة بالتركيبة المعرفية والثقافية لصاحب الرؤية، ومديات انفتاحه على المناهج العصرية في القراءة والسبر والكشف عن المسكوت عنه لمطاوي النصوص، ويدخل هنا عنصر إجادة اللغات الأجنبية وإتقانها بوصفه مقدمة ضرورية وعنصرا رئيساً من عناصر التعاطي مع هكذا موضوعات، إذ لا يستقيم العمل ويأخذ جديته من دونها .
            أو فواعل خارجية متأثرة بالمحيط السياسي والديني العام وموقفه من الغرب والاستعمار والذاكرة التاريخية والحروب الصليبية وهي مواقف كانت جزءا من ردود الفعل لواقع يعيش نكبات وانغلاق سياسي مزمن، وعلى وجه العموم أخذت تلك القراءات محورين رئيسين تمركزت عليها مختلف التفصيلات للمنجز الاستشراقي:
          محور متوجس ومشكك في كل المجال الإستشراقي، إذ يجد أنه أحد الأساليب الاستعمارية المتجددة في الهيمنة والاستيلاء، وضع هذا الصنف قبلية ثابتة لمجمل قراءاته، صاغ على وفقها كل التفاصيل الفرعية، وقد مثل هذا النوع مجموعة من الباحثين والدارسين ذو مرجعية سلفية أصولية، تلقى معظمهم تعليمه داخلياً على وفق المناهج التقليدية .
          فيما اختلفت وجهة نظر المحور الثاني الذي انفتح على جهود المستشرقين وتعاطى معها بإيجابية، وعدّها مرحلة ضرورية ضمن مراحل تطور الدراسات الشرقية، لما تحويه من جدية منهجية عالية في التركيب والتفكيك والتحليل، وركز هذا النوع على تقصي البعد المعرفي والفكري الذي احتوته تلك الدراسات عبر مواضيع المركزية الأوربية وقراءة الذات من خلال الآخر وغيرها من الميادين الفكرية ، وأكثر ما عبر عن هذا المنحى، باحثون تلقوا تعليمهم في الجامعات الغربية أو من تابع بجدية المناهج والأبحاث الحديثة وتواصل مع ميدان الحداثة وتطوراته، وهذا لا يعني أن هذا الصنف لم يوجه النقد إلى المستشرقين، غير أن نقودهم لم تتسم بالقطيعة الشاملة، كما جرى الحال بالنسبة للفريق الأول.
           يبدو أن كتاب (التشيع والاستشراق ) ينتمي في توجهه العام إلى الصنف الثاني، إذ خاض مؤلف الكتاب في ديباجته في تلك التيارات المتقاطعة في قراءة الاستشراق واستقباله عربياً، إذ عرض لبعض تلك النماذج وطريقة استيعابها ورؤيتها المختلفة .فكان لديه وعي وتصنيف لما أنجز من قراءات متنوعة في المرجعية والرؤية.
           وفي المقابل تنوعت العوامل التي حركت الاستشراق ودعته إلى التكثيف والتخصص في دراسة التشيع بين عوامل سياسية لمتابعة التحولات العميقة في بنية الشرق السياسية والدينية، وقد تعود جذور هذا الاهتمام إلى مرحلة سابقة للجهود الأكاديمية المنظمة وفق المناهج العصرية، فتفشي كتب الرحلات الأوربية في العصر الحديث إلى اهتمام مضاعف في استيعاب أسباب النزاع الصفوي العثماني الذي اكتسب في واحد من أبعاده صفة مذهبية بين التشيع والتسنن، وهي أوقات كانت أوربا تتحين الفرصة للولوج والنفاذ إلى الشرق بشكل قوي.وعوامل علمية بحته ترتبط في كثير من تفاصيلها بجوانب علمية كانت جزء من التراكم المعرفي لدراسة الشرق والإسلام.
           والذي يلحظ على حركة الاستشراق أنها قد شهدت تغيرات عميقة، فلم تعد الصورة القديمة ذاتها عن شخصية المستشرق وانتمائه العرقي ثابتة كما في السابق لمن يزاول دراسة الشرق وفروعه، فنلحظ أن دراسات هامة قد أنتجت في هذا الميدان، كان أصحابها ذوي أصول شرقية أو إسلامية كما في نموذج مدرسي طباطبائي من إيران والمقيم في الولايات المتحدة وساجدينا من اندونيسيا وغيرهم من الباحثين/المستشرقين وقد يعيد هذا التحول النظر في تعريف المستشرق .لكن الأهم من ذلك في دواعي هذا التحول التي قد يكمن في انتماء هكذا باحثين إلى أصول شرقية وإسلامية مما يعني إطلاعهم الواسع وإجادتهم للغة والمحيط الثقافي والاجتماعي .
           وربما يثير عنوان الكتاب (التشيع والاستشراق) أكثر من تساؤل واستفسار، فجرت العادة أن يكون هنالك تقابل موضوعي وجنسي في تركيبة العنوان، فالفظة التشيع تحيل إلى مذهب إسلامي أو إلى حقل من حقول دراسة الأديان والمذاهب وقد تختلف لفظة التشيع عن لفظة(الشيعة) فالأخيرة تحمل معنى الثبات أو الإشارة إلى اسم طائفة أو مذهب بعينه، أما اللفظة الأولى فتمتاز بالحركية وفقاً لاتساع رقعة الجغرافية الدينية وفيها تخصيص عال لبحث الديمغرافية الدينية وتركيزها على دراسة التدين واتساعه أكثر من التركيز على الجوانب التاريخية التقليدية البحتة للمذهب، فمن العادة إن يكون هناك تناظر اصطلاحي،
            فعلى سبيل المثال الذي يقابل التشيع بوصفه مصطلح ذو دلالة ثابتة في الأذهان، مصطلح التسنن أو التصوف أو السلفية وغيرها من الاصطلاحات المتقابلة المنتمية إلى حقل مشترك، ويبدو إن الحال مشابه لطرف المعادلة الأخرى الخاصة بالاستشراق فمن المتوقع أن يكون له معادل اصطلاحي يوازيه في الدلالة والجنس مثل الاستعراب أو الاستغراب أي :الدراسات التي تخرج من الشرق لاستيعاب الغرب وتناوله بوصفه ميدان للدراسة والتشريح كما فعل الغرب عندما اخضع قرينه الشرق لتلك الدراسات المستفيضة والتي أطلق عليها اسم جامع «الاستشراق»
            كما يلحظ في عنوان الكتاب أولوية تنظيمية أو تراتبية معطاة للفظة التشيع على الاستشراق، ويبدو أنها لم تكن صدفة أو غير واعية، فجوهر الكتاب قائم على هذه الجدلية المؤثر طرفها الأول بالثاني ــ فالتحدي القائم على مفهوم توينبي ــ للتشيع، كانت تقابله استجابة استشراقية موازية له، وهذا قد يفسر كثيراً منحنى التطور الحادث في الدراسات الاستشراقية حول التشيع وأفكاره،
           فازدياد الاهتمام المتصاعد بدراسة هذا المذهب على مستوى الكم والنوع في وجهه الآخر تعبيراً عن مدى الحيز الذي اخذ يشغله التشيع في مجال الدراسات الإسلامية للباحثين التي هي انعكاس مباشر لبعض التطورات المفصلية التي حدثت في تاريخ هذا المذهب المعاصر كما في التطورات الدينية والسياسية المفصلية في إيران بعد العام 1979م . أو العراق بعد العام 2003م.
            والطريق العام الذي يسلكه الكتاب في حركه معالجتة للموضوعات المنتخبة للبحث، تكاد تنتقل من العام إلى الخاص، أو من القاعدة إلى الرأس، إذ لم يقتف المنهج الاسترجاعي، ويبدو ان الطبيعة البيبلوغرافية للموضوع قد فرضت هكذا طريقة في المعاينة والفحص، فكانت تناولات الاستشراق في البدء قد اهتمت في عموميات الإسلام أو بالأحرى الإسلام السني وما كتبه عن الفرق الأخرى، وهي صورة قد شابتها الكثير من العمومية المفرطة والمغالطات التاريخية .
            ثم بدأ بعد ذلك تحول كبير في تلك الدراسات، نتيجة لتخطي مرحلة البدايات، وتكور مادة علمية عن التشيع، سعت الأجيال الاستشراقية إلى تجاوزها وتقديم مادة ورؤية جديدة، فكانت المرحلة اللاحقة معتنية بالاستجماع المصدري واعتماد المصادر الشيعية بوصفها المادة الأولية الأساس لاستيعاب التشيع وتطوراته المتلاحقة في العالم الإسلامي، ثم أعقب هذا مرحلة أكثر عمقاً وعمودية من المراحل المبكرة، اتجهت إلى التعاطي مع موضوعات أكثر تخصصية وتقيداً.
           ويكاد الكتاب يغطي في مسحه المصدري لما كتب عن التشيع استشراقياً المدة المحصورة من القرن الثامن عشر الميلادي حتى الوقت الحاضر، إذ لم تركز خطته أو تفاصيله كثيرا على المدارس الاستشراقية منفردة، وإنما نحى باتجاه تقطيع المواضيع الشيعية.
            ومن الانفرادات الهامة التي امتاز بها الكتاب تعقبه الواضح لملامح الاستشراق الإسرائيلي ودراسته للتشيع، وهو استشراق نشأ حديثاً، لكنه قدم العديد من الدراسات الخاصة بالتشيع، وربما يكون العامل المحفز في هذا مرتبط بالتطورات الإيرانية بعد الثورة الإسلامية سنة 1979م.
           ومع المزايا التي يحملها الكتاب، تبقى الكثير من الموضوعات فيه بحاجة إلى تحليل أعمق ونقداًً أوسع، ولاسيما المتعلق منها بالرؤية والصورة التي بلورها الاستشراق التقليدي مقارنة بالدراسات الاستشرقية الحديثة، لكن تقييد عنوان الكتاب، بانه عرض نقدي قد يفتح الباب لباحثين آخرين في الخوض في تلك الموضوعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.