Take a fresh look at your lifestyle.

تاريخ مذهب أهل البيت(ع) تصحيح ومواجهة الشبهات والتشويه

0 99
          أ. د. حسن الحكيم
رئيس جامعة الكوفة
                  يتناول موضوعنا مصطلحي (المذهب) و(الشبهات) وإذا كنل نعني بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) المعتقد بمحتواه الديني والعقائدي وما يضم من مفاهيم سياسية واقتصادية. فإن النصوص تشير إلى ارتباط مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بالرسالة المحمدية في الأهداف والمبادئ والغايات، فالرسالة التي ناضل من أجلها رسول الإنسانية محمد(صلى الله عليه وآله) قد أصبحت أمانة في أعناق أهل البيت (سلام الله عليهم)،
حتى استشهدوا من أجلها، فقد كانت الشهادة أداة إيصال هذه الأمانة في الوقت الذي كان وجودهم مصدر قلق للحاكمين، فامن بآل البيت(عليهم السلام) أصحاب العقيدة السليمة والفكر الإسلامي الصحيح، فأطلق على هذه الشريحة المؤمنة لفظ (الشيعة) وقد حددت مصادر اللغة هذا اللفظ بالأتباع والأعوان والأنصار، وهو لفظ عام يمكن أن يلتصق بالكثير من الرجال والعشائر ولكن بأنصار أمير المؤمنين والأئمة من بعده(عليهم السلام) فإذا أطلق لفظ (الشيعة) تبادر إلى الذهن شيعة أهل البيت، أو عترة المصطفى (سلام الله عليهم) الذين (أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) وفق النص القرآني.
لقد أصبحت موالاة أهل البيت فريضة على المسلمين كما ورد في القران الكريم والحديث النبوي الشريف، فيقول المؤرخ ابن خلدون (ت808هـ): (اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والأتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه رضي الله عنهم)(1) وقد ذهبت بعض المصادر إلى أن لفظة الشيعة قد برزت في عصر الرسالة، فهناك رواية عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس عند تفسيره للآية الكريمة: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَريَّةِ) بأن النبي(صلى الله عليه وآله) قال لأمير المؤمنين(عليه السلام): (أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضابى مقمحين) ومن يتتبع كتب الحديث والمناقب والتاريخ والأدب يقف على أحاديث كثيرة في نشأة التشيع وامتداد جذوره وصولا إلى عهد النبي(صلى الله عليه وآله)، وقد حاولت السلطة منذ اجتماع السقيفة حتى وصول الأمويين إلى الحكم ـ عدا فترة خلافة الإمام علي(عليه السلام) ـ إبعاد اتصال التشيع بالرسالة تاريخاً مما دعا الأمويين إلى استئجار جماعة من الفقهاء والمحدثين والخطباء لغرض ترويج السياسة الأموية،
وتشويه عقيدة التشيع وكل من لا يسير في ركاب السياسة الأموية، حتى أصبحت معاداة أهل البيت ظاهرة بارزة، وإزاء هذا الموقف المعادي لآل بيت النبوة، أخذت الأحزاب المساندة لآل البيت(عليهم السلام) تجاهر معارضتها للسلطة الأموية، فالتف بعضهم حول الائمة(عليهم السلام)، يأتمرون بأوامرهم، وينشرون أفكارهم وينوبون عنهم إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك، في حين أن بعض الموالين أعلن الثورة والمناداة بأحقية آل البيت في العصرين الأموي والعباسي.
وهناك فئة ثالثة قد غالت في الحب للائمة(عليهم السلام) وأعطتهم صفات الألوهية والنبوة، وقد وقف الأئمة(عليهم السلام) بشدة بوجه أصحابها، وأوضحوا للناس فساد عقيدتهم ولعنوهم على رؤوس الأشهاد وقد حاولت السلطة أن تجعل من هؤلاء وسيلة للطعن بآل البيت(عليهم السلام)، وجندت طبقة من رجال العلم والفكر للنيل من التشيع السليم الصحيح، ولعب الامتزاج السياسي الفكري دورا في وضع الأحاديث المزيفة والموضوعة لصالح الدولة، وقد تفاقم الوضع في العصر العباسي، وقد حاول علماء الحديث والرجال وضع معايير علمية في تصنيف الأحاديث وفق مراتبها ووضع مصطلحات الجرح والتعديل لتصنيف الرجال الراوين للأحاديث من حيث الوثاقة وعدمها. وكانت حركة (الارجاء) إحدى القنوات لإسناد السلطة الأموية سياسيا، وحركة (أصحاب الحديث) لإسناد السلطة العباسية فكريا، وقد رافق هاتين الحركتين بروز حركة الزندقة على المسرح الفكري، وقد اتسع نطاقها في العصر العباسي وعلى الرغم من تجنيد السلطة أجهزتها لقمع هذه الحركة فإنها لم تستطع إخمادها، وكان للإمام الباقر والإمام الصادق(عليهما السلام) دور بارز في إيقاف حركة الزندقة، فقد تصدى الإمام الصادق(عليه السلام) بنفسه لمناظرة زعمائها تارة، وأوكل من ينوب عنه تارة أخرى، وقد أملى على تلميذه المفضل بن عمر اماليه التي جمعت في كتاب (التوحيد) للرد على الأفكار الهدامة(2)
وقد حذر بن المقنع عبد الكريم بن أبي العوجاء من الاجتماع بالإمام الصادق(عليه السلام) حتى لا يفسد عليه فكره، وتبرز خطورة ابن أبي العوجاء في إدخال الأحاديث الموضوعة، فأشار إلى ذلك المؤرخ ابن الجوزي (ت597هـ) في كتابه (الموضوعات) إلى أن قال: (وضعت أربعة آلاف حديث احرم فيها الحلال، واحلل فيها الحرام، والله لقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم)(3)
وقد واجه آل البيت(عليهم السلام) تيارا فكريا خطيرا مناهضا لتعاليم الإسلام وهو (الغلو) في الائمة(عليهم السلام) وقد برز هذا التيار بعد استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) عام 61 حتى أن بعض المغالين من الصق بالأئمة صفات الربوبية والنبوة، وذهب بعضهم إلى القول بالتناسخ وقد أشار الشيخ الكشي إلى بعض أعلام الغلو كمحمد بن نصبر النميري(4)،
وكان الائمة(عليهم السلام) يحاججون هؤلاء في محاولة للعودة إلى الإسلام الصحيح السليم، والابتعاد عن الغلو وما لحق به من إضافات، وقد حاول بعض الكتاب الابتعاد عن هذه الحقيقة، وعد هذه الشبهة طريقة للطعن بمذهب التشيع.
وكان الائمة (سلام الله عليهم) قد تصدوا بعنف للذين يصنعون الأحاديث ويفترون على الله كذبا، بعد أن شاعت بين الناس آلاف الأحاديث الموضوعة والسقيمة والضعيفة، فوقف الإمام الصادق(عليه السلام) بين الناس وقال: (لا تقبلوا منا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد (لعنه الله) دس في أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا(صلى الله عليه وآله))(5). ولما ألصق أبو الخطاب بن محمد بن مقلاص صفة الألوهية بالإمام الصادق(عليه السلام)، وصفة النبوة لنفسه وانتشار دعوته بقوله: (لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت أبداً هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا والله ما صغر عظمة الله تصغيرهم شيء قط)(6)
.
ولما أخذت فكرة المشبهة والمجبرة بالانشار في المجتمع الإسلامي تصدى لها أئمة أهل البيت (سلام الله عليهم) عن طريق الحجة والمنطق ومن ثم البراءة منها، فيقول الإمام الرضا(عليه السلام): (ومن قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك ونحن منه براء في الدنيا والآخرة) وأورد الشيخ الصدوق(ت381هـ) في كتابه (عيون أخبار الرضا) نصوصا رد فيها الإمام(عليه السلام) على المشبهة والمجبرة، كما أن الإمام الصادق(عليه السلام) من قبل قد تصدى للمفوضة بقوله: (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين) ولما سئل عن معنى هذا القول أجاب: (من زعم أن الله عز وجل فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه(عليهم السلام) فقد قال بالتفويض والقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك) وحينما سئل عن معنى (أمر بين أمرين) قال: (وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، وترك ما انهوا عنه). وقد حث الإمام الصادق(عليه السلام) على تحري الحقائق ومن ثم تدوينها لأنها أمانة تقع مسؤوليتها على الباحث والكاتب فيقول: (اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا)(6)
وأراد عليه السلام أن يقول الرواية الشفوية معرضة للتشويه والإضافة والتحريف، وقد وقع هذا فعلاً حينما أحجم الكثير من الرواة على تدوين الحديث الشريف، وأخيراً وقعت الكارثة ودونت أحاديث موضوعية وضعيفة ومدسوسة، ولذا كان الإمام الصادق(عليه السلام) حريصا على إيراد الحديث الصحيح فيقول: (اعربوا أحاديثنا فإننا قوم فصحاء)(7).
إن خطباء المنبر الحسيني وأئمة الجوامع والمساجد، وأساتذة الجامعات وأصحاب الكلمة والحرف أمام مسؤولية تاريخية كبرى إزاء ما علق بفكر آل البيت(عليهم السلام) من دس وتشويه من قبل المغرضين والحاقدين، وذلك بتفنيد تلكم المزاعم بأدلة علمية ومنطقية وإبراز النصوص السليمة حتى يقف
عندها المتلقي باطمئنان على صحتها وسلامتها.
نشرت في العدد 9

(1) ابن خلدون: المقدمة ص138.
(2) المفضل بن عمر: التوحيد ص30.
(3) ابن الجوزي: الموضوعات 1/ 37.
(4) الكشي: الرجال 6/ 804.
(5) الكشي: الرجال ص146.
(6) المجلسي: بحار الأنوار 25/ 294.
(6) الكيني: الكافي 1/ 52.
(7) الشهيد الكافي: الرواية ص66.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.