Take a fresh look at your lifestyle.

من أعلام العلم والتربية محمد كاظم الملكي

0 179
                 لقد عانت الثقافة العراقية أزمة حقيقية خلال العهود المنصرمة وخاصة في عهد السلطة الدموية التي تمكنت من زمام الحكم بعد انقلاب (1968م)، فكان المثقف الأصيل يعاني من القيود التي فرضت على كتاباته، والويل كل الويل لمن يذكر سيرته بعد وفاته، خصوصاً لو كانت مؤلفاته عليها مسحة دينية.
وهكذا فقد غيبت أعمال كاملة وذهب تاريخ رجال أدراج الرياح اللهم إلا ما حفظته لنا اليد الأمينة أو ما تبقى من كتب تمجد إنجازاتهم، والتي ركنت على رفوف المكتبات.
ومن بين هؤلاء برز الأستاذ محمد كاظم الملكي، الرجل الموسوعي الذي امتلك خزيناً هائلاً من العلوم وراح يقلب كتب الماضين، فأخرج لجمهور القراء تراثاً ضخماً تنوع بين علوم الجبر واللغة والمثلثات والحيوان وهكذا دواليك… وقد قضى جُل عمره في التأليف والتحقيق والتدقيق مثله كالنحلة الدؤوب التي تنتقل بجد من زهرة إلى أخرى في بستان العلوم فتجمع من رحيق هذه وتلك وتقدمه عسلاً صافياً فيه لذة للشاربين، ولذا فقد ظلت آثاره شاهداً حياً على ما قدمه للمكتبة العربية والإسلامية من إنجازات راقية.
ومما يؤسف له أن الرجل لم يُنصف بالرغم من شهادة العلماء ولغير واحد منهم له بالألمعية والعبقرية، ولم يأخذ حقه في الدراسات الأكاديمية العليا سواء أكانت الدراسة في سيرته الذاتية أو في منهجيته، ولعل المستقبل وحده الكفيل في تسليط الضوء على مثل هذه الشخصية ومن الجدير بالإشارة فإن الباحث الأستاذ كاظم عبود الفتلاوي قد ترجم له في كتابه (المنتخب من أعلام الفكر والأدب)(1) وإن كانت الترجمة مختصرة.
حيــــــاته العامة:
لابد لنا من إطلالة على حياته العامة، والتي سوف تمكننا من معرفته بصورة أعمق(2).
ولد محمد كاظم بن العلامة الشيخ محمد صادق بن الشيخ رضا بن صاحب الملكي القزويني في إحدى قرى الشامية عام (1318هـ) الموافق لعام (1898م)، حيث كان والده الشيخ الجليل محمد صادق الملكي مرجعاً دينياً، يشار له بالبنان ومعروف بالفضل في تلك المنطقة، وقد نشأ محمد كاظم في كنف والده الذي لم يأل جهداً في تنشئة ولده تنشئة صالحة، هذا وقد أحاطه بهالة الحنان وأغدق عليه شآبيب الرعاية، وتمر السنين والوالد يرى في ولده ولعاً في العلوم فيدخله الكتاتيب ويهيأ له أرضية علمية خصبة تمكنه من التزود بالمعارف ومع هذا فقد لجأ محمد كاظم إلى الاكتساب في بيع المواد العطارية حفظاً لنفسه من السؤال ولكي يحصل على المال الكافي لشراء الكتب العلمية التي كانت ملاذه ومسكنه وكأن يطبق حرفياً قول شوقي (وخير جليس في الزمان كتاب) وما أن بلغ مبالغ الرجال حتى رُشح أن يكون مديراً لإحدى مدارس الديوانية،
كما عرضت عليه وظيفتين، وحينما تعرض لظروف اقتصادية قاسية، لجأ إلى قبوله بإحدى الوظيفتين وهي مدير المالية في مدينة الشطرة (قلعة سكر) ومع ذلك لم ينقطع صاحبنا عن التكسب والدراسة العلمية، وفي تلك المرحلة شد الرحال إلى حاضرة العلم ومدرسة العلوم الكبرى، النجف الأشرف، والتي سرعان انخرط في نواديها الثقافية ومنتدياتها العلمية والأدبية، اتصل بالشيخ محمد هادي الأميني فتتلمذ على يده ونشأت بينهما علاقة متينة، فكان صاحبنا يختلف إلى الأميني بين آونة وأخرى هذا وقد بلغ مرتبة علمية مرموقة أهلته كي يحمل اسم (صاحب الفضيلة) فكان يدرس ويُدرس وعندها شاعت نباهته بين الناس، الأمر الذي حدا بمديرية المعارف أن تعرض عليه وظيفة التعليم في مدارس مدينة النجف، فكانت المحطة الأولى له مدرسة غازي ثم تنقل بعدها من مدرسة إلى أخرى حتى استقر به المقام وفي سني عمره الأخيرة في مدرسة التهذيب، وعندما أحيل على التقاعد لم يترك دراسته الخاصة والحضور عند العلماء الأعلام وخصوصاً آية الله السيد عبد الهادي الشيرازي(قده).
وكان أيضاً كثير التردد على المهندسين الأجانب الذين غالباً ما يأتون لتولي شؤون إصلاح ونصب مكائن الماء والكهرباء والقائمين على نصب وترميم الجسور لذا فقد استفاد منهم في تعلم لغاتهم، فقد تعلم الإنكليزية والفرنسية وألم بمفردات هاتين اللغتين حتى أصبح قادراً على وضعهما في معجم منسق ومبوب، علاوة على إتقانه التام للعربية لغته الأم والفارسية.
وفي الثالث من شهر محرم الحرام عام (1391هـ) الموافق لعام (1970م)، التحق الأستاذ محمد كاظم الملكي بالرفيق الأعلى بعد عمر ناهز الاثنين والسبعين سنة، عمر دأب فيه على المطالعة والتأليف والتصنيف، تاركاً مؤلفات منها المطبوع والمخطوط.
وقفة مع آثـــــــاره:
1ـ المعجم الزوولوجي الحديث، ستة أجزاء (وسنلقي الضوء عليه).
2ـ الأصول الحديثة في مباحث الألفاظ، وفيه مباحث ومطالب للألفاظ في كتاب المعالم، وهي تقريرات أستاذه محمد هادي الأميني، أتمها عام (1958م) وطبعت بالمطبعة العلمية، ويقع الكتاب في (220) صفحة.
3ـ الآراء الراقية الحديثة في تيسير قواعد اللغة العربية، وبيان أسرارها وقد صدرها بقوله (… وقد لاحظت
القواعد في اللغة العربية لمعظمها شذوذ وانتقاض، حتى الكتب المؤلفة أخيراً، حيث ينظر الناظر إليها وبه مس من الحزن على جهدٍ أضاعه مؤلفوها… ثم يضيف … قمت في تحرير مسائلها وقواعدها) يبدأ الكتاب بموضوع النطق ومزاياه ثم يمر على القواعد موضوع تلو موضوع ويختم كتابه الذي يقع في (256) صفحة بموضوع حقيقة الإضافة وأنواعها، طبع عام (1958م) أيضاً.
4ـ حلول التمارين الجبرية (لتلاميذ مدارس الثانوية) بجزأين، وفي مقدمته يقول (لما رأيت من أجمل الهدايا التي يستطيع الإنسان أن يقدمها لأمته في الكتب، فطفقت بتأليف بعضها التي توافق مدارسنا الحاضرة ومنها حلول التمارين الجبرية لتلاميذ المدارس الثانوية راعياً بتقديم واضحاتها على مشكلاتها وسهلها على صعبها، ثم يضيف: والغرض الوحيد من وضع هذا الكتاب أن يحصل فيه مذلل لكل صعوبة تعتري الطلبة أثناء حلهم المسائل) يقع الجزء الأول في (164) صفحة، يبدأ بحل المسائل ذات المعادلات الرياضية البسيطة وينتهي بالمسائل الجبرية ذات المجهولين، والظاهر أن هذا الكتاب هو باكورة أعماله إذ طبع عام 1929م بمطبعة النجاح ببغداد.
أما آثاره المخطوطة فهي:
1ـ قاموس اللغات الأجنبية، بأربعة مجلدات لم يكتمل طبعها.
2ـ قاموس اللغة الفارسية، ويبحث في أصل الكلمات الفارسية وتمييزها عن الغريب الوارد فيها، مصور في مجدين لم يكتمل طبعه.
3ـ سمير الجوابين في اللغات الستة.
4ـ حلول تمارين حساب المثلثات.
5ـ أصل البراءة والاستصحاب، تعليقاً على كتاب محجة العلماء.
منهجية كتابه المعجم الزوولوجي:
هو موسوعة شاملة في علم الحيوان، والزوولوجي (Zoology) تعني: علم الحيوان، وهي لفظة انكليزية دخلت ضمن اللغة العربية إضافة لغيرها مثل البايلوجي والجيولوجي، ونجد مثل هذه المصطلحات تعج بها كتبنا، ولا نعلم السبب الذي حدا بالمؤلف أن يستعمل لفظة الزوولوجي بدلاً من الحيواني.
كما قلنا يقع الكتاب في ستة أجزاء تتوزع فيها (3500) صفحة مزودة بالصور، ويصدر المؤلف الجزء الأول من الكتاب بمقدمته حيث يقول فيها: (أما بعد فيقول العبد المفتاق إلى عفو ربه محمد كاظم بن محمد صادق الملكي القزويني: لما رأيت أن اللغة العربية مفتقرة إلى معجم زوولوجي علمي يجمع شمل أسماء الحيوانات
بكافة فصائلها ورتبها وأنواعها، قمت بوضع معجم من أوفى المعاجم في علم الحيوان وأولاها بالتعميم، ثم يضيف قائلاً: ذلك مجهود عشرين سنة قضيناها بين قراءة وكتابة وتحقيق وتنسيق وترجمة وتعريب وكنا كلما فرغنا من موضوع من المواضيع وظننا أننا وفقنا للغاية التي نتوخاها بان لنا وجه الاستزادة والإصلاح، حتى لقد كتبنا معظم مواضيعه بأيدينا خمس مرات).
يبدأ الجزء الأول بحرف الألف وينتهي الجزء الخامس بحرف الياء، أما طريقة العرض فتتم كالتالي:
1ـ ذكر اسم الحيوان وبالخط العريض الواضح باللغة العربية، ويقابله الاسم العلمي والانكليزي والفرنسي للحيوان.
2ـ ضبط الكلمة ووجه التسمية ويتم ضبط الكلمة وفق كتب اللغة، كما يعرض المؤلف أسماء أخرى تدل على نفس الحيوان إن وجدت.
3ـ فصيلته وطباعه، وتحت هذا العنوان تندرج الفصيلة التي ينتمي إليها، ثم يشرع المؤلف في ذكر الخواص الجسدية والوظيفية مروراً بطريقة تناسله وتكاثره وختاماً بطريقة معيشته. أما طباعه فتحوي صفاته ورغبته في التواجد بمواقع معينة، ويمكن القول عموماً إن دورة حياة الحيوان يتم ذكرها تحت هذا العنوان.
4ـ أدب المقال، وهذه التفاتة رائعة من المؤلف إذ يذكر فيها من المواضيع ما له علاقة بالحيوان في أدب المقال كأن يكون مثل من أمثال العرب أو ما له قصة أو قصيدة تتصل بالأدب.
اكتمل المعجم وطبع عام 1376هـ الموافق 1957م وقد نال استحسان العلماء والباحثين ولاقى نجاحاً منقطع النظير في ذلك الحين.
وبهذا العرض الموجز لمنهجية الملكي نكون قد سلطنا شعاعاً بسيطاً على سيرته ومؤلفاته القيمة، وكلنا أمل في إخراج المخطوط من أعماله إلى الواقع كي تعم الفائدة المرجوة خصوصاً في بلدنا بلد
العلم والعلماء.
نشرت في العدد 9

(1) الفتلاوي، المنتخب من أعلام الفكر والأدب ص591.
(2) المعلومات زودني بها ولده الحاج أرشد الملكي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.