Take a fresh look at your lifestyle.

كتاب المهدي المنتظر(ع) عند الشيعة الإثني عشرية للدكتور جواد علي

0 416
                         أصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه نال فيها جواد علي (1907ـ1987م) درجته العلمية من جامعة هامبورغ الألمانية في العام (1939م)، بإشراف المستشرق الألماني المتخصص في الدراسات الشيعية (شتروتمان) وغدت هذه الدراسة منذ إجازتها مرجعاً مهماً للدراسات الإسلامية في اللغة الألمانية بعد طباعتها ككتاب.
وعرف الدكتور جواد علي في الأوساط العلمية والأكاديمية بتخصصه في تاريخ العرب قبل الإسلام، إذ أنجز أضخم موسوعة علمية باللغة العربية والموسومة بـ(المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) (10 أجزاء) معتمداً في تأليفها على مجموعة كبيرة من المصادر المدونة باللغات الألمانية والإنكليزية، واللغات الميتة كالمسند، متبعاً فيها منهجية تاريخية رصينة.
بيد أنه لم يعرف لليوم دواعي احجامه في نقل هذه الدراسة إلى لغته الأم، بالرغم من جدتها والموضوعية المرتسمة فيها.
والكتاب في نسخته العربية المترجمة في العام (2005م) متكون من (318) صفحة من القطع المتوسط، إذ أوكلت منشورات الجمل نقله عن الألمانية للدكتور أبو العيد دودو، وكما يظهر من سيرته العلمية أن له تمرساً مشهوداً في النقل عن الألمانية لأكثر من دراسة، لكن مما يؤاخذ عليه تصرفه في العنوان الأصلي للكتاب وهو (المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية) وهناك فارق ما بين العنوانين فالأول يتحدد بنهاية عهد الغيبة الصغرى، فيما يحمل الثاني صفة الإطلاق بمعالجة فكرة المهدي في مختلف مراحل تاريخ الشيعة. وقد تكمن وراء ذلك التحوير دوافع تجارية للناشر تجعل من عنوان الكتاب صفة ذات عمومية أكثر منها خصوصية.
وجاءت هذه الدراسة يوم ذاك لتسد نقصاً ملحاً ليس في الدراسات العربية فحسب، وإنما في الأوساط الإسلامية المعروفة بسابقتها في هكذا موضوعات، هذا ما حاول المؤلف أن يؤكد عليه في مقدمته، عند تضمينه لمجموعة من استشهادات المستشرقين المختصين، منها نص (يراون) الذي جاء فيه: (إننا لا نملك عرضاً مفهموماً موثوقاً به عن مبادئ الشيعة في أية لغة أوربية)(1).
وأعطى المؤلف في بحثه تقييماً موضوعياً للدراسات الاستشراقية التي مست بعض جوانب الموضوع، فصنفها على قسمين، القسم الأول دراسات نمطية قديمة ابتعدت عن الموضوعية والدقة لاستمرار اعتمادها في الحديث عن الشيعة على مصادر مناوئيهم ومخالفيهم، ومنها دراسة المستشرق (نيبرغ) الصادرة سنة (1925م)، وقسم آخر اتبع منهجاً جديداً أقرب للعلمية لاتكائه في موارد معلوماته بالدرجة الأولى على المصادر الشيعية، على غرار ما فعله مشرفه المستشرق (شتروتمان) في بحثه عن الاثني عشرية(2).
وقدم الدكتور جواد علي في مستهل دراسته تحليلاً داخلياً لبعض المصادر السنية، الكيفية التي تناولت بها فكرة المهدي وغيبته، وحذر من الافتراء والافتعال المنتاب سطورها، فيشير لذلك بقوله: (مثل هذه النوايا لم يحمل المقريزي بأن العقيدة الأصلية للشيعة قد جاءت من اليهودية فابن حزم الظاهري والشهرستاني وغيرهما من أصحاب الطوائف ليسوا ببريئين من مثل هذه الآراء الخاطئة… مثل ابن خلدون الذي روى أن المهدي كان قد دخل سرداب ببيت متطرف من بيوت الشيعة بالحلة وغاب فيه)(3).
بنى المؤلف دراسته على فصل أول تناول فيه أبرز علماء الشيعة ومصنفاتهم، منذ عهد الأئمة(عليهم السلام) حتى وقته، ورأى في ذلك ضرورة من أجل تتبع التطورات التي مرت فيها فكرة المهدي أو السفراء الأربعة، فأحصى (87) عالماً شيعياً متبعاً في ذلك الترتيب الزمني فابتدأ بترجمة (أبو الحسن بن علي بن خصال) وانتهى بـ(السيد حسن صدر الدين) المعاصر له، ويشار أن نواة هذا الفصل ولبه عبارة عن رسالتين قد تبادلهما مع السيد هبة الدين الشهرستاني الأولى بتاريخ (1936م) يوم كان الشهرستاني رئيس محكمة التمييز الجعفرية والأخرى في العام (1937م) وهي عبارة عن إجابة لعدد من الأسئلة(4).
ويلاحظ على الفصول المتبقية من الكتاب أنها قد انشطرت في معالجتها إلى شطرين، الأول تناول فيه فكرة المهدي وتطوراتها في عهد الأئمة(عليهم السلام) وخصها بفصلين، ففي الفصل الثاني حاول البحث عن المسببات الفعلية في التجاء الأئمة(عليهم السلام) بعد الإمامين علي بن أبي طالب وولده الحسين(عليهما السلام) إلى العلم وترك السياسة وشؤونها وعزى ذلك لمبدئية الأئمة(عليهم السلام) وأخلاقهم التي لم تبح انتهاج أساليب وأدوات معارضيهم في الوصول إلى الحكم ورئاسته، لذا فضلوا الانكباب على العلم وعدم الاستجابة لدعوات كثيرة كانت الظروف للوهلة الأولى تبدو فيها مهيأة إليه.
وبرز الكاتب أن الضغوط السياسية من قبل السلطة اتجاه الأئمة(عليهم السلام) ومحاولاتهم المتكررة في اخضاعهم ووضعهم تحت أعين المراقبة. ونقل إقامتهم من المدينة إلى بغداد ومن ثم إلى سامراء واستعمال القتل في أحايين عديدة والاغتيال، أسهم في فكرة الاختفاء حفاظاً على الأئمة(عليهم السلام) ونسبهم وبلغ ذلك ذروته في عهد الإمام الحادي عشر(عليه السلام).
وتعرض الكاتب للروايات الخاصة بمولد
الإمام المهدي (عجل الله فرجه) والكيفية التي كانت فيها الولادة، وهي روايات متباينة ومتضاربة في بعض تفاصيلها، بيد أنه رجح رواية (حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)) المشابه فحواها لولادة عيسى بن مريم(عليه السلام)، لقرب روايتها من زمانية الحوادث ومكانيتها(5).
وعنون الفصل الثالث بـ(الغيبة والرجعة) وقد تمحورت الأفكار الرئيسة فيه حول معالجة إشكالية السرداب وطبيعة شخصية (عبد الله بن سبأ)، وحاول المؤلف في هذا أن يعارض الآراء المستقرة في حينه بشأن تلك الأفكار سواء في المصادر القديمة أو المراجع والدراسات الحديثة، وأن يدلل إن لكفرة الغيبة إرهاصات وممهدات سبقت عهد الإمام(عليه السلام) وإن كان بعضها منحرفاً عند عدد من الفرق، لكنها تؤشر أن الذهنية كانت تعي تلك الأفكار وتمارسها بطرائق متباينة.
وينتهي القسم الأول للكتاب، وإن لم يقسمه على هذه الشاكلة مع عهد الغيبة الصغرى، إذ خص كل سفير من السفراء الأربعة بفصل خاص به، تابع في ثناياه التطورات السياسية للدولة العباسية وأثرها على حركة السفراء، وركز على جهود علماء التشيع البارزين في هذه الحقبة كـ(آل نوبخت) و(آل يقطين) وغيرهم في تنشيط علم التوحيد.
وخلصت هذه الدراسة إلى نتائج رئيسة كان أبرزها أنه من غير الممكن دراسة تاريخ الشيعة بعمق من دون تتبع سير علمائهم وما حوته مصنفاتهم. كما كشفت عن هشاشة بعض الآراء الاستشراقية المعتمدة حين ذاك. كذلك نبه البحث بضرورة الاعتداد بالمصادر الشيعية المتأخرة لاحتوائها على مرويات مصنفات متقدمة فقدت أصولها.
نشرت في العدد 9

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.