Take a fresh look at your lifestyle.

الشريف الرضي.. الشاعر الثائر

0 22

د. حافظ المنصوري
كلية الآداب/ جامعة الكوفة

                  مرت في 6 محرم الذكرى الأليمة لوفاة أشعر الهاشميين الذين هم أفصح العرب العرباء، فرع الشجرة النبوية، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، أعظم شاعر تنسم هواء العراق، وأشعر القرشيين، أبي الحسن محمد بن الحسين الشريف الرضي شاعر العاطفة والوجدان، القارة المنسية التي تنوء بالكنوز كما وصفه الدكتور عبد الإله الصائغ.
الحديث عن الشريف الرضي ذو شجون، فإن المرء يحار من أين يلج هذا البحر الزاخر المترامي الأطراف، فالرضي أمة برأسه، وهو وعاء ممتلئ عبقرية وإبداعاً، متلألئ كالشمس في نهارها، ساطع كالقمر في ليله.
ولكني أريد أن ألج جانباً واحداً من بين هذه الجوانب ذلك هو الشريف الثائر المتمرد على عصره ودهره، على مكانه وزمانه، على أعدائه وأصدقائه على مجتمعه وناسه، فهو ثائر في فخره ومدحه، في رثائه وغزله، ولا عجب إذا قلنا أن ديوان الشريف الرضي البالغة صفحاته (986) كله ثورة ولا تخلو قصيدة من قصائده في أغراض شعره من الرفض والتمرد إن لم نكن مبالغين ذلك.
ولا ريب ـ عزيزي القارئ ـ فإن التحولات والمنعطفات الخطيرة التي شهدها القرن الرابع للهجرة ـ عصر الشريف الرضي ـ مدعاة إلى التمرد والثورة لدى كل عنصر عربي حريص على أمته ودينه كالشريف الرضي سليل الدوحة النبوية الشريفة.
إن عصره هو عصر السيطرة الأجنبية على مقاليد الحكم وانحسار السلطة العربية الإسلامية أمام النفوذ الأجنبي الدخيل، فلا عجب إذا رأينا الشريف الرضي ـ شاعر الوجدان ـ يدعي الثورة والرفض حيال السيطرة والاستلاب الأجنبي.
ولكن الشريف الرضي لم يقد عسكراً لجباً من أجل أن يثلّ العروش ويرتقي سلم السلطة، إنه ثائر من طراز خاص، إن ثورته هي ثورة الشعر بل ثورة الفكر وثورة الكلمة الهادفة المقاتلة التي ربما بلغ مداها أبعد من مدى السيف، إنه من حملة الأقلام وفرسان الكلام.
لقد قاتل الرضي في سوح كثيرة منها على سبيل المثال الجانب السياسي لطموح كان يساوره طيلة حياته ولم يبرأ منه أبداً.
لقد اتفقت المصادر القديمة والحديثة على أن الشريف الرضي كان يتوق لاستلام الخلافة وإنها كانت هاجسه الأول الذي كان يساوره في كل لحظة من لحظات حياته، فهو أحق من غيره فيها فالخلافة حق من حقوق أسرته العلوية منذ أن أوصى الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) بها في بيعة غدير خم في قولته المشهورة (من كنت مولاه فهذا علي مولاه…) ولكنها سلبت قسراً منهم بعد وفاة الرسول المصطفى(صلى الله عليه وآله) ولم تزل مسلوبة حتى عصره الذي عاشه فكان يحلم بمجد الدولة الإسلامية التي أسسها الأجداد.
لم يكن الرفض والثورة جديداً على الشريف الرضي بل هو ثمرة شجرة امتدت جذورها إلى زمن الرسول(صلى الله عليه وآله) الذي أوصى بولاية الإمام علي(عليه السلام) على المسلمين ولكن المنحرفين عن دين السماء استأثروا بها باطلاً، واستمر هذا السلب لحق أجداده حتى عصره مروراً بالأمويين، فضلاً عما لاقاه أفراد البيت العلوي من قتل وتشريد وصنوف العذاب الأخرى. فهو ـ مثلاً ـ لا ينسى واقعة الطف وما لاقاه جده الحسين(عليه السلام) فما يفتأ يذكر ذلك شاكياً إلى جده المصطفى(صلى الله عليه وآله) يقول:
يا رسول الله لو عاينتهم
وهم ما بين قتلى وسبا
لرأت عيناك منهم منظراً
للحشى شجواً وللعين قذى
ليس هذا لرسول الله يا
أمة الطغيان والبغي جزا
جزروا جزر الأضاحي نسله
ثم ساقوا أهله سوق الإما
ويذكر جده الحسين(عليه السلام) ناعياً على من قتلوه وهم يعلمون أنه خامس أصحاب الكساء يقول:
قتــــــــــلوه بعد علم منــــهم
إنه خامس أصحاب الكسا
وينظر الشريف إلى عصره الذي يعيش فيه فلا يرى الصورة تغيرت وأن وجه الدهر قد تبدل فالبغي والظلم والطغاة والظالمين لم يزالوا يتربعون على عرش الخلافة… فيا لأمس دمشق، واليوم بغداد والسيوف التي حصدت رقاب الأجداد ما تزال مسلولة تحصد رقاب الأحفاد، فكان دائماً يتمنى القصاص من الأعداء والثورة عليهم بقوله وقد تخيل نفسه فارساً يمتطي جواده:
ولي من ظهور الشذقميات(1) مقعدٌ
وفوق متون اللاحقيات مركبُ
لثامي غبار الخيل في كل غارة
وثوبي العوالي والحديد المذربُ
أنا السيف إلا أنني في معاشر
أرى كل سيف فيهم لا يجربُ
يطول عناء العيسى ما دمت فوقها
ومادام لي عزمٌ ورأيٌ ومذهبُ
إنه البطل الثائر لا يهدأ ولا يفتر فمقعده ظهور الشذقميات ومركبه متون اللاحقيات، إلا أن العذر غدر القوم الذين سيخذلونه كما خذلوا جده، بل غدر الأقارب والأصحاب يقول:
تجاذبني يد الأيام نفسي
ويوشك أن يكون لها الغلاب
وتغدر بي الأقارب والأداني
فلا عجب إذا عز الصحاب
نهضت وقد قعدن بي الليالي
فلا خيل أعن ولا ركاب
إنه ثائر على الأيام والأقارب والأداني والصحاب والليالي لأنها حرب عليه، فلم تنصفه يوماً، بل وقفت حائلاً دون تحقيق الرغاب ولكنه إذا لم يحقق له القول ما يريد فالسيف أولى بكل ذلك يقول:
سأخطبها بحد السيف فعلاً
إذا لم يغن قولٌ أو خطابُ
وآخذها وإن رغمت أنوف
مغالبة وإن زلت رقاب
وإن مقام مثلي في الأعادي
مقام البدر تنبحه الكلاب
ولما لم يلاقوا فيَّ عيباً
كسوني من عيوبهم وعابوا
وتتفجر ثورته على أعدائه يقول:
وعندي للعدى لابد يوم
يذيقهم المسمم من عقابي
فانصب فوق هامهم قدوري
وأمزج من دمائهم شرابي
وأركز في قلوبهم رماحي
وأضرب في درياره قبابي
فإن أهلك فعن قدرٍ جريءٍ
وإن أملك فقد أغنى طلابي
ويتوق إلى ذلك اليوم الذي تأتلق فيه ثورة الحق على غاصبي حقه وحق أجداده في الملك فيقول:
متى أرى الزوراء مرتجةً
تمطر بالبيض الضبى أو تراح
يصيح فيها الموت عن ألسن
من العوالي والمواضي فصاح
متى أرى الأرض وقد زلزلت
بعارض أغبر دامي النواح
متى أرى البيض وقد أمطرت
سيل دم يغلب سيل البطاح
طليحة مد بأضباعه
وغز قبلى الناس حتى سجاح
يطمح من لا مجد يسمو به
إني إذاً أعذر عند الطماح
حتى تدفعه ثورته وبرمه ببغداد إلى مغادرتها متوعداً لها بالسيف يقول:
فما بال بغداد إذا اشتقت رحلةً
تشب لي غيطانها وفجاجها
كأن لهـــــــــــا ديناً عليَّ وإنــــــــــني
سيطلبها سيفي وديني خراجها
أبغداد ما لي فيك نهلة شارب
من العيش إلا والخطوات مزاجها
ومن الطبيعي إن تؤدي هذه الثورة المتأججة في نفس الشريف إلى التفتيش عن منافذ أخرى يجد فيها الملاذ والطمأنينة، تلك المنافذ التي مثلت حلم الشاعر، فيشد الرحال إليها ملقياً بهمومه التي أثقلت كاهله في تلك البقاع الجديدة، فهو لم تعجبه بغداد بحضارتها الزائفة ولهوها وغنائها، لم تعجبه سيطرة الأعاجم على دفة الحكم فيها، ولذا فإن ملاذه الذي يطمئن إليه هو الجزيرة العربية موطن الأجداد. تلك إذن معادلة طرفها الأول معاناة الشاعر وهمومه وطرفها الثاني حلم الشاعر، وثورة الرفض ما تزال مستمرة يقول:
ليلي ببغداد لا أقر به
كأنني فيه ناظر الرمد
ينفر نومي كأن مقلته
تشرح أجفانها على ضمد
أفكر في حالة أطاولها
وفعلةٍ تخضب القنا بيدي
ويظل (الحلم) متألقاً في عينية فنراه يتمنى التروح إلى (السمرات) إحدى مواطن الجزيرة العربية ليخلص من همومه في بغداد:
ألا هل أطرق السمرات يوماً
يرى القلب من عنت الهموم
وألصق بالنقا كيدي ويهفو
إليّ من النقا ولع النسيم
وتتعالى حالة اليوم عنده في ظل سلطة جائرة فيرى أنه ليس من شافٍ في العراق لهمومه فلعله يجد في (نجد) طبيباً لأسقامه يقول:
عدمت دوائي بالعراق فربما
وجدتم بنجدٍ لي طبيباً مداوياً
هذا نموذج واحد من نماذج الثورة والرفض في شعر الشريف الرضي فطاب قبر ضم روحه النقية ورحم الله الشريف وأسكنه فسيح جناته
(1) الشذقميات: أبل منسوبة إلى شذقم فحل للنعمان بن المنذر، واللاحقيات أفراس منسوبة إلى لاحق.
نشرت في العدد 11

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.