Take a fresh look at your lifestyle.

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل

0 19
                       منذر جواد مرزه
                     محمد اسم لم نسمع أن العرب قد أسمت وليداً لها به من قبل أن يطلقه عبد المطلب على وليده اليتيم هذا الاسم في الكعبة ويرجعه إلى أمه التي أبت أن يراه أحد قبل جده. وقد اعترضت قريش على هذا الاسم الذي لم يشابه اسماً لآبائه. فرد جده بأنه أراد أن يكون محمداً في السماء لله. وفي الأرض لخلقه(1).
وقد روى الإمام محمد الباقر(عليه السلام): أن السيدة آمنة بنت وهب عندما كانت حاملة به أمرت أن تسميه (أحمداً)(2)، وقد روي عن أحمد بن حنبل: (أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: أنا محمد وأنا أحمد نبي الرحمة ونبي التوبة والحاشر، وأنه قال: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا الماحي الذي يمحى به الكفر وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي)(3).
بعد رجوعه إلى مكة من فترة الرضاعة وحضن البادية، وهو قد تجاوز الخامسة بعدة شهور، سحره الزحام الذي وجده في بلده الذي ولد فيه. والذي لم يألفه طيلة سنواته الماضية في الصحراء، فأفلت من أمه على غفلة منها وخاض فيه، فجزعت آمنة لفقده وهرعت إلى جده عبد المطلب بخبره، وإذا بورقة بن نوفل يأتي به ويسلمه إلى جده، فأخذه وجعله على عنقه يطوف به الكعبة يدعو له ثم يعيده لأمه كي تقر عينها(4).
وهي إذ فقدته قليلاً وهو ابن الخامسة وجزعت عليه حتى رُد إليها فهو قد فقدها دوماً وهو ابن السادسة حين ماتت وخلفته يتيم الأبوين(6) إلا من رعاية جده وحنوه عليه وحبه الكبير له. ولكن هذا لم يدم لمحمد إلا زهاء السنتين فارق بعدها عب المطلب الحياة أثر عودته من اليمن على رأس وفد لقريش قام بتهنئة سيف بن ذي يزن بمناسبة ارتقائه العرش، فلم يكن لمحمد إلا أن يكفله عمه أبو طالب رغم عدم غناه لكنه كان نعم الكفيل. ذب عنه ودافع دفاع الأبطال، وكانت لهذه العلاقة الصحيحة أهمية كبرى والأثر العظيم في تاريخ الرسول(صلى الله عليه وآله) والدعوة الإسلامية.
في رحلته إلى الشام وهو ابن الثانية عشرة برفقة عمه أبي طالب، وصل إلى بُصرى وهي أهم المراكز التجارية هناك، والخبر المعروف أنه في رحلته هذه التقى بأحد الرهبان كما تقول كتب السير وأن هذا الراهب رأى فيه علامات النبوة وإماراتها المكتوبة عندهم في كتبهم النصرانية. كما مر النبي في هذه الرحلة بمدين ووادي القرى وديار ثمود. وعرف عنها بعض الأخبار. وأخبار عن صراعات الفرس والروم(7). وقد اتسعت معرفة محمد(صلى الله عليه وآله) وتجربته بما شاهد من أحوال الشام وطرق التعامل وأخلاق الناس وأساليبهم في البيع والشراء وما إلى ذلك من أمور جعلته يقف موقف الفاحص المدقق المتأمل لكل ما حوله من أمور(8).
اشترك في حرب الفجار التي نشبت بين قريش وحلفائها من كنانة من جهة وبين عامر بن صعصعة وبني هذيل من جهة أخرى، وقد اختلف فيما قام به محمد(صلى الله عليه وآله) في تلك الحرب فمن قائل أنه كان يجمع السهام التي تقع ويدفعها إلى أعمامه، وقائل يقول أنه كان يرمي السهام بنفسه(9).
رعى محمد(صلى الله عليه وآله) الغنم لأهله، وفي رعايته هذه كان يتأمل ويفكر في كل الأمور التي حوله وما يشاهده حتى بلغ الخامسة والعشرين من عمره الكريم سافر بتجارة لخديجة بنت خويلد إلى الشام مع خادم لها يدعى (ميسرة) فذهب وعاد بربح كثير(10). وكانت خديجة قبل هذا قد تزوجت مرتين، الأولى من أبي هالة التميمي والثانية من عتيق بن عائد المخزومي وولدت لكل واحد منهما بنتاً(11).
وهناك قسم من المؤرخين ينفون أن خديجة قد تزوجت قبل محمد(صلى الله عليه وآله). ولما رأت ما كان لمحمد(صلى الله عليه وآله) من سمعة حسنة وأمانة. فطلبته للزواج، وتزوجها وكان زواجاً سعيداً طوال أيامه. لاقى في نفوس بني هاشم كل بهجة وسرور على الرغم من فارق السن الكبير بينهما. ولكن محمد وجد بهذا الزواج الراحة التي كان ينشدها. ووجدت خديجة بمحمد(صلى الله عليه وآله) الرجل الذي تراه جديراً بأن يكون لها بعلاً(12).
وقد ولدت له ماعدا إبراهيم جميع أولاده وهم: أم كلثوم ورقية وزينب وفاطمة والقاسم وعبد الله. ولم يعقب رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أبنائه وبناته سوى من فاطمة الزهراء(عليها السلام) التي تزوجها الإمام علي(عليه السلام) فأولدت له الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم(13).
وفي الخامسة والثلاثين من عمره حكم في اختلاف قريش فيمن يضع الحجر الأسود أو يحمله أثناء تعمير الكعبة، فكان خير حكم بالقصة المعروفة، ما زاد أثره في نفوس الناس وتقديرهم لمواهبه وعدالته(14).
أما صفاته عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد قالت عنه زوجته السيدة عائشة: أنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا ضاحكاً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها، وكان يعفو ويصفح، وكان من ألين الناس وأكرمهم.
وقالت أيضاً: ما خُيّر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وما ضرب خادماً ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله.
وقال ابن عباس: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان من أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل.
وقال زياد بن أبي زياد عنه: كانت له خصلتان لا يكلهما إلى أحد، الوضوء في الليل حين يقوم والسائل يقوم حتى يعطيه(15).
أما صفاته البدنية فقد أوضحها الإمام الحسين(عليه السلام) بقوله: كان فخماً يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر، أقصر من المشذب وأطول من المربوع عظيم الهامة، رجلاً أشعر، إن انفرجت عقيقته فرق، وألا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذ هو وفيره، أزهر اللون واسع الجبين، أزج الحاجبين، له نور يعلوه، أشم شهل الخدين، أشنب مفلج الأسنان، دقيق المسربة كأن عنقه جيد في صفاء الفضة، معتدل الخلق بادناً متماسكاً سواء البطن والصدر، عريض الصدر بعيداً ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، موصولاً ما بين اللبة والسرة بشعر يجزي كالخيط، عاري الثديين والبطن وما سوى ذلك أشعر الذراعين والمناكب وأعلى الصدر، طويل الزندين، سائر الأصابع، شنن الكفين والقدمين، سبط العظام(16).
وقد وصف الصحابي جابر بن عبد الله كلامه بقوله: كان في كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله) ترتيل وترسيل، وكان إذا خطب الناس احمرت عيناه ورفع صوته، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير إلى السبابة والوسطى، وكان يقول أيضاً: أحسن الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها.
وذكر الصحابي عبد الله بن مسعود خلقه وعشرته بقوله: اللهم كما حسن خلقي فحسن خلقه(17).
وعلى أية حال فإنه لا يمكن الجمع بكل صفات الرسول(صلى الله عليه وآله) ولكنها جمل وكلمات قيلت هنا وهناك، وهو أعظم وأكبر من كل ما قيل فيه.
ثم كان الوحي وكانت الرسالة والنبوة ونزل القرآن يترى، نزل به روح القدس على صدر محمد(صلى الله عليه وآله)، وبدأت الدعوة سراً وجهراً وكانت جهاداً ودفاعاً وحرباً حتى عمّ الإسلام أركان الجزيرة وما حولها، وتوحدت بعد أن كانت شيعاً وقبائل، وارتفعت كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل أنحائها، وساد التوحيد وساد العدل وساد الإيمان بالنبوة واليقين بيوم النشور بعد انتهاء الحياة.
حتى إذا كانت السنة العاشرة للهجرة وكانت حجة الوداع وفي الرجوع من مكة كان لابد أن تتم أصول الدين وكان لابد للناس من ولي ومن إمام ووصي للرسول(صلى الله عليه وآله) بعده، يرسخ الدعوة في نفوس الناس ويثبت أركان الدين، وكان الله سبحانه وتعالى هو رب الرسالة ورب الدين ورب النبي والوصي وهو العادل العدل، وهو رب يوم البعث والقيامة قد رسم لكل شيء رسمه وأعد لكل أمر حتمه، فنزل روح القدس جبريل(عليه السلام)، بالآية على صدر محمد(صلى الله عليه وآله) في غدير خم: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (سورة المائدة).
وينصاع النبي(صلى الله عليه وآله) للأمر الجليل، ويصيح بأعلى صوته: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وانصر من نصره واخذل من خذله، ألا إن الحق مع علي يدور معه حيثما دار…) فهنأه من هنأه، وبخبخ له من بخبخ، وبعد التبليغ ارتضى الله الإسلام ديناً للناس وأكمله لهم: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) (سورة المائدة). وهذا يعني أن الله عز وعلا شرط ولاية علي(عليه السلام) بصحة الدين وإتمامه.
بعد أيام من وصوله المدينة لازم فراشه لمرض ألم به، وفي مرضه أمر المهاجرين والأنصار بالانضواء تحت لواء أسامة بن زيد بن حارثة والسير بالجيش لتأديب الروم واقتحام الشام، ورفض(صلى الله عليه وآله) اعتراض المعترضين بصغر سن أسامة(18). ولكن هذا الجيش لم يبرح مكانه خارج المدينة في الوقت الذي اشتد فيه مرض الرسول(صلى الله عليه وآله)، وما من سبب هناك يؤخر مسيرة الجيش الذي أمر به النبي(صلى الله عليه وآله) أن يسير، إلا الحجج الواهية، وان الذين اعترضوا هم الذين سيروه بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) وبإمرة نفس الآمر. وربما كانت هناك أغراض بيتت في النفوس والصدور، وصدق الله تعالى حيث قال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (سورة آل عمران/الآية:144).
بلغ الداء برسول الله(صلى الله عليه وآله) مبلغه، وكانت ابنته فاطمة البتول(عليها السلام) قد أحست أن أباها سوف لن يبرأ من علته، فكانت اشد أهل البيت حزناً، وقد دخلت عليه مرة وهو في هذا المرض ورأسه في حجر وصيه الإمام علي(عليه السلام) وبجنبه عمه العباس، فوقعت عليه وهي تقول:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
تحال اليتامى عصمة للأرامل
فأسرّ إليها سراً بكت على أثره، وأسر لها ثانية فضحكت ولم تكشف السر إلا بعد وفاته، فقالت(عليها السلام): إنه(صلى الله عليه وآله) قال لي إني مقبوض فبكيت، ثم قال لي إني أول من يلحق به من أهله فضحكت(19).
وجاء في بعض المصادر أن النبي(صلى الله عليه وآله) طلب عندما اشتد به المرض وبلغ من الجهد مبلغاً كثيراً قرطاساً ودواة يكتب للمسلمين كتاباً لن يضلوا بعده أبداً، ولكنه حيل بينه وبين ما طلب(20).
ثم جاء الأجل ولحقت روحه الطاهرة بالرفيق الأعلى وهو في حجر ابن عمه ووصيه وولي الله في أرضه وسمائه علي(عليه السلام)، وقيل أن كف علي(عليه السلام) كانت تحت حنك الرسول(صلى الله عليه وآله)، ففاضت نفسه فيها فرفعها الإمام(عليه السلام) إلى وجهه فمسحه بها، ثم بعد ذلك اشتغل بالنظر في أمر تجهيزه، وأخذ المسلمون يدخلون على النبي(صلى الله عليه وآله) عشرة عشرة وهو مسجى لإلقاء النظرات الأخيرة عليه. ويودعونه الوداع الأخير حتى لم يبق في المدينة رجال أو نساء، أحرار أو عبيد إلا ودخلوا عليه ليتزودوا من نبيهم زادهم الأخير قبل أن يوارى الثرى.
وبعد ثلاثة أيام أنزله الإمام علي(عليه السلام) في قبره بعد أن غسله وكفنه وجهزه وصلى عليه، وكان دفنه في المكان الذي قبض فيه، وكانت وفاته يوم الاثنين في الثامن والعشرين من صفر ودفن يوم الأربعاء.
وفي رواية أخرى أن وفاته كانت في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول(21).
قال الإمام الباقر(عليه السلام): لما حضرت رسول الله(صلى الله عليه وآله) الوفاة نزل جبريل فقال: يا رسول الله أتريد الرجوع إلى الدنيا؟ قال: لا، وقد بلغت، وأعادها عليه ثانية، فقال: لا، الرفيق الأعلى.
وقد اشترك في تغسيله مع الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) ابن الفضل العباس وقيل كان معه أخوه القثم، حيث كانا يناولان الإمام علي(عليه السلام) الماء وهما معصوبان العينين.
وعن الإمام الباقر(عليه السلام) أيضاً: أن الملائكة صلوا عليه وصلى المهاجرون والأنصار أفواجاً أفواجاً.
وحفر له زيد بن سهل بن طلحة في حجرته التي قبض فيها وكان أبو عبيدة بن الجراح حاضراً، واشترك في دفنه مع الإمام علي(عليه السلام) عمه العباس وابنه الفضل وأسامة بن زيد وأوس بن خولى من بني عوف بن الخرج من الأنصار بعد إلحاح الأنصار على أن يشتركوا في مواساة الرسول(22).
ووقعت ابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام) على قبره وتناولت من التراب الذي عليه قبضة فشمتها وقالت:
ماذا على من شم تربة أحمد
أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت عليّ مصائب لو أنها
صبت على الأيام صرن لياليا
وجاء في كتاب فاطمة الزهراء(عليها السلام) لعباس محمود العقاد، أن البتول رثت أباه بالأبيات الآتية:
فليبكه شرق البلاد وغربها
ولتبكه مضر وكل يماني
ويبكه الطود المعظم جوده
والبيت ذو الأسقار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوءه
صلى عليك منزل القرآن
صلاة الله وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله، يا شفيعي وشفيع أمتك يوم لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولاً، والصلاة والسلام من الله على علي أمير المؤمنين وعلى فاطمة الزهراء البتول وعلى سيدي شباب أهل الجنة الحسن المجتبى والحسين الشهيد وعلى زين العابدين السجاد ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري والخلف الهادي المهدي القائم عجل الله فرجه.
نشرت في العدد 11

(1) محمد حسين هيكل، حياة محمد، ص108 و109.
(2) ابن سيد الناس، عيون الأثر، ج1 ص30.
(3) المصدر السابق.
(4) عبد الرحمن الشرقاوي، محمد رسول الحرية، ص25.
(5) ابن سيد الناس، عيون الأثر، ج1 ص37.
(6) سيد أمير علي، روح الإسلام، ص19.
(7) محمد حسين هيكل، حياة محمد، ص115.
(8) حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي، ج1 ص76.
(9) اليعقوبي، التاريخ، ج2 ص14.
(10) ابن هشام، السيرة، ج1 ص199.
(11) ابن سيد الناس، عيون الأثر، ج1 ص51.
(12) حسن عيسى الحكيم د. محاضرات في التاريخ العربي الإسلامي، ص100.
(13) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج1 ص133.
(14) ابن سيد الناس، عيون الأثر، ج1 ص52.
(15) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج1 ص369.
(16) ابن سيد الناس، عيون الأثر، ج2 ص323 و324.
(17) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج1 ص375ـ377.
(18) اليعقوبي، التاريخ، ج2 ص103.
(19) محب الدين الطبري، السمط المتين، ص154.
(20) البلاذري، أنساب الأشراف، ص562، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج2 ص55.
(21) اليعقوبي، التاريخ، ج2 ص104، ابن هشام، السيرة، ج4 ص314.
(22) المجلسي، بحار الأنوار، ج22 ص53 نقلاً عن أعلام الورى ص83.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.