Take a fresh look at your lifestyle.

من أعلام المنبر في كربلاء.. السيد جواد الهندي (ت1333هـ/1915م)

0 18
             قصر التاريخ في ضبط مولد الشاعر، إلا أننا علمنا أنه ولد في كربلاء في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، ونشأ وترعرع في ظل أسرة علوية شريفة المحتد، طاهرة الغرس، تنتسب إلى الإمام الحسين بن علي(عليهم السلام). فهو السيد جواد بن السيد محمد علي الحسيني الأصفهاني الحائري الشهير بالهندي أحد أولئك الأعلام المجتهدين والعلماء المحققين الذي يصطفيهم الله من خلقه لنصرة الحق والدين.
            بدأ تحصيله العلمي بدراسة الفقه على العالم الكبير الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري المتوفى سنة 1309هـ وغيرهما من الأعلام، حتى نال من العلم أسمى مكانة، ووجد في نفسه الكفاءة والقدرة على ارتياد أندية الأدب ومجالس الخطابة وأهل الفضل، فشب خطيباً مصقعاً، وورث الجرأة وقوة الجنان والشجاعة وسحر البيان، وفصاحة الكلم وسلاسة التعبير، وكان ذا صوت جهوري أخاذ ينتزع إعجاب المستمعين(1).
          وكان شاعر الدوحة الهاشمية وفخر السلاسة العلوية، قد شهدت له قصائده بشاعرية فياضة تميزت برصانة الأسلوب ووضوح العبارة، وتتجلى في مراثيه أمارات الحزن والأسى، وكان زاهداً شديد التقوى، ذاع صيته في الآفاق وأشغل مجالس كربلاء خطيباً ذاكراً للإمام الحسين(عليه السلام)، وكانت مجالسه مكتظة بالناس،
           فقد أخذ يتفنن في فن الخطابة ويحسن الرواية ويجيد الإلقاء. ويروي من عاصره أن المجالس الحسينية التي ارتادها هي ديوان السادة آل الرشدي ودار السيد عبد الحسين آل طعمة سادن الروضة الحسينية ودار الحاج عبد الصراف وديوان السادة آل الشهرستاني وديوان السيد عبد الوهاب آل طعمة رئيس بلدية كربلاء وديوان العلامة الشيخ حسين بن زيد العابدين الحائري. وشاع ذكره في الأمصار، ودون له من الكلام البهي ما تناثرت درره وتكاثرت غرره.
              ذكره الشيخ محمد السماوي في أرجوزته قائلاً:
      وكالخطـيـب السـيد الجواد               والصـارم الهندي في النجاد
      فكـم لـه شعر رثـى الحسينا              أروى الحشا فيه وأبكى العينا
      بكـى وأبكـى وحوى الصفات            فأرخـوه: (أكمـل الخيـرات)(2)
                                           1333هـ
            وذكره العلامة السيد محسن الأمين فقال: السيد جواد بن محمد علي الحسيني الأصفهاني الحائري الشهير بالهندي الخطيب، توفي بعد مجيئه من الحج في كربلاء سنة 1333هـ ودفن فيها.
          كان فاضلاً تتلمذ على الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري في الفقه وكان ذاكراً لمصاب الحسين(عليه السلام) من مشاهير الذاكرين خطيباً طلق اللسان أديباً شاعراً رأيته في كربلاء وحضرت مجالس ذكره وجاء إلى دمشق ونحن فيها في طريقه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ومن شعره قوله:
      ألا هل ليلـة فيهـا اجتمعنا                ومـا أن جـاءنا فيـها ثقـال
      ثقـال حيثما جلسوا تراهم                جبالاً بل ودونهم الجبال(3)

            وترجم له الخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي في حاشية ديوان أبي المحاسن قائلاً:
           (حسيني النسب حائري المولد والنشأة والمدفن درس على جماعة من مجتهدي كربلاء كالشيخ زين العابدين والسيد محمد حسين الشهرستاني والشيخ محمد باقر الواعظ وما رأيت ولا سمعت أحداً من الخطباء أملك منه لعنان الفنون المنبرية على كثرة ما رأيت منهم وسمعت فقد حاز قصب السبق بطول الباع وسعة الإطلاع في التفسير والحديث والأدب واللغة والأخلاق والتاريخ إلى غير ذلك،
          وكان من أصدقاء صاحب الديوان، وتوفي ليلة الأحد 10 ربيع الأول 1333هـ المصادف لسنة 1915م وعمره يربو على الستين له ترجمة وجيزة في الجزء (ج17) من أعيان الشيعة(4). وحين أجاب داعي ربه، رثاه الشاعر الكبير الحاج محمد حسن أبو المحاسن بقصيدة مطلعها:
      ليومك في الأحشاء وجد مبرح            برحت ولكن الأسى ليس يبرح(5)

    نصوص من شعره

              للشاعر السيد جواد ديوان شعر يضم بين دفتيه مختلف الأغراض بأسلوب واضح ونهج مقبول، رثى أهل البيت(عليهم السلام) ورثى شيوخ عصره لاسيما أساتذته وأصحابه الذين أخذ عنهم الخطابة، وله في المديح والتهاني قصائد كثيرة. وعن ديوانه هذا قال صاحب الذريعة:
         ديوان السيد جواد الهندي الحائري الخطيب بكربلاء يشتمل على قصائد منها في رثاء المولى أبي الحسن المازندراني المتوفى عام 1306هـ(6). فشعره على العموم يزخر بالصورة الشعرية التي يغلب عليها الخشوع والجلال والعواطف المتقدة التي يسود أغلبها الحزن العميق.
            وقد حاولت منذ أمد قصير أن أجمع قصائد الشاعر من المجاميع الخطية والمطبوعة في ديوان صغير، انتخبت منه للقارئ هذه المجموعة التي بين يديه.
              ومما قاله في رثاء الحسين(عليه السلام):
      أقاسي من الدهر الخؤون الدواهيا                  ولم ترني يومـــاً من الدهر شاكيا
      لمن أظهر الشكوى ولم أر في الورى              صديقاً يواسي أو حميماً محامياً؟
      وإني لأن أغض الجفون على القذى               وأمسى وجيـش الهم يغـزو فؤاديا
      لأجدر من أن أشتكي الدهر ضارعاً               لقوم بهم يشــتد في القلب دائيا
      ويا ليت شعري أي يومـيه أشتكي                 أيوماً مضي أم ما يكون اماميا؟
      تغــــالبني أيــامه بصروفها                        وسوف أرى أيـــامه والليـاليـا
      إبـاءً به أسمو على كل شـــاهق                   وعزماً يدك الشامخات الرواسيا
      وإنـي من الأمجــاد أبناء غالب                    سلالة فهر قد ورثــت إبــائيــا
      أباة أبوا للضــــيم تلـوى رقابهم                   وقد صافحوا بيض الظبى والعواليا
      غــداة حسين حاربــته عبــيده                     ورب عبـــيد قد أعقت مواليــــا
      لقد سيرتــها آل حرب كتــائـباً                    بقسطلها تحكي الليالي الدياجيا
      فنــاجزها خلف المنايا بفتــية                     كرام يعــدون المنــايـا أمـانيــا
      فثــاروا لهــا شم الأنوف تخالهم                 غداة جثوا للموت شمـــاً رواســيا
      ولفــوا صفــوفاً للعــدو بمثـلها                   بحد ظبى تثني الخيـول العـواديا
      بحيث غدت بيض الظبى في أكفهم              بقاني دم الأبطــــال حمراً قوانيا
      وأعطوا رماح الخــط ما تستحقه                فتشكر حتى الحشر منهم مساعيا
      ومـاتوا كراماً بالطــفوف وخلفوا                مكـــارم ترويها الورى ومعـالــيا
      وراح أخوا الهيــجا وقطب رجائها              بأبيض ماضي الحد يلقى الأعاديا
      وصال عليهم ثابت الجأش ظامياً                كما صال ليث في البهــائم ضاريا
      فردت على أعقــابها منه خيـفة                 وقد بلغت منها النفوس التراقيا
      وأورد في ماء الطـلى حد سيـفه                وأحشاه من حر الظمــا كما هـيا
      إلى أن رمى سهماً فـأظمى فؤاده               ويا ليت ذاك السهم أضمى فؤاديا
             حدثني المرحوم الحاج عبد العباس الحلاق ـ كان في السادسة والتسعين من عمره ـ وهو شاهد عيان، فقال:
          ارتقى المنبر الحسيني خطيب كربلاء الشاعر السيد جواد الهندي في مجلس تعزية يقيمه السيد عيسى البزاز في داره بمحلة باب الطاق، وسأل الحاضرين مسألة نحوية في سياق حديثه وهي:
           ما الفرق بين الضاد والظاء؟
           فأجابه فلاح معمر قائلاً: يا سيد نحن فلاحون لا نعرف،
           فقال السيد جواد : أنا أسأل أهل العلم،
           فلم ينبس أحد ببنت شفة، ثم أعاد السؤال ثانية وثالثة فنهض له رجل يرتدي الكوفية والعقال قائلاً:
          الظاء تخرج من حافة اللسان (المضحك)، والضاء تخرج من اللهاة (اللسان الصغير) والرحاء،
          فدهش الخطيب لهذا الجواب، وسأل من هذا الرجل المتكلم؟
          فأجابه الحاضرون أنه (حسين الكربلائي)، فقال: هذا من أهل العلم، بارك الله فيك يا رجل(7).
          وهكذا نأتي على نهاية سيرة هذا العالم والشاعر والخطيب، ولا نقصد من وراء ذلك إلا تخليد السلف الصالح والله من وراء القصد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم الخطباء، السيد داخل السيد حسن، ج1 ص158.
(2) مجالي الطف بأرض الطف، الشيخ محمد السماوي، ص79.
(3) أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج17 ص223.
(4) ديوان أبي المحاسن الكربلائي، تحقيق: الشيخ محمد علي اليعقوبي، حاشية ص34.
(5) المصدر نفسه: ص34.
(6) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الشيخ آغا بزرك الطهراني، ج9 القسم الأول ص197.
(7) دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري، مركز كربلاء للبحوث والدراسات، ص399 وص400، بيروت، 1996م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.