Take a fresh look at your lifestyle.

سيرة أهل البيت(عليهم السلام).. ودورهم في حياة الأمة دراسة في المنهج والسلوك

0 24
                إن دراسة سيرة أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على أساس النظرة التجزيئية، أي دراسة كل إمام بصورة مستقلة، هي ضرورية لإنجاز دراسة شاملة كاملة، ولكن معرفة الهدف الحقيقي من تصرف المعصوم قد لا تتسنى من خلال النظرة الجزئية في حدود عصره، فلا يتضح إلا عندما يكون في إطار سلسلة من التصرفات والسلوك الذي قام به أئمة أهل البيت(عليهم السلام) لعصور وأدوار مختلفة.
فلابد لنا أولاً أن نستوعب إلى أوسع مدى ممكن حياة كل إمام بكل ما تزخر به من ملامح وأهداف ونشاط سياسي وفكري واجتماعي، لكي يتمكن ذلك أن ندرسه ككل ونستخلص الدور المشترك للأئمة(عليهم السلام) جميعاً وما يعبرون عنه من ملامح وأهداف وترابط.
الدراسة التجزيئية والدراسة الكلية ونتائجهما
إن دراسة سيرة الأئمة بشكل منفرد يؤدي غالباً إلى التناقض في السلوك من الناحية الشكلية، فالإمام علي(عليه السلام) لم يشأ أن يقحم نفسه بعد السقيفة بمعركة قد تؤدي بالإسلام وهو لم يزل فتياً، والإمام الحسن(عليه السلام) آثر الصلح على معاوية، بينما حارب الإمام الحسين(عليه السلام) حتى استشهد، في حين كانت حياة الإمام السجاد(عليه السلام) قائمة على التفرغ للدعاء والعبادة في الوقت الذي تميزت فيه فترة الإمام الباقر(عليه السلام) بالتبليغ في مجال الحديث والفقه، وكان سعي الإمام الصادق(عليه السلام) مكرساً لتأسيس مدرسة فكرية رصينة في غمرة الصراع الأموي العباسي على السلطة، بينما مارس الإمام الرضا(عليه السلام) دوره من خلال وجوده في داخل التشكيلة الحكومية… وهكذا.
فالدراسة هنا تؤدي بمفردها نتائج لا تعكس من خلال التنوع السلوكي تحقيق الهدف الواحد.
فالصلح والثورة مفهومان متغايران، واعتزال العمل السياسي، ومن ثم الدخول إليه من أبوابه أمران مختلفان، ولا يفسر هذا التغاير أو التباين أو الاختلاف إلا من خلال مستوى آخر يمثل في محاولة اكتشاف الخصائص العامة والدور المشترك للأئمة(عليهم السلام) كمجوع، وحين إذن سوف تزول أو ترتفع التناقضات والاختلافات، لأنها تبدو من خلال الدراسة الكلية كأنها تعابير مختلفة عن حقيقة واحدة، وإنما اختلف التعبير عنها وفقاً لاختلاف الظروف والملابسات التي مرت بالرسالة في عهد إمام آخر، ومن خلال هذه الدراسة الكلية، يمكننا أن نخرج بنتائج أوضح من مجموع النتائج التي تتمخض عنها الدراسات التجزيئية لأننا سوف نكشف الترابط بين أعمالهم التي وجدناها في دراساتنا التجزيئية متباينة ومتناقضة شكلاً (إن وجود دور مشترك مارسه الأئمة(عليهم السلام) جميعاً ليس مجرد افتراض نبحث عن مبرراته التاريخية وإنما مما تفرضه العقيدة، وفكرة الإمامة بالذات، لأن الإمامة واحدة في الجميع بمسؤولياتها وشروطها فيجب أن تنعكس انعكاساً واحداً في سلوك الأئمة وأدوارهم مهما اختلفت ألوانها الظاهرية بسبب الظروف والملابسات ويجب أن يشكل الأئمة مجموعهم وحدة مترابطة الأجزاء واصل كل جزء في تلك الوحدة دور الجزء الآخر ويكمله) الشهيد الصدر، اخترنا لك: ص60.
إن عملية الإقصاء والتغيب عن المواقع في الدولة الإسلامية، التي مورست تجاه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) لم تكن تشكل مانعاً حقيقياً لهم أمام ممارسة دورهم الذي تم التخطيط له من قبل صاحب الرسالة.
وهنا لابد من الإشارة إلى التصور الشائع لدى كثير من الناس اعتقاداً أن يقيموا الأئمة(عليهم السلام) بوصفهم أناساً مظلومين قد أقصوا عن مركز القيادة، وأقرت الأمة هذا الإقصاء وذاقوا بسبب ذلك ألوان الاضطهاد والحرمان، فهؤلاء الناس يعتقدون إن دور الأئمة(عليهم السلام) في حياتهم كان دوراً سلبياً على الأغلب نتيجة لتغيبهم عن مجال الحكم.
والفاحص الخبير لابد أن يدرك مدى خطأ ذلك!! فالقضية أكبر من منصب أو قيادة دنيوية، ولهذا فإن من ضروراتنا الإسلامية الراهنة إثبات خطأ ذلك التفكير ودراسة حياة الأئمة على أساس نظرة كلية لتتبين إيجابيتهم الرسالية على طول الخط، ودورهم المشترك الفعال في حفظ الرسالة ورعايتها.
كان أئمتنا(عليهم السلام) يحافظون على المقياس العقائدي والرسالي في المجتمع الإسلامي ويحرصون على أن لا يهبط إلى درجة تشكل خطراً ماحقاً وهذا يعني ممارستهم جميعاً دوراً إيجابياً فعالاً في حماية العقيدة وتبني مصالح الرسالة والأمة.
ومن أمثلة تلك الأدوار الإيجابية موقف الإمام علي(عليه السلام) حين صعد عمر بن الخطاب وتساءل عن رد الفعل لو صرف الناس عما يعرفون إلى ما ينكرون، فرد عليه الإمام(عليه السلام) بكل وضوح وصراحة: (إذن نضرب الذي فيه عيناك!!) (مناقب الخوارزمي: 98 ـ 99).
وعندما وجد الإمام الحسين(عليه السلام) إن الزعامة المنحرفة أصبحت تهدد كيان الإسلام في عصره لم يتردد في الاصطدام المسلح بها والشهادة في سبيل تعريتها وكشف زيفها.
وحينما وجد الإمام السجاد(عليه السلام) أن هناك ما يهدد كرامة الدولة الإسلامية في عصر عبد الملك وعجز هذا الأخير عن حماية اعتبارها، فلم يستطيع الإجابة على رسالة ملك الروم التي جاء فيها: (لأغزونك بجنود مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف)، فكتب عبد الملك إلى الحجاج أن يبعث إلى زين العابدين(عليه السلام) ويكتب إليه ما يقول؟ … فقال الإمام(عليه السلام): ( إن لله لوحاً محفوظاً يلحظه في كل يوم ثلاثمائة لحظة ليس فيها يوم إلا يحيي فيه ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء وإني لأرجو أن يكفيك منها لحظة واحدة، فكتب عبد الملك بذلك إلى ملك الروم، فلما قرأه قال: ما خرج هذا إلا من كلام النبوة!! (ابن شهراشوب، المناقب) حيث ملأ الإمام السجاد هذا الفراغ وأجاب بالشكل الذي يحفظ للدولة وللأمة الإسلامية هيبتها.
وفي عصر الإمام الباقر(عليه السلام)، واجه عبد الملك تحدياً آخر من ملك الروم بشأن النقد وعجز عن الرد عليه، فكان الإمام(عليه السلام) في مستوى الرد على هذا التحدي فخطط للاستقلال النقدي الإسلامي(1).
وقد تمثل الدور الإيجابي بالأئمة في الحفاظ على سلامة العقيدة الإسلامية من خلال مقاومة التيارات الفكرية التي حاولت الدس للإسلام، وما مناظرات الإمام الصادق(عليه السلام) مع الزنادقة والملاحدة والمغالين، ومناظرات الإمام الرضا(عليه السلام) في مجالس المأمون مع أصحاب الديانات الأخرى والمذاهب الفاسدة إلا دليل على حرصهم على تموين الأمة بشخصيتها الرسالية والفكرية من ناحية ومقاومة التيارات التي تشكل خطراً على الرسالة وضربها في بدايات تكوينها من ناحية أخرى، ويمكن أن نفسر في ضوء اهتمام الإمام العسكري(عليه السلام) وهو في المدينة بمشروع كتاب يضعه الفيلسوف الكندي وهو في العراق حول متناقضات القرآن، إذ اتصل به عن طريق بعض أصحاب الكندي، وأحبط محاولته وأقنع مدرسة الكندي بأنها على خطأ(2).
الأئمة زعماء جماهيريون
لم يحصل أهل البيت على زعامتهم للناس بطريق الصدفة أو طريق مجرد الانتساب إلى الرسول، بل على أساس العطاء والدور الإيجابي الذي يمارسه الإمام(عليه السلام) بالرغم من إقصائه عن مركز الحكم، فالأمة لا تمنح ثقتها لأي كان مجاناً، ولا يملك الفرد قيادتها وميل قلوبها (فعلياً) من دون عمل دؤوب وحرص مغان وعطاء سخي تستشعره الجماهير في مختلف مجالات الحياة وتستفيد منه في حل مشكلاتها والحفاظ على كيانها ورسالتها.
روي أن الرشيد قال للإمام الكاظم(عليه السلام) حينما رآه جالساً عند الكعبة: أنت الذي يبايعك الناس سراً؟ فقال(عليه السلام): (أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم)(3).
وحين أراد عبد الله بن الحسن أن يأخذ البيعة لابنه محمد النفس الزكية قال مخاطباً الإمام الصادق(عليه السلام): (واعلم فديتك إنك إذا أجبتني لم يتخلف عني أحد من أصحابك ولم يخلف عليّ اثنان من قريش ولا من غيرهم)(4).
وعندما أراد هشام بن عبد الملك أن يستلم الحجر الأسود من بين الحجيج عجز عن ذلك رغم مكانته كخليفة، بينما استطاعت زعامة أهل البيت(عليهم السلام) أن تظهر ميل القلوب الحقيقي في لحظة حضور القائد الروحي فتشق الطريق بين يديه نحو الحجر.
وحينئذ لم يتمالك الفرزدق مشاعره، فأنشد في حضرة الطاغية قصيدته الميمية المشهورة غير هياب وجل… هذا الذي تعرف البطحاء وطأته…
وعند تعرض قصر المأمون لهجوم شيعة خراسان… التجأ هذا وهو الخليفة، إلى الإمام الرضا(عليه السلام) لحمايته من غضب الجماهير!! فقال له الإمام: (اتق الله في أمة محمد وما ولاك من هذا الأمر وخصك به، فإنك قد ضيعت أمور المسلمين وفوضت ذلك إلى غيرك يحكم فيها بغير حكم الله عز وجل)(5).
إن كل هذه النماذج والمظاهر للزعامة الشيعية التي عاشت أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على طول الخط تبرهن على إيجابيتهم وشعور الأمة بدورهم الفعال في حماية الرسالة.
كما تدل على إن تلك الزعامة لم تكن روحية فحسب، كما يظن كثيرين وإنما كان زعامة فعلية، تتصرف وتتدخل وتناقش وتحاور في الوقت المناسب.
الأئمة ومسألة استلام الحكم
لم تكن مسألة إقامة الحكم وترسيخه متوقفة في نظر الأئمة(عليهم السلام) على مجرد تهيئة حملة عسكرية، بل يتوقف قبل ذلك على إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وعصمته إيماناً مطلقاً. ويعي أهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجال الحكم ويحرس ما يحققه للأمة من مصالح على نحو يضمن تحقيق تلك المصالح.
قصد سهل بن حسن الخراساني الإمام الصادق(عليه السلام) يعرض عليه تبني حركة الثوار الخراسانيين فأجل جوابه، ثم أمره بدخول النار فرفضن وجاء أبو بصير فأمره الإمام بذلك فسارع إلى الامتثال، فالتفت الإمام(عليه السلام) إلى ثوار خراسان وقال: لو كان بينكم أربعون مثل هذا لخرجت لهم(6).
وعلى هذا الأساس تسلم أمير المؤمنين(عليه السلام) زمام الحكم في وقت توفر فيه ذلك الجيش العقائدي الواعي متمثلاً في الصفوة المختارة من المهاجرين والأنصار والتابعين من أصحابه (رضوان الله عليهم).
وفضلاً عن ذلك فإن ممارسة القيادة ليس أمراً مشروطاً بالجلوس على عرش أو في منصب أو تحت عنوان، فالقيادة الحقيقية هي التي تعمل بوعيها وتقديرها لحاجة الأمة ومتطلبات العصر والظروف المحيطة به، ويكفينا أن نذكر هنا أن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) مارسوا مبدأ التقية في ظل زعامتهم للأمة ولك أن تتصور صعوبة موقف الزعيم عندما لا يكون بعيداً عن مصدر القرار فحسب، بل ويُظهر أمام السلطة الحاكمة خلاف ما يعتقد ويبطن وفوق ذلك، أصبح استخدام التقية رغم إقرارها في الكتاب والسنة مصدراً لاتهام الأمة وشيعتهم رغم إن المذاهب الأخرى قد استخدمت نفس المفهوم بصيغة أخرى عندما أجازت السكوت على الحاكم بحجة قطع دابر الفتنة!!
وأما التسلسل التاريخي للأحداث يمكن استنباط اتجاهين رئيسين كانا يمثلان قوام ما حرص أهل البيت(عليهم السلام) على تحقيقه في التجربة الإسلامية بعد انحرافها:
الاتجاه الأول: هو محاولة القضاء على الانحراف الموجود في تجربة المجتمع الإسلامي وإعادتها إلى وضعها الطبيعي، وذلك من خلال إعداد طويل المدى وتهيئة للظروف الموضوعية التي تتناسب وتتفق مع ذلك الهدف.
يوضح هذا الاتجاه قول الإمام علي(عليه السلام): (أما والله لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها)(7).
والاتجاه الثاني: هو تعميق الرسالة فكرياً وروحياً وسياسياً للأمة نفسها بغية خلق التحصين الكافي في صفوفها لكي يكون درعاً يمنع انهيارها بعد تردي التجربة وسقوطها، أي إيجاد قواعد واعية في الأمة وإيجاد روح رسالية فيها وإيجاد عواطف تجاه هذه الرسالة في الأمة.
فالإمام الحسن(عليه السلام) في قوله: (ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة) وقال أيضاً: (معاوية نازعني حقاً هو لي فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها ورأيت أن حقن الدماء خير من سفكها وأردت صلاحكم وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر)(8).
كان حريصاً على مصلحة الأمة، وقد كانت شروط الصلح مصداقاً من مصاديق المصلحة الإسلامية العليا، حيث جاء فيها (إن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم، وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم)(9).
والصلح مقدمة للحفاظ على الصفوة الخيرة من المصلحين والمغيرين وعلى الحفاظ على حياة الداعين إلى الدين والرسالة.
ومن تتابع الأحداث يجد أن أوضاع المسلمين الداخلية قد هدأت وأن المسلمين قد كانوا أحراراً أكثر من سنتين وقد كان معاوية يستجيب لمطالب الإمام الحسن(عليه السلام) في الإعفاء عن هذا الشخص أو ذاك وهو الظاهر من الوقائع التاريخية(10).
ولم يقدم نظام معاوية على قتل أحد إلا بعد رحيل الإمام الحسن(عليه السلام) إلى الملأ الأعلى، أما في حياته فلم يتجرأ على قتل أو سجن أحد من المعارضين وخصوصاً من الشيعة أنصار الإمام(عليه السلام).
ورفض الإمام الحسن(عليه السلام) الاستجابة لطلب معاوية في قتال الخوارج موضحاً سياسته في التعامل مع الكيانات الإسلامية المخالفة له ومبيناً مصلحة الأمة من وراء صلحه…
ومما قاله(عليه السلام): (لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك فإني تركتك لصلاح الأمة وحقن دمائها)(11).
والإمام الحسين(عليه السلام) حينما قاد نهضته المباركة أراد تغيير المفاهيم والقيم الجاهلية التي سادت في عصره وتغيير الحاكم الذي تولى الحكم عن طريق الإرهاب وأعلن عن انحرافه عن الإسلام عقيدةً وسلوكاً وقد أعلن عن كفره صراحة حينما تمثل ببعض الأبيات ونفى فيها الوحي والتنزيل كما ورد في جملة من المصادر(12).
وقد صرح الإمام بأنه نهض من أجل إصلاح الأوضاع والسير على نهج جده وأبيه وأن نهضته هي عملية فتح بقوله(عليه السلام): (أما بعد فإن من لحق بي منكم استشهد ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح)(13).
وكان لدم الإمام(عليه السلام) الدور الأكبر في إيقاف انحراف الحاكم أو تحجيمه حيث لم يستطع الاستمرار في تآمره على المنهج الإسلامي، وقد يصح القول أن الحاكم لم يمنح أي فرصة لاتخاذ موقف آخر، فقد خيره بين البيعة وبين القتل.
ومع هذا الموقف، إلا أن المتتبع لحركة التاريخ يجد أن أعداداً كبيرة من الموالين إلى الإمام الحسين(عليه السلام) كانوا في مقدمة الجيش دفاعاً عن الدولة وعن ثغور المسلمين.
ولم تكن واقعة كربلاء مانعاً للإمام علي بن الحسين(عليهما السلام) من الانطلاق في آفاق المصلحة الإسلامية العليا، فقد عرف عنه أنه كان يدعو للجيش المرابط في الثغور بالنصر والظفر لأن انتصاره سيكون انتصاراً للإسلام والأمة لا لشخص الحاكم وسيكون انتصاراً للمفاهيم والقيم الإسلامية.
وقد اشتهر عنه(عليه السلام) أنه أنقذ عبد الملك بن مروان من تهديدات ملك الروم التي مرت الإشارة إليها. ومن مصاديق الانطلاق في آفاق مصلحة الأمة، إن الإمام(عليه السلام) لم يفكر باللجوء إلى دولة كافرة هروباً أو خلاصاً من ظلم أو اضطهاد الأمويين.
وفي علاقاته داخل المدينة كان لا ينقطع عن الأعمال والمشاريع العامة كصلاة الجماعة وصلاة الجمعة وصلاة العيدين(14) فهو يتحرك في إطار المشتركات بينه وبين الآخرين ويسعى لتوحيد الصفوف ولو ظاهراً من خلال المشاريع أو العبادات التي تؤدى جماعة.
وكان الإمام الباقر(عليه السلام) يوجه أتباعه وأنصاره إلى إقامة العلاقات مع المخالفين من أتباع السلطان أو من أتباع المذاهب الأخرى ومسايرتهم في نقاط الاختلاف لكي تكون المظاهر واحدة لا توحي بالتمزق والتشتت.
وكان(عليه السلام) يدخل في حوار هادئ مع الفقهاء من مختلف المذاهب والاتجاهات للوصول إلى نقاط الاشتراك والتوجيه منها إلى العمل المشترك أو من أجل المصلحة الإسلامية العليا، وكانت له علاقات وثيقة معهم كعبد الله بن الأزرق وقتادة بن دعامة البصري وعبد الله بن معمر الليثي(15).
وكان(عليه السلام) يسدد الحاكم نحو الصلاح ويبدي نصائحه وتوجيهاته القيمة لكي تكون أفكاره وممارساته منسجمة مع الخط العام والأسس العامة للرسالة الإسلامية، وكان عمر بن عبد العزيز محط أنظار الإمام(عليه السلام) لاستجابته للنصائح والإرشادات المنطلقة من الإمام(عليه السلام) ومن نصائحه قوله(عليه السلام): (واتق الله يا عمر، وافتح الأبواب وسهل الحجاب وانصر المظلوم ورد المظالم… ثلاث من كن فيه استكمل الأيمان) ، فجثا عمر على ركبتيه ثم قال: (إيه يا أهل بيت النبوة)، فقال(عليه السلام): (يا عمر من إذا رضي لم يدخله رضاه الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له)(16).
وكان الإمام الصادق(عليه السلام) يحث أنصاره على المشاركة في صلاة الجماعة التي تقام من قبل الولاة حفاظاً على الألفة والأخوة وتحقيقاً للوحدة في أحد مجالاتها، وهي ممارسة العبادة جماعة فيقول(عليه السلام): (من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الصف الأول) وقال(عليه السلام) أيضاً: (ما من عبد يصلي في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلي معهم وهو على وضوء إلا كتب الله له خمساً وعشرين درجة)(17).
وكانت علاقاته مع أئمة المذاهب قائمة على المحبة والمودة والاحترام المتبادل، وفي ذلك قال مالك بن أنس: (كنت أدخل إلى الصادق جعفر بن محمد فيقدم لي مخدة، ويعرف لي قدراً ويقول: يا مالك إني أحبك، فكنت أسر بذلك وأحمد الله عليه)(18).
وعلاقاته مع أبي حنيفة وسفيان الثوري علاقات متينة قائمة على أساس التعاون والتآزر من أجل تحقيق الأهداف المشتركة للأمة، ومن أجل انها مظاهر الاضطراب الفكري والبلبلة العقائدية وقف الإمام موقفاً حازماً تجاه الغلاة فحاربهم ولعنهم(19).
وكان ينهى أنصاره عن توسيع دائرة الخروج المسلح على النظام ويجعله محصوراً بفئة معينة لإدامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولإيقاف انحراف الحكام بهذه الحدود وضمن مصلحة الإسلام والأئمة ولا يدعو إلى تكليف الجهاد المسلح لأنه يخرج عن حدود المصلحة العليا قال(عليه السلام): (كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم، فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبداً ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبداً)(20).
وكان ينصح الحكام بما هو صالح لخدمة المصلحة العامة وكان لا ينظر إلى شخص الحاكم فليس المهم أن يحكم فلان أو فلان أو الإمام، ولكن المهم تطبيق المفاهيم والقيم الإسلامية في الواقع، فكان يقول(عليه السلام) للمنصور (نحن لك أنصار وأعوان ولملكك دعائم وأركان ما أمرت بالمعروف والإحسان في الرعية أحكام القرآن وأرغمت بطاعتك أنف الشيطان)(21).
وكان الإمام الرضا(عليه السلام) كثير النصح للحكم العباسي المأمون فيه صلاح الإسلام والأمة، فقد صدرت منه توجيهات قيمة في كيفية إدارة البلدان المفتوحة(22) بما ينسجم مع مصلحة الأمة والحيلولة دون حدوث تصدع الجبهة الداخلية، ومن أجل المحافظة على وحدة الأمة الإسلامية ومنعها من التفكك والتصدع بفتن داخلية نابعة من حب التسلط وحب الزعامة، كان الإمام(عليه السلام) ينصح المأمون ويرشده إلى اتخاذ الموقف المناسب تجاه الأحداث والأشخاص، فقد أخبره بأن هناك مؤامرة لقتله تدبر له في الخفاء بعد أن اطلع الإمام على تفاصيلها.
وهكذا كان لأهل البيت(عليهم السلام) في حياة الأمة الإسلامية دور فاعل وخلاق ومتوازن تحت جميع الظروف وفي ظل التداعيات بما فيها دورهم الواضح في الحفاظ عن العقيدة الإسلامية من الاندثار والاضمحلال.
نشرت في العدد 12

(1) ظ ابن كثير، البداية والنهاية: 9/ 122.
(2) ظ: مناقب ابن شهراشوب: 3/ 525 ـ 526.
(3) ينابيع المودة، القندوزي: 3/ 120.
(4) ظ: هاشم البحراني، مدينة المعاجز: 5/ 277.
(5) من مناقب ابن شهراشوب: 3/ 457.
(6) مناقب ابن شهراشوب: 3/ 362 ـ 363.
(7) نهج البلاغة، لابن الحديد: 1/ 202.
(8) البلاذري، أنساب الأشراف: 3/ 43.
(9) ابن الحكم الكوفي، الفتوح: 4/ 293.
(10) ظ: شرح نهج البلاغة: 16/ 15.
(11) ابن الأثير، الكامل: 3/ 409.
(12) ابن الجوزي، المنتظم: 5/ 343.
(13) بحار الأنوار: 44/ 330.
(14) الذهبي، سيرة أعلام النبلاء: 4/ 397.
(15) العاملي، أعيان الشيعة: 1/ 653.
(16) الصدوق، الخصال: 1/ 104.
(17) الكافي: 2/ 219.
(18) بحار الأنوار: 47/16.
(19) ابن شهراشوب، المناقب: 4/ 139.
(20) الكافي: 2/ 225.
(21) بحار الأنوار: 10/ 218.
(23) عيون أخبار الرضا: 2/ 16.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.