Take a fresh look at your lifestyle.

من سيرة الإمام الرضا (ع) الحلقة 2 العودة.. إلى بغداد

0 20

علي سعد النجفي

                 ذكرنا فيما مضى من العدد السابق عن أسباب وكيفية عودة الخليفة العباسي المأمون من مدينة مرو والتي اتخذها عاصمة لخلافته بعد قتل أخيه الأمين ورجوعه إلى مدينة بغداد عاصمة خلفاء بني العباس وأشرنا إلى جملة من الأحداث التي سبقت وتزامنت مع هذا القرار الخطير وحسب ما رأيناه أقر للواقع اعتماداً منا على المصادر الموثوقة والروايات الصحيحة وسنشير في هذه الحلقة إلى ما اعتمده غيرنا من المؤرخين في نقل أسباب وكيفية هذه الحادثة الخطيرة والتي أريد منها إخفاء وستر كرامة من كرامات الإمام الرضا(عليه السلام) فنقول قد تفرد الطبري صاحب كتاب تاريخ الأمم والملوك بذكر هذه القضية وتتابع بقية المؤرخين على نقلها منه من دون فحص أو تدقيق كابن الأثير وغيره والذي أود الإشارة إليه في هذا القسم هو مناقشة هذا الرأي حسب الدلائل التاريخية وتبيان نقل هذه الحادثة.
رأي الطبري:
ذكر الطبري في أحداث سنة (202هـ) سبب وكيفية اتخاذ المأمون قرار العودة إلى بغداد حيث قال: (وفي هذه السنة شخص المأمون من مرو يريد العراق) ثم أردف يقول: ذكر الخبر عن خصوصه منها ـ (ذكر أن علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه الأخبار وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء وأنهم يقولون إنه مسحور مجنون وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي بالخلافة فقال المأمون إنهم يبايعوا له بالخلافة وإنما صيروه أميراً يقوم بأمرهم على ما أخبره به الفضل فأعلمه أن الفضل قد كذبه وغشه وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك.
فقال: ومن يعلم هذا من أهل عسكري، فقال له: يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدة من وجوه العسكر، فقال له:أدخلهم عليّ حتى أسألهم عما ذكرت فأدخلهم عليه وهم يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وموسى وعلي بن أبي سعيد وهو ابن أخت الفضل وخلف المصري فسألهم عما أخبره فأبوا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل ألا يعرض لهم فضمن ذلك لهم وكتب لكل رجل منهم كتاباً بخطه ودفعه إليهم فأخبروه بما فيه الناس من الفتن وبينوا ذلك له وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقواده عليه في أشياء كثيرة وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة وأن هرثمة إنما جاء لينصحه وليبين له ما يعمل عليه وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته وأن الفضل دس إلى هرثمة من قتله وأنه أراد نصحه وأن طهار بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى…
وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد في بني هاشم والموالي والقواد والجند رأوا عزتك وسكنوا إلى ذلك ونجعوا بالطاعة لك فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد فلما أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم فتعنتهم حتى حزب بعضهم بالسياط وحبس بعضاً ونتف لحى بعض فعاوده علي بن موسى في أمرهم وأعلمه ما كان في ضمانه لهم فأعلمه أنه يداري ما هو فيه ثم ارتحل من مرو)(1).
هناك عدة ملاحظات حول هذا الخبر:
أولاً: عند مراجعة كتاب تاريخ الطبري نلاحظ أنه قسم الأخبار إلى قسمين الأول منها ما كان لينقله بسنده فيقول حدثني فلان وذكر لي فلان والى غيره… والقسم الثاني ما ذكره بدون سند كقوله ذكر وذكروا وهذا الخبر الذي نقله هو من القسم الثاني أي بدون الإشارة إلى أي مصدر حيث قال: (وذكر أن…) وهذا الأمر يدل على نقله للخبر بدون مصدر وقد يكون هذا هو موجوداً فعلاً عند ألسنة الناس وكأنه نقل إشاعة تتنقلها العوام وهذا بحد ذاته يضعف الخبر ويجعلنا لا نعتمد عليه.
ثانياً: يذكر لنا الخبر بأن الإمام الرضا(عليه السلام) أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتنة والقتال منذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يسر عنه من أخبار هذا الأمر بحد ذاته يخالف ما كان عليه المأمون في سيرته مع الرعية فقد عرف عن المأمون بمتابعة أخبار مملكته بدقة شديدة وكان يمتلك جهاز مخابرات عالى الدقة والتنظيم ليس له نظير لغيره من الخلفاء وإليك بعض الشواهد التاريخية على ذلك:
1ـ (وامتازت سياسته مع الرعية ـ أي المأمون ـ بميزة خاصة فكان المأمون من أشد الناس بحثاً عن أسرار رعيته وأكثرهم بها عناية وقد سار بها الأمر على سيرة أبيه هارون الرشيد)(2).
2ـ (وكان للمأمون ألف عجوز وسبعمائة يتفقد بهن أحوال الناس من الأشقياء ومن يحبه ويبغضه ومن يفسد حرم المسلمين وكان لا يجلس إلى دار الخلافة حتى تأتيه كلها)(3).
3ـ (وكان ـ المأمون ـ يدور ليلاً ونهاراً مستتراً)(4).
4ـ قال بعض العباسيين (كلمت المأمون في امرأة خطبتها وسألته النظر إليها فقال: يا أبا فلان من قصتها وحيلتها وفعلها وشأنها كيت وكيت فوالله مازال يصفها ويصف أحوالها حتى أبهتني)(5).
5ـ وفي رسالة بعثها المأمون وهو بالشام إلى والي بغداد إسحاق بن إبراهيم المصعبي في الفقهاء وأصحاب الحديث حصر فيها عيب واحد واحد وعن حالته وأموره التي خفيت ـ أو أكثرها ـ عن القريب والبعيد)(6).
6ـ وعندما أرسل رجاء بن أبي الضحاك لإحضار الرضا(عليه السلام) من المدينة إلى خراسان أمره بأن يراقب الإمام الرضا(عليه السلام) بدقة متناهية وينقل إليه أخباره وعندما حضر رجاء بن أبي الضحاك عند المأمون قدم إليه تقريراً عالي في الدقة عن حركات الإمام(عليه السلام) وحتى السور القرآنية التي كان يقرأها في الصلاة)(7).
والكثير من الشواهد الأخرى لا مجال لحصرها في هذا المقال المتواضع وإنما نكتفي بما ذكرناه من شواهد فهل يعقل أن يكون شخصاً يتابع الأخبار والأحداث بدقة متناهية مثل المأمون والذي يدور ليلاً ونهاراً مستتراً لسماع الأخبار ومتابعة الأحداث يخفى عليه أمر عظيم كالذي حدث في بغداد ويعلمه بعض جنده والعاملين معه وهو لا يدري به مع ما يمتلك من جهاز مخابرات بهذا الشكل الذي كان عنده.
ثالثاً: جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) قوله: (حدث العاقل بما لا يليق فإن صدقك فلا عقل له) والخبر الذي نقله الطبري يذكر أن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) قال للمأمون (إن الناس ينقمون مكانه ـ أي الحسن بن سهل ـ ومكان أخيه الفضل ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك).
فالعجب كل العجب أن ينسب هذا الأمر الذي لا يصدر من عاقل إلى الإمام الرضا(عليه السلام) بحيث يذهب بنفسه إلى المأمون ويخبره بهذا الأمر الذي لا يقبله العقل هذا الأمر كان محل استغراب وتعجب حتى من أشد الناس حباً للمأمون والذي دافع عنه بضراوة ألا وهو الدكتور أحمد فريد رفاعي صاحب كتاب (عصر المأمون) حينما يصل إلى ما ذكر هذه الحادثة يقول: (ومن الغريب أن أول من نبه الخليفة إلى هذا الخطر المحدق به، وبعرش آبائه وأجداده هو علي بن موسى الرضا نفسه).
فيا ترى ما هي المنفعة التي جناها الإمام الرضا(عليه السلام) من إخبار المأمون بهذا؟ ألا ترى يا عزيزي القارئ أن هذه القضية مفتعلة وغير مقبولة عقلاً.
ومن ثم نقول من المستفيد أصلاً من هذا الأمر ألا ترى أنها تصب في مصلحة شخص واحد وهو المأمون نفسه فقد أظهر لنا الخبر بأنه الخليفة المظلوم الذي كانت تخفى وتستتر عليه الأخبار وأنه بادر إلى أمر حازم من أجل خلاص المسلمين بعد معرفته بالحقيقة، فغير بعيد أن تكون هذه الحادثة ملفقة ومفتعلة وأنها شائعة أطلقها المأمون نفسه من أجل عدة أمور منها:
1ـ أن يعطي تبريراً واضحاً وشرعياً لقتل الفضل بن سهل الذي تمادى في طغيانه وأخذ يكتم الأخبار عن خليفته ويتصرف من دون إذنه.
2ـ أراد أن يخرج نفسه من تهمة قتل الفضل بن سهل وذلك بجعل أعداء له من العاملين في مملكته وأنهم تعرضوا للضرب والسجن ونتف اللحى بسب الفضل.
3ـ أن يخفي ما جرى عليه من ثورة الغوغائيين في مرو وأن يستر كرامة من كرامات الإمام الرضا(عليه السلام) لكي لا تتناقلها الألسن ويتعرض لها المؤرخين.
4ـ تضليل الناس عن الحقائق فالخبر لا يظهر لنا سوى مظلومية المأمون من أجل أن يتعاطف الناس معه.
بعد الإشارة إلى جميع هذه النقاط والملاحظات حول هذا الخبر الذي نقله الطبري نقول بأنه غير بعيد أن يكون شائعة من الشائعات التي أطلقها المأمون وأن هذا الخبر لا صحة له وأنه أراد أن يكتم حقيقة قد خفيت عن كثيرين.
نشرت في العدد 12

(1) تاريخ الطبري، أحداث سنة 202هـ.
(2) التاج في أخلاق الملوك، ص168.
(3) محاضرات الأوائل، (راجع حاشية التاج ص168).
(4) المصدر السابق.
(5) المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي ج1.
(6) التاج في أخلاق الملوك.
(7) عيون أخبار الرضا(عليه السلام).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.