Take a fresh look at your lifestyle.

الخصائص العامة للعقيدة الإسلامية على ضوء القرآن الكريم

0 19
            إن لكل عقيدة بصورة عامة خصائص ومميزات تجعل منها ذات جاذبية خاصة لمعتنقيها وتدعم موقفهم في الثبات عليها وتمتاز العقيدة الإسلامية بعدّة خصائص تميزها عن سائر العقائد الدنيوية الأخرى، وأهم هذه الخصائص(1):

 

   1ـ ربانية المصدر

           إن الله مطلق القدرات، والعقيدة من عنده يفترض أن لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها فلا يليق بها إكراه، وهي بذاتها تقبل العقلانية والعقل والبرهان دليلاً عليها لذلك هي لا تخشى (عقيدة أفضل منها) إذا ما تقرر إن الإنسان حرٌ في اعتناقها وحرٌ في تركها.
             فهي موحى بها من الله عز وجل. قال تعالى: (قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(2)، فمصدرها الله سبحانه، وقد هدانا إلى الإيمان بها عن طريق ما أنزله على رسوله(صلى الله عليه وآله) من آيات القرآن الكريم بوساطة جبرائيل(عليه السلام) فالرسول(صلى الله عليه وآله)، مبلّغ هذه العقيدة للناس كافة، قال تعالى: (إنْ أتَّبِـعُ إلا مَا يُوحَى إلَيَّ إنِّي أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم قُلْ لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ)(3).
          و: (إن ارتباط حماية حقوق الإنسان بمقاصد الشريعة،إنما يرجع إلى إن التشريع الإسلامي نفسه هو مصدر هذه الحقوق والحريات الأساسية)(4).

 

    2ـ اتفاق العقيدة مع فطرة الإنسان

             تمتاز العقيدة الإسلامية بموافقتها لفطرة الإنسان، والقرآن الكريم يقرر أن الفطرة السليمة التي لم تتلوث بأقذار الشرك تقر بوجود الله بغير دليل، بل ان توحيده أمر فطري أيضاً، قال تعالى: (فَأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ)(5)، (فالشعور الفطري بوجود الخالق من الدلائل الصادقة على وجود الخالق)(6).
           أما ما يظهر على بعض الملحدين من الكفر بالله والاستهزاء بمن دعاهم إلى عبادته، فإن ذلك لا يعني الكفر المطلق المبني على اليقين الكامل، وإنما هو انحراف في الطبيعة الإنسانية، وتحويل للغريزة الفطرية المتجهة إلى الخالق الحق إلى عبادة المخلوقات الأخرى، بسبب المبالغة في الانحراف بدافع لا أخلاقي، وظلم مرآة فطرته بدخان نار الشهوات، وبعض الغرائز النفسية العاتية المستكبرة(7).
           لذلك (تتلخص مهمة العقيدة الإسلامية في تحصين هذا البناء الفطري للإنسان من كل التراكمات السلبية، وما يحصل عليه من الشوائب الملوثة لنقاء هذه الفطرة التي ترنوا إلى الكمال والنصح الفكري وهي التي ترى أن العدل حسن والظلم قبيح…)(8).

 

    3ـ اليسر والوضوح والبساطة

              تمتاز العقيدة الإسلامية بوضوحها وبساطتها ويسرها،لأنها ميسّرة واضحة وبسيطة وغير معقدة: فإن الحرية من ملازمات العقيدة التي تكون بهذه المواصفات فلا تمنع صعوبتها (حرية اعتمادها) ولا غموضها مسوّغ لفرضها بالقوة إذ يستطيع أن يفهمها الناس على اختلاف مستوياتهم العقلية والثقافية والاجتماعية، وهي تقوم على حقائق واضحة،
              فأساسها التوحيد الذي يوضح العلاقة بين الإنسان وربّه، فالله وحده هو صاحب السلطان، وقد أوصل هداية للناس عن طريق الأنبياء، وهي تتجاوب مع فطرة الإنسان وعقله، وان أهم ما يميز يُسر العقيدة ووضوحها وبساطتها(9):
  العلاقة التي تقيمها بين العبد وربّه هي علاقة واضحة، عبودية العبد لربّه الذي يتوجه إليه، بالطلب والرجاء والدعاء… الخ.
  2ـ تجاوب الناس معها عبر التاريخ، ففي مدة وجيزة ـ من غير إكراه أو إجبار ـ انتسب إليها الكثير من مختلف الجنسيات والألوان.
  3ـ انتشارها في شتى بقاع الدنيا يدل على بساطتها وخلوها من التعقيد، فهي ليست رموزاً معقدة تحتاج إلى من يفسّرها، ولا فروضاً عقلية جافّة لا يستطيع أن يتصورها إلّا قلّةٌ من الناس.
              وإن حاول بعض الكتّاب تقييد العقيدة بزمان صدورها أو بمكان وجودها مختصراً شؤون العقيدة على العرب فقط، كقول الدكتور محمد أحمد خلف الله: (إن الكثير مما ورد في القرآن الكريم من أحكام تشريعية كان علاجاً خاصاً لهموم المجتمع العربي)(10)!، وهو كلام فيه نظر بما ينافي كثير من المقدمات.

 

    4ـ الإيجابية

              تمتاز العقيدة الإسلامية بأنها إيجابية، تتجاوب مع رغبات الإنسان وطموحاته، فهي معه لتحقيق هذه الرغبات بالطرق السليمة، فمن مظاهر ايجابيتها(11):
  أ. إن هذه العقيدة بمجرد أن تلامس القلب تستقر حقيقتها في الوجدان، وتظهر آثارها اعمالاً في حياة الإنسان وواقع مجتمعه.
  ب. إيجابية هذه العقيدة، تزيل أي حاجز بين الإنسان والكون، بحيث تكشف نواميسه وقوانينه.
  ج. إيجابية العقيدة تتمثل بامتلاكها جواب كل سؤال وحلّ كل مشكلة تعترض حياة الإنسان.

    5ـ الشمول والتوازن

             تمتاز العقيدة الإسلامية بنظرتها الشمولية للكون والإنسان والحياة(12)، فقد عرّفت الإنسان تعريفاً كاملاً، أصله ونشأته وأطواره وحياته وموته وما بعد الموت، وما يرافق ذلك حتى يقر به القرار أما الجنة أو النار، وكذلك تطرقت للكون أصله وظواهره والغاية منه،…
             وتطرقت العقيدة للحياة بشقيها الدنيوي والأخروي، وما يترتب على الإنسان في كلتا الحياتين، وامتاز هذا التطرق من جهة العقيدة بتوازن فعلى سبيل المثال تناولت الإنسان وهو في بطن أمه، وتناولته ما بعد الولادة، وما بعد الممات، وكذلك الكون تناولت أصله وما سيؤول إليه، وتطرقت للحياة الدنيا وبيّنت حقيقتها، وللآخرة وحقيقتها،
            قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ)(13)، فهي عقيدة شاملة لا تختص بجماعة(14) دون جماعة (إنها دين ودولة، أو عقيدة وشريعة)(15)، فهي رسالة عالمية غير مختصة.

 

    6ـ ثبــاتها

             إن حقائق العقيدة الإسلامية ليست نظريات صاغها البشر، أو ظنوناً وضعت من تخيلاتهم، ولكنها من عند الله، لذا إن ثبات العقيدة يظهر في ركن من أركانها، بيد أن هذا الثبات لا يعني تجميد النشاط الإنساني، وإنما يعني الالتزام بمقاييس ثابتة، يقاس نشاط البشر بها، وفي حقائق الإسلام الثابتة يستطيع الإنسان أن يتحرك ويرتقي ويطور من وسائل معيشته، وهذا من فضل الله الذي وضع لعباده منهاجاً مرناً واسعاً، لجميع مظاهر النشاط الإنساني في كل زمان ومكان(16).

 

    7ـ الوسطية

             العقيدة الإسلامية تحل بهذه الخاصية لغز المنادين بـ: لا إله، والحياة مادة، ولغز المنادين بأكثر من إله لهذا الكون، فهي لا مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء، فلا آلهة متعددون ولا إله معدوم، بل هي تنادي بربّ واحد وهذا هو أساس التوحيد، قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)(17)، وهو ما يلحظ انعكاس هذا المفهوم على الأمّة الإسلامية في كونها أمّة وسطية(18).

 

     8 ـ الواقعية

              العقيدة الإسلامية عقيدة الواقع، لا عقيدة الخيال، فهي تتماشى مع واقع الإنسان ومتطلبات وجوده، كما إنها ليست خيالية يصعب تطبيقها، فلا تطلب من الإنسان فوق طاقته، قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلّا وُسْعَهَا)(19)، وذلك يعني الاعتراف بالواقع الإنساني ووضع الخطط لتطويره(20)،
             ومنها مراعاة التعددية، (وتؤكد الصحيفة المدنية ـ إن المجتمع الإسلامي الذي خاطبه الرسول كان تعددياً)(21)، فأيما عقيدة تمتلك هذه الموضوعات تستحق أن تعتنق بحرية تامة وأن تتعامل مع العقائد الأخرى بالحرية المبرهنة ذاتها، لا تحتاج إلى مصادره أو إقصاء للخوف من عقيدة منافسة لها إنها تتمتع بالكمال، والكمال قوّة، والبقاء دائماً للأفضل.

 

    9ـ عقيدة مبرهنة

              فهي لا تكتفي من تقرير القضايا بالإلزام المجرد أو التكليف الصارم، ولا تكتفي بمخاطبة القلب والوجدان والاعتماد عليها أساساً للاعتقاد، بل تتبع قضاياها بالحجة الدامغة والبراهين الناصعة والواضحة، فنرى القرآن الكريم في قضية الإلوهية يقيم الأدلة من الكون ومن النفس ومن التاريخ على وجود الله، وعلى وحدانيته وكماله، وكذلك في قضية البعث و القضايا الأخرى التي تطرحها كافة(22).
             ولأن الإيمان الصحيح، والعقيدة الحقة مترتبة على العلم، فقد جاء ذكر هذه الحقيقة في القرآن المجيد في قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ)(23)، (فهذه الثلاثة يتبع بعضها بعضاً: العلم يتبعه الإيمان، والإيمان يثمر الإخبات وهو الخضوع والخشوع لله عز وجل)(24)، يقول سيد قطب: (إن غاية الوجود الإنساني في التصور الإسلامي هي عبادة الله أي العبودية له وحده والتحرير من عبادة العباد…)(25).
             وهذا الأمر ينطبق بصورة عامة على جميع خصائص العقيدة في تعزيز الإيمان، فعقيدة تملك مثل هذه الخصائص جديرة بالاعتناق لما تضفيه على مريديها من حُسن مقام الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ظ: سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، القسم الأول، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ط2، 1965، ص20 وما بعدها، د.محمد أحمد أبو عجيمة، وآخرون، دراسات في الفكر العربي الإسلامي، دار الهلال، بيروت، 1990، ص88، د.محمد أحمد الخطيب ومحمد عوض الهزايمة، دارسات في العقيدة الإسلامية، عمان، الأردن، ط2، 1993، ص16ـ30.
(2) سورة الأنعام/161.
(3) سورة يونس/15ـ16.
(4) د.محمد الزحيلي، د.احمد الريسوني، د.محمد عثمان شبير، حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة، كُتيب الأمة، منشورات وزارة الأوقاف القطرية، العدد 17، السنة22، 2002، ص6، د.سلمان الطعيمات، حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن، 2001، ص33ـ35.
(5) سورة الروم/30.
(6) د.عمر سليمان الأشقر، العقيدة في الله، ص65، ظ: سيد سابق العقائد الإسلامية، ص45، د.محمد حسن الحمصي، الإيمان بالله، دار الهدى للطباعة والنشر، الجزائر، ص76.
(7) ظ: د.علي بن محمد ناصر الفقيهي، منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان، ص36، عبد الرحمن حسن حنبكه الميداني، العقيدة الإسلامية وأسسها، دار العلم، دمشق، ط2، ص59.
(8) محمد جواد مالك، العقائد الإسلامية دراسة منهجية في أصول الدين، ص14.
(9) ظ: صالح الهندي، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص69، محمد علي التسخيري، التوازن في الإسلام، الدار الإسلامية، ط2، 1981، ص5، محمد تقي مصباح اليزدي، الحقوق والسياسة في القرآن، دار التعارف، بيروت، 2001، ص93، د.عبد الرحمن زكي إبراهيم، الإسلام والتوازن الاجتماعي، مجلة العربي، الكويت، العدد 354، 1988، ص24ـ27.
(10) القرآن وهموم المجتمع العربي، مجلة العربي، الكويت، العدد 291، 1983. ص21.
(11) ظ: محمد قطب، علم التوحيد، دار الشروق، القاهرة، ص1215.
(12) ظ: علي عيسى عثمان، الاعتراف بالإنسان هو الأصل في حقوق الإنسان: الإسلام والديمقراطية، مجلة المستقبل العربي، العدد 68، 1984، ص34، الإسلام دين الحرية والشمول: w.w.w.ALRADHy.com
(13) سورة القصص/77.
(14) ظ: د.صبحي الصالح، معالم الشريعة الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، 1978، ص254.
(15) د.محمد رفعت عبد الوهاب، الأنظمة السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية، 2004، ص223.
(16) ظ: صالح الهندي، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص70ـ71.
(17) سورة الإخلاص/1ـ4.
(18) للتوسعة في هذا المفهوم ظ: حجة الإسلام رهبر، الأمة الوسط، المؤتمر العالمي للفكر الإسلامي، طهران، 1403هـ، ص67 وما بعدها.
(19) سورة البقرة/286.
(20) محمد علي تسخيري، المذهبية حرية تجمع ولا تفرق، بحث ضمن التعددية المذهبية في الإسلام وآراء العلماء فيها، إعداد سيد جلال الدين ميرآقاني، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، المعاونية الثقافية، 2007م، ص11.
(21) عبد الحسين شعبان، فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي (الثقافة والدولة)، دار النهار، بيروت، 2005، ص94.
(22) ظ: د.يوسف القرضاوي، الإيمان والحياة، طباعة مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 1979، ص48ـ49.
(23) سورة الحج/54.
(24) د.عبد الستار محمد نوير، القرآن والعلم، حولية كلية الشريعة، قطر، العدد 4ـ5، 1405هـ، 1985، ص206، ظ: فرحان البغدادي، علماء الطبيعة والإيمان بالله، مطبعة أوفسيت الميناء، بغداد، ط2، 1978، ص21، أمير جعفر الأرشدي، التفوق العلمي في الإسلام، مؤسسة البلاغ، بيروت، 1990.
(25) العدالة الاجتماعية، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه، ط6، 1964، ص267.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.