Take a fresh look at your lifestyle.

التربية القرآنية .. والاستقامة

0 158

         لا يصل الإنسان إلى السمو النفسي والأخلاقي، وبالتالي إلى الاستقامة، إلّا بعد المرور بمرحلة من تربية النفس نحو الفضائل، وتنحيتها عن الرذائل، إنّ العلاقة بين الأخلاق والتربية هي العلاقة بين النظرية والتطبيق.

          فإنّ ما بين التشريعات والجوانب الأخلاقية والتربوية من تعاضد وتكاتف كما بين لحمة النسيج وسداه، لا يتم الفصل بينهما، فإنّ المسلم الحق هو الذي ملأت أخلاقه جميعَ جوانب حياته في عقيدته وعبادته ومعاملاته، إذ (لا يغني إسلام القلب وحده ولا العمل بدون إخلاص بل لا نجاة إلّا بهما)(1).

          فالاستقامة على الأخلاق الفاضلة: من عفو وحلم وعزة وسخاء علم نظري راقٍ، والتربية تعويد النفس على هذه الأخلاق حتى تصبح سجية.

          وهذه السجايا والصفات الإيجابية النبيلة لا يمكن لها أن تأخذ مفعولها ودورها في استقامة حياة الإنسان إلّا بعد أن يتغلب على الصفات والسجايا السلبية الذميمة التي تعتري نفسه ويبدلها بالصفات الحسنة.

          وكيف للإنسان أن يردع نفسه عن خبائث الصفات؟ يجيب القرآن على هذا التساؤل بقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(العنكبوت:45). باعتبارها ناهية عن رذائل الصفات، ومن هنا نفهم سبب التركيز على الصلاة في القرآن والسنة الشريفة، كقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ…)، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ..)، (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ…)، (وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ…)، (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ …)، (وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ…)، (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ…)، (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ…)، (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ…)، (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ..)، (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا…

           وكذلك الأحاديث الواردة التي تدل على أهمية الصلاة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

          (إن عمود الدين الصلاة، وهي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، فإن صحت نظر في عمله، وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله)(2)،

          وعن الإمام علي (عليه السلام) قال:

          (أوصيكم بالصلاة التي هي عمود الدين، وقوام الإسلام، فلا تغفلوا عنها)(3)،

          وعن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال:

       (الصلاة عمود الدين، مثلها كمثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبت الأوتاد والأطناب، وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب)(4)، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة.

          وبما أن البحث محصور بالتربية القرآنية لتقويم السلوك الإنساني واستقامته، فسنمر على بعض تلك الآيات القرآنية ودلالاتها في تهذيب النفس الإنسانية واستقامتها.

   1. قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)(طه:132)، ووجه الدلالة من هذه الآية: أنّ الصلاة التي أمر الله المسلم بإقامتها بشكل يومي دون انقطاع، سيصبح الاستمرار والمواظبة عليها جزءًا من سلوكه اليومي، وهذا بحد ذاته يحتاج إلى صبر، والصبر من الصفات الحميدة والأخلاق السامية التي يتحلى بها المؤمن والتي تفضي إلى الاستقامة.

  2. اقترنت عبادة الصلاة بالقول الحَسَن، فقال تعالى: (وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) (البقرة:83). 

          فينبغي أن يكون المصلي متعاهداً نفسه لتربيتها على القول الحسن، وليس القول الحسن خاصًا بالمؤمنين فقط، بل لجميع الخَلق مؤمنهم وكافرهم. فقد ذكر النيسابوري نقلاً عن أهل التحقيق: أنه على العموم وذلك أنّ كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين، كما قال الله تعالى لموسى (عليه السلام): (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)(طه:44)، وقال لنبينا محمد(صلى الله عليه وآله): (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(آل عمران:159)، وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كدعوة الفسّاق فحُسنُ القولِ أيضًا معتبر: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125)، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(فصلت:34)، وأمّا في الأمور الدنيوية فمن المعلوم: أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلّا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلّا شانه، فثبت أنّ جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت هذا القول(5).

         ولنتأمل في ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)(المؤمنون:2ـ4).

          فمع أنّ الصلاة قرينة الزكاة في أغلب آيات القرآن، لكن في هذا الموطن لما كانت السورة تحمل في اسمها (المؤمنون) أسمى ما يتصف به المرء، فقد مزجت التشريعَ بالأخلاق، فأتبعت الصلاةَ بخُلق الإعراض عن اللغو.

          من هذا المنطلق وجب على حامل القرآن أن يتدبر في كلامه عز وجل، حتى يكون نموذجًا يحتذى، وخليفة لله في أرضه، عفّ اللسان، طاهر اليد، نظيف القلب.

           ونلحظ أن الصلاة مقترنة بالإعراض عن اللغو (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)(المؤمنون: 4).

          تؤثر الصلاة تأثيراً إيجابياً فتجعل صاحبها يعي ما يتكلم به، بحيث يكون عقله قبل لسانه، فلا يلغو ولا يفحش، وإذا سمعه يعرض عنه: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)(القصص:55)، وعن معنى اللغو يقول ابن منظور: اللغو واللغا: السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه فائدة ولا نفع، لقلته أو لخروجه على غير جهة الاعتماد من فاعله(6).

            وقال الراغب: هو ما لا يعتد به، وهو الذي يرد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا ـ وهو صوت العصافير ـ وقد يسمى كل كلام قبيح لغوًا(7).

            وفي التعبير بـ (مُعْرِضُونَ) يفيد أنهم على هذه الأخلاق في عامة أوقاتهم أي: تربوا على ذلك كما ينبئ عنه الاسم الدال على الاستمرار، فيدخل في ذلك إعراضهم عنه حال اشتغالهم بالصلاة دخولاً أوليًا، وإقامة الإعراض مقام الترك؛ ليدل على تباعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وميلاً وحضورا(8)،ومن ثم إذا (كانوا معرضين عن اللغو فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى)(9).

  3ـ الصلاة مقترنة بتطهير النفس من براثن الفواحش والمنكر، قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(العنكبوت:45).

           من التطبيق العملي لهذه الآية ما رواه أنس بن مالك قال: كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يدع شيئاً من الفواحش والسرقة إلّا ركبه، فذكر للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقال (صلى الله عليه وآله): (إنّ الصلاة ستنهاه) فلم يلبث أن تاب، وصلحت حاله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ألم أقل لكم ؟)(10).

           ونلحظ أيضاً أن القرآن الكريم حينما عرض للصلاة وهو يبرز أهدافها عرض لها من جهات متعددة, فقد عرض لها في موضع على أنها من أوصاف المتقين الذين ينتفعون بهذا الكتاب الكريم, والذين كانوا بتلك الأوصاف على هدى من ربهم وكانوا هم المفلحين, قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(البقرة:1ـ5). فتعميق الصلاة لهذه الصفات لكونها خطاً روحياً مباشراً بين الإنسان وبين الله.

         وعرض لها مرة على أنها عنصر من عناصر البر والحق الذي رسمه الله لعباده ودعاهم إليه, وجعله عنواناً على صدقهم في الإيمان, وعلى أنهم المتقون, قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)(البقرة:177), فــ (الإيمان وإقامة الصلاة هما منبع الفضائل الفردية, لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها )(11).

           وعرض لها على أنها سبيل يؤهل القائمين بها أن يتآخوا في الدين ويتقرر لهم ما تفرضه الأخوة من حقوق وواجبات، قال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(التوبة:11), فنلحظ أن المشركين بمجرد الإتيان بهذه الصلاة وإقامتها مع الركن الآخر, يكونوا إخوان المسلمين على الرغم من العداوة السابقة, فهي عنوان للأخوة في المجتمع.

          كما عرض لها على أنها عنوان للتمسك بالكتاب وسبيل للحصول على أجر المصلين, قال تعالى: (والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)(الأعراف:170)، إلى غير ذلك من المواطن التي تقرر أن المقيم للصلاة كما أرادها الله والمتفاعل معها إنسان تتحقق فيه العناصر المكونة لشخصية الإنسان المؤمن, وإذا وجدت هذه الشخصية المؤمنة داخل المجتمع فإنها بالطبيعة تندفع نحو الخير والترابط والتعاون, إذ الإيمان الذي تؤسس له الصلاة وتثبته يتعامل بأوامر الإسلام القاضية بلزوم أخوة من يتماثل معها في الدين والعقيدة.

          وبكلمة.. إن من فضل الله على البشرية أنه لم يتركها هملاً، تخبط خبط عشواء، فتهيم على غير هدى، بل جاءها بمنهاج شامل قويم في تربية النفس، وتنشئة الأجيال، وتكوين الأمم، وبناء الحضارات، فيقول رب العزة في محكم آيه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء:9).

         ولعل المتأمل للحالة الراهنة للأمة الإسلامية، يجد أنها في أمس الحاجة إلى منهاج تربوي يعمل على تقويمها وإصلاحها، ليخرجها مما وقعت فيه من ضعف نفسي، وأزمات فكرية، وانحرافات أخلاقية، وفساد اجتماعي، زلزلت كيانها وأدت إلى تراجعها وتخلفها، والتربية القرآنية (حتماً هي الوسيلة لذلك الصلاح لأنها البوتقة التي ينصهر فيها الرجال الذين يقودون الإصلاح)(12)،

         فالمسلمون يجب أن يدركوا أن دينهم ليس مجرد مجموعة من الآيات والنصوص يترنمون بتلاوتها من دون وعي أو تدبر، وأن يدركوا ذلك الدور الفكري التربوي لمنهج القرآن الكريم، وما يحويه من قيم ومبادئ وأبعاد تربوية عظيمة، إذ بتوجيهات القرآن المجيد كان أن تجلى للبشرية رجالٌ عظماء، عمالقة في الفكر والرأي في شتى المجالات؛ لأنهم التزموا صراط ربهم المستقيم ومنهجه القويم، يستقون من معينه، ويستضيئون بنوره، وينهجون في التربية نهجه، ومنهم عِدل القرآن وترجمانه الواقعي، العترة الطاهرة من آل محمد (عليهم السلام).

           ومن ثَمّ نعلم يقيناً (بأن النصوص وحدها لا تصنع شيئاً، وأن المصحف وحده لا يعمل على صنع الرجال، وأن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكاً ملموساً)(13)، لذلك فإن التربية الناجحة هي التي تصوغ من فكر الإسلام شخوصاً، وتجعل إيمانهم بالإسلام عملاً، وبذا يطبقون المنهج القرآني بالقول والفعل كما وصفهم ربهم عز وجل في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(الأحقاف:13)، فالقرآن الكريم يدعو إلى صياغة إنسان (بعيداً عن الهوى، والضلالة، والخرافة، وفي كل المجالات السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والتربوية و.. و.. وبالتالي فهو ينسق بين سعي الإنسان من جهة، وبين فطرته، والطبيعة من حوله، والتاريخ وسنته من جهة أخرى)(14).

          والمستقرئ لنصوص القرآن الكريم والمتدبر لآياته ومعانيها، يجدها توجه الأمة إلى الاستقامة على منهج الله سبحانه وسنة المعصوم في مواضع متعددة منها قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(الأنعام:153)، فنلحظ أن المنهج القرآني في البناء الفكري لا يحدد أمراً معيناً من شؤون الإنسان وبنائه، أو فعل خاص من أفعاله، ويقتصر عليه بناؤه دون غيره، بل الطريق واحد لجميع شؤون الإنسان، فالآية في مضمونها تمثل منهجًا يشمل كل حياته، إنها دعوةٌ لتحديد الطريق التي يسلكها على أساس الهدف الذي يستهدفه، فإذا كان الله، هو هدف وجوده، في ما يريد أن يبلغه من رضوانه، ويصل إليه من جنته، فإن هناك طريقاً واحداً يصل به إلى هذا الهدف، لا يوجد غيره، ولا سبيل سواه، وهو الطريق المستقيم، الذي يبدأ من الإيمان بالله وينتهي بنيل رضاه.

           وفي موضع آخر نجد الحث القرآني على الاستقامة وتمثّل القيم القرآنية، للوصول بالتالي إلى بناء فكر جامع لمعاني التربية وقيمها، قال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود: 112)، فنلحظ هنا الأمر الإلهي للنبي (صلى الله عليه وآله) ولمن اتبعه من المؤمنين بالتزام الاستقامة بما تحمل هذه المفردة من معاني الاعتدال والمضي على النهج من دون انحراف، والإنسان الذي يروم حياة قرآنية يكون في حاجة دائمة إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلاً أو كثيراً.. ومن ثم فهي في شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة، ومجالاتها الواسعة، لتحقيق واقع يعيش مبادئ القرآن الكريم وما أراده من منهج مستقيم يصل بالإنسان إلى سعادة الدارين.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) التحرير والتنوير/ ابن عاشور/1/657.
2) تهذيب الأحكام / الشيخ الطوسي / ج2 ص237.
3) مستدرك الوسائل / النوري / ج3 ص29.
4) الوسائل / الحر العاملي / ج4 ص27.
5) غرائب القرآن ورغائب الفرقان/النيسابوري / 1/ 325.
6) لسان العرب / ابن منظور / ج15 / 4501.
7) المفردات / الراغب / ص451.
8) ظ: إرشاد العقل السليم/أبو السعود / 6/ 124.
9) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر السعدي /ص594.
10) سنن البيهقي، 3 / 174 رقم 3261.
11) تفسير التحرير والتنوير/ابن عاشور محمد الطاهر / 2 / 131.
12) فلسفة التربية في الإسلام انتماء وارتقاء / أحمد رجب الأسمر / ص19 .
13) تربية الأولاد في الإسلام/ عبد الله ناصح علوان/ج1/7 .
14) تفسير من هدى القرآن / المدرسي / 4/ 423 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.