Take a fresh look at your lifestyle.

الترغيب والترهيب الحسِّي في الموت

0 439

 

            إن الإنسان يمر بعدة عوالم في حياته، وينتقل من مرحلة إلى مرحلة، حيث تبدأ الحياة الدنيا للإنسان وينتقل من عالم الأجنة -الذي قضى فيه أجلاً معيناً- إلى عالم الدنيا عن طريق الولادة، فيقضي في الدنيا ما قدر الله سبحانه وتعالى له من العمر، وبعد إنهاء المدة المُقدرة يأتي الأجل المُسمى له، لينتقل من عالم الدنيا إلى عالم البرزخ (وهو من محطات الآخرة) عن طريق الموت الذي يكون بالنسبة للحياة الآخرة ولادة جديدة للإنسان، إذ ينقله من عالم إلى آخر، وبعد أن يقضي في البرزخ أجلاً معيناً يأتي اليوم الذي يُبعث فيه الإنسان ليُحاسب على أعماله.

             ونجد أنّ الإنسان يستوحش من ثلاثة أيّام، يوم يولد فيه فيرى هذا العالم الذي لم يعرفه، ويوم يموت ويرى عالم ما بعد الموت، ويوم يبعث حيّاً في عرصات القيامة فيرى أحكاماً لم يرها في هذه الدنيا.. لذلك يذكر القرآن الكريم في شأن يحيى بن زكريا هذه الأيام الثلاثة، كما في قوله تعالى: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)(مريم:15)، ويحكي على لسان عيسى بن مريم مثل هذا الكلام، فهذان النبيّان مشمولان بعناية الله في هذه الأيّام الثلاثة(1)، وقد خلق الله تعالى الخلق وخلق لهم الموت كما خلق لهم الحياة ليبتليهم في أعمالهم فيُجازي المُحسن بإحسانه والمُسيء بإساءته، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)(الملك:2).

           فالحياة الدنيا مجرّد لهو ومتاع، وتكون خادعة للإِنسان، فإذا نظر إليها من بعيد وجدها غضَّة جميلة المنظر، في لذَائذها المادية تبدو وكأنها خالصة من كل شائبة، وخالية من كل ما يكدرها، فإذا اقترب إليها ولمسها عن كثب وجدها ممزوجة بكل ألوان العناء والعذاب، فجاء القرآن الكريم يحذر الإنسان كي لا يجعل هدفه الأخير ومقصده الوحيد والنّهائي هو الحياة المادية ولذاتها العابرة الفانية، وأمّا الانتفاع بالحياة المادية ومواهبها كوسيلة للوصول إلى التكامل الإنساني والمعنوي فليس غير مذموم فقط، بل هو ضروري وواجب(2).

             ويمثل الموت آخر يوم من أيّام الدنيا، وأوّل يوم من أيّام الآخرة لكلّ إنسان، وهو الحقيقة الثابتة التي دلّت عليها الأدلّة البرهانية، بل وصلت إليها الإدراكات الوجدانية، وكلّ منّا يعلم بالموت ويراه عن يقين وعيان، ويدركه عن حسّ يغني عن البيان والبرهان، فيلزم الاعتقاد بحقّانيّته والإقرار بأنّ كلّ حي سوى الله ميّت(3).

            وقيل: الموت في كلام العرب يطلق على السكون، يقال ماتت الريح إذا سكنت، والموت يقع بحسب أنواع الحياة، فمنها ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات، ومنها زوال القوة الحسية(4)، وعُبر عن الموت بأنه (صفة وجودية خُلقت ضداً للحياة)(5)، وتختلف أنواع الموت بحسب أنواع الحياة(6)،

    فالأول:

            ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات نحو قوله تعالى: (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)(ق:11)، 

   والثاني:

           زوال القوة الحساسة، ومنه قوله تعالى: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ)(مريم:66)،

   والثالث:

        زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة، نحو قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)(الأنعام:122)،

   والرابع:

          الحزن المكدر للحياة، ومنه قوله تعالى: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ)(إبراهيم:17)،

 والخامس:

           المنام، فقد قيل: النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل، وعليه سماه الله توفيًا، ويعتقد بعض الناس أن الموت يعنى الفناء وانتهاء الحياة، قال تعالى: (وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)(الأنعام:29)،

           بينما الموت هو انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى من المراحل التي قدرها الله سبحانه وتعالى لحياة الإنسان، وهو انتقال من دار العمل والتكليف الدنيوي إلى دار الجزاء بالثواب والعقاب الأُخروي.

           والموت بالنسبة للإنسان هو العقبة الصعبة جداً وإنّ شدائدها وصعوباتها تحيط بالمحتضر من جميع الجهات،

فمن جهة تواجهه شدة المرض، وشدة الوجع، واعتقال اللسان، وذهاب القوة من الجسم،

ومن جهة أخرى يواجه بكاء الأهل والعيال، ووداعهم له، وغَمَّ يُتْمٍ وغربة أطفاله،

ومن جهة ثالثة يواجه غمَّ مفارقته لماله ومنزله وأملاكه ومدّخراته وأشيائه النفيسة التي صرف عمره العزيز من أجل تحصيل المزيد منها، بل قد يكون أكثر ما عنده عائدًا للآخرين، وقد يكون بعضه قد تملّكه منهم بالظلم والغصب، وكم تعلقت من الحقوق الشرعية بأمواله ولم يؤدها، وهو الآن في تلك الحالة ينتبه إلى ما أتلفته وخربته أعماله(7).

         لذا فإن الموت وذكره شيء مهول ومخيف، وهو أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه، أو يبعد شبحه عن خاطره، ولكن أنى له ذلك، والموت طالب لا يمل الطلب، ولا يبطئ الخطى، ولا يخلف الميعاد، وذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدب في الأوصال، وإنه ليرجف لصداها وهو بعد في عالم الحياة، فكيف به حين تقال له وهو يعاني السكرات(8).

          وصحيح أن الموت مجرد حالة انتقالية، لكنه مصحوب بالألم الشديد حال انتزاع الروح من أعضاء البدن، ويكون هذا الانتزاع تدريجياً من البدن الذي لم تفارقه كهذه المفارقة منذ وجدا في الحياة، وشدة التماسك بينهما، ومن هنا كان الموت لدى الأنسان مصحوباً بالخوف والدهشة، كونه انتقال من عالم معلوم محسوس إلى عالم آخر مجهول غيبي لا يُعلم كيفية التعامل فيه.

          ولأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) كلام بليغ في إحدى خطبه يصف فيه لحظة الموت وسكراتها، ويصف الحالة الحسية للمحتضر بموت العضو بعد الآخر، ابتداءً من الأطراف (اليدين والرجلين)، ثم تغير الألوان، ثم بانتشار الموت في الجسم ثم اعتقال اللسان، وحال المحتضر وهو ينظر ويسمع أهله، إذ يقول (عليه السلام): (…اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وحَسْرَةُ الْفَوْتِ فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ وتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ، ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وبَيْنَ مَنْطِقِه وإِنَّه لَبَيْنَ أَهْلِه يَنْظُرُ بِبَصَرِه ويَسْمَعُ بِأُذُنِه عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِه وبَقَاءٍ مِنْ لُبِّه يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَه وفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَه ...)(9).

           وبما أن الخلائق كلها مصيرها إلى الزوال، -بما فيها الإنسان- وإذا أنكر الإنسان كلّ شيء فلا يمكنه أن ينكر أنّ الموت حقّ، وأنّه لابدّ أن يَطرق بابه، والموت يُعدّ إنذاراً لجميع الناس ليفكّروا أكثر وأحسن ويعرفوا طريقهم المُقدمين عليه، وما هو أمامهم ويستعدّوا للانتقال، فسكرات الموت أمر يمر به المؤمن والكافر، (وبالطبع فإنّه من المسلّم به أنّ المرتبطين بهذه الدنيا يكون انتقالهم منها أصعب وقطع القلوب منها أشدّ، كما أنّ الآثمين وأصحاب الذنوب تكون عليهم سكرات الموت أكثر ألماً ومرارة)(10).

             فالمُلاحظ أن ما من عامل للخير أو الشر، مؤمناً كان أو فاسقاً، فإنه يجني ثمار عمله، في الدنيا والآخرة وما بينهما، أي عند الممات، فإذا كان المؤمن قد غفل بعض الأوقات وطرأت له معصية، ولم يُوفق للاستغفار وطلب العفو، فإن الله سبحانه وتعالى لا يحب أن يعاقبه عليها العقاب الأكبر في الآخرة، وإنما يريده أن ينتقل إليه، وهو خالٍ من الذنوب، فيضيّق عليه في حياته وعند مماته، وأما إذا كان على يقظة وحذر في حياته ولا يغفل عما يصدر منه من أخطاء، عندها سيكون الموت بداية للنعيم السرمدي، والعكس بالعكس بالنسبة إلى غير المؤمن، فإذا عمل عملاً صالحاً، مع ما هو عليه من فساد الإيمان، فإن الله جل وعلا بمقتضى عدله ولطفه يجازيه على ذلك العمل في الدنيا، وإن بقي له من الأجر شيء فيوافيه عند موته بتهوينه عليه، حتى يلقى الله سبحانه وتعالى وليس له عنده شيء من الأجر.

            وهذا ما نجده في مرويات أهل البيت (عليهم السلام)، فقد ورد أنه (قيل للإمام الصادق (عليه السلام): صف لنا الموت، قال (عليه السلام):

          للمؤمن كأطيب ريح يشمّه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كلّه عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشدّ، قيل: فإنّ قوماً يقولون إنّه أشدّ من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض، ورضخ بالأحجار، وتدوير قطب الأرحية على الأحداق؟ قال: كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين، ألا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد؟ فذلكم الذي هو أشدّ من هذا لا من عذاب الآخرة، فإنّه أشدّ من عذاب الدنيا، قيل: فما بالنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفئ وهو يحدّث ويضحك ويتكلّم، وفي المؤمنين أيضاً من يكون كذلك، وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد؟ فقال: ما كان من راحة للمؤمن هناك فهو عاجل ثوابه، وما كان من شديدة فتمحيصه من ذنوبه ليرد الآخرة نقيّاً، نظيفاً، مستحقّاً لثواب الأبد، لا مانع له دونه، وما كان من سهولة هناك على الكافر، فيوفّى أجر حسناته في الدنيا ليرد الآخرة وليس له إلاّ ما يوجب عليه العذاب، وما كان من شدّة على الكافر هناك فهو ابتداء عذاب الله له بعد نفاد حسناته ذلكم بأنّ الله عدل لا يجور)(11).

             ولذلك كان الموت من الأمور المحسوسة، التي يشاهدها ويحس بها من نزل به الموت فعلاً وغيره من الأحياء، وأما أن يكون الموت انتقالاً من شقاوة إلى سعادة أو بالعكس، فإذا ما كان الإنسان مؤمناً مطيعاً سيكون مصيره الراحة في الموت، ويكون الموت آخر لذة له في الدنيا وبداية النعيم الأخروي، وأما إذا كان الإنسان عاصياً لربه، فسيكون بالنسبة له عذاباً شديداً، لذلك صح أن يكون الموت داخلاً ضمن الترغيب والترهيب الحسي في الحياة الآخرة، ونستنتج من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة أن الموت يدخل ضمن الترغيب والترهيب الحسيّ الذي يكون في نهاية الدنيا وبداية الآخرة.

الترغيب الحسيّ الحاصل حال الموت

             أشارت آيات القرآن الكريم وأوضحت بعض الروايات، أنَّ لحظة الموت تختلف من إنسان لآخر، فهي سهلة مُريحة على المؤمنين، وصعبة ومؤلمة على الكافرين، وذلك أن المؤمنين يشتاقون للقاء الله ورحمته فلا يشعرون بآلام لحظة الانتقال، قبال ما يرونه في انتظارهم، وأمّا الكافرين فإنّ الآلام تتضاعف عليهم لحظة الانتقال، لأنهم لا يريدون فراق الدنيا ولخوفهم مما ينتظرهم من عقوبات الآخرة.

             ونجد أنَّ القرآن الكريم كثيراً ما أكّد على مسألة الموت ولاسيما عند الاحتضار، وينذر الجميع أنَّهم سيواجهون مثل هذه اللحظة، وقد عبّر عنها بعدة ألفاظ؛ فعبر عنها أحياناً بإذاقة الموت وجاءت استعارة الإذاقة لموت النفس، قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)(آل عمران:185)، وأحياناً بغمرات الموت، قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ)(الأنعام:93)، وأحياناً أخرى بسكرة الموت، قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)(ق:19)، كما عبر عنها ببلوغ الحلقوم، قال تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ )(الواقعة:83)، ويعبر عنها أيضاً ببلوغ الروح إلى التراقي، كما في قوله تعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ)(القيامة:26)، وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت)، الذي تكرر في ثلاث سور من القرآن الكريم(12)، أي أن النفس (واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق)(13)، وذوق النفس للموت من المجاز (لأن الموت لا يذاق في الحقيقة، لأن ذلك مشهور في كلامهم يقولون ذاق الموت، وشرب بكأس المنون، لأنه بمنزلة ما يذاق بذوق شدائده، والفرق بين الذوق وإدراك الطعم، أن الذوق تقريب جسم المذوق إلى حاسة الذوق، والإدراك للطعم هو وجدانه وإن لم يكن هناك إحساس)(14).

            والذوق من مُختصات اللسان، إلّا أنه كما أن اللسان حاسة لتذوق طعوم المأكل والمشرب فيُميَّز به الطيبات من غيرها، كذلك النفس عند الممات تكون حاسة لتذوق طعوم الموت من شدة ومرارة، أو يُسر وحلاوة، فلذا جاء تشبيه النفس باللسان، وكذلك نجد أن اللسان عند تذوقهِ ما حسُن من الطيبات، فإن هذه اللذَّة سوف تنعكس على بقية الحواس مما يجده اللسان من لذة في تلك الطيبات، وأما إذا تذوق اللسان ما ساء طعمه فأيضاً سينعكس ذلك الطعم على بقية الحواس، وكذلك الحال بالنسبة للنفس، فإن كانت نفساً مؤمنةً بالله جل وعلا، فإنها ستجد في الموت اللذة التي تنعكس على جميع الحواس مما لا تشعر معه تعباً في خروج الروح، وأما إذا كانت نفساً كافرةً فإنها ستجد الغصة والمرارة تتجرعها مُكرهة عند الموت، بمعنى: أن الموت إنما تُذاق منه لذاته وطيباته أو آلامه وشدائده، فهو (وعد ووعيد للمصدق والمكذب وفيه تأكيد للتسلية له لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الهموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً أخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء ويرى كل منهما جزاء عمله)(15).

              لذا فإن الموت يكون ترغيباً للمؤمن من جهة وترهيباً للكافر من جهة أخرى، ذلك أن المؤمن يرى في الموت نهاية الحياة الدنيا الزائلة القائمة على أساس العمل والتكليف، والانتقال إلى الحياة الباقية القائمة على الإثابة والنعيم، بينما الكافر فإنه يرى أن الموت نهاية ما كان فيه من النعيم في الحياة الدنيا، والذي لم يُجهد نفسه ويمنعها عما تشتهي منه، وانتقاله إلى العذاب والمحاسبة على ذلك النعيم.

             والتعبير بالتذوق إشارة إلى الإحساس الكامل، لأن المرء قد يرى الطعام بعينيه أو يلمسه بيده، ولكن كل هذا لا يكون، والأحرى لا يحقق الإحساس الكامل بالشيء، نعم إِلاّ أن يتذوق الطعام بحاسة الذوق فحينئذ يتحقق الإحساس الكامل، وكأن الموت في نظام الخلقة نوع من الغذاء للإنسان والأحياء(16).

                فحال المُحتضر حال من يعاني من داء ووصف له علاج يشفيه من ذلك الداء، لكن مرةً يكون العلاج مما تحبه النفس كالعسل الذي يخلصه مما هو فيه بطيبة طعمه وحلاوته، وأخرى يكون مما تكرهه النفس كالحنظل الذي فيه مرارة وغصة مضافاً إلى مرارة وألم المرض، والمُحتضر كذلك فمرةً يكون له الموت نهاية من آلام الدنيا وانتقالاً إلى غاية السعادة، وأخرى يكون له بداية الآلام والشقاوة، لذا فإن (نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج، لأنها تصير إلى أشد العذاب، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مَنْ أَرَادَ لِقَاءَ اللهِ أَرَادَ اللهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ)(17) ، وذلك عند نزع الروح، (فهؤلاء الكفار تُكرِههم الملائكة على نزعِ الروح)(18).

               ويحكي القرآن الكريم حال قبض أرواح المؤمنين من قِبل الملائكة الموكلين بهم، الذين يُسلمون عليهم ويستقبلونهم ويُبشرونهم بالبشرى في الآخرة بدخول الجنة، قال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(النحل:32)، فالمتقون وهم في مشهد الاحتضار، وهو مشهد هين لين كريم، طيبة نفوسهم بلقاء الله، معافيين من الكرب وعذاب الموت، (يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ) طمأنة لقلوبهم وترحيباً بقدومهم (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تعجيلاً لهم بالبشرى، وهم على أعتاب الآخرة، جزاءً وفاقاً على ما كانوا يعملون(19).

              وقوله تعالى: (طَيّبِينَ) (صفة للمتقين وهي كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها وكأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها، ومَن هذا

حاله لا يتألم بالموت)(20).

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ظ: تفسير الأمثل/مكارم الشيرازي: 17 / 29.
(2) ظ: م.ن: 3 / 24.
(3) ظ: العقائد الحقّة/ السيد على الصدر الحسيني: 403.
(4) ظ: مجمع البحرين/ الطريحي: 2 / 223.
(5) التعريفات /الجرجاني: 235.
(6) ظ: التوقيف على مهمات التعاريف/المناوي: 318، ظ: المفردات في غريب القرآن/الراغب الاصفهاني: 781.
(7) ظ: منازل الآخرة/الشيخ عباس القمي: 107.
(8) ظ: في ظلال القرآن/ سيد قطب/6 / 3364.
(9) نهج البلاغة، الخطبة 109.
(10) تفسير الأمثل/مكارم الشيرازي:17 / 29.
(11) بحار الأنوار/ المجلسي: 6 / 152 ب1 ح6.
(12) سورة آل عمران/ 185، سورة الأنبياء/ 35، سورة العنكبوت/ 57.
(13) تفسير الكشاف/ الزمخشري: 3 / 461.
(14) التبيان في تفسير القرآن/ الطوسي: 3 / 70.
(15) تفسير روح المعاني/ الآلوسي: 2 / 357.
(16) ظ: تفسير الأمثل/مكارم الشيرازي: 3 / 23.
(17) ظ: ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة/الشهيد الأول/ج1ص389.
(18) تفسير مفاتيح الغيب/ الرازي: 13 / 68.
(19) ظ: في ظلال القرآن/ سيد قطب: 4 / 2169.
(20) تفسير مفاتيح الغيب/ الرازي: 20 / 203.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.