Take a fresh look at your lifestyle.

التطور التاريخي للعقائد الزيدية (من النشأة حتى بدايات القرن الرابع الهجري)

0 135

     يعود ظهور الزيدية، إلى خروج زيد بن علي زين العابدين(عليه السلام) في وجه هشام بن عبد الملك سنة 122هـ (1)،
وقد انتهت ثورته، كغيره من آل بيته، نهاية فاجعة، وقـُتِلَ عدد كبير من أنصاره وصلبوا وشردوا، ولكن هذه الهزيمة ستكون مؤقتة لأن روح الثورة الزيدية ستتواصل وسيكون لها دور هام بسقوط الأمويين وهو ما أكده كارل بروكلمان بقوله : (بعد أن قتل زيد في معركة دارت بالشوارع، فالحق أن ثورة زيد هذه كانت فاتحة سلسلة طويلة من الحركات الشيعية التي أدت آخر الأمر إلى سقوط
الأمويين)(2).
وفي العهد العباسي انبعثت هذه الروح الثورية من جديد عن طريق محمد النفس الزكية، ورغم مقتله هو الآخر مع عدد من أهل بيته بطريقة فاجعة من قبل جنود المنصور العباسي(3)، فإن دعوته ستظل تشتعل كالنار تحت الرماد حتى تحرق البساط تحت أقدام الخلفاء العباسيين ويصل الحريق إلى بغداد عاصمتهم بدخول أحمد بن بويه الزيدي إليها، وحجره على الخليفة بها، وإقامة سلطان بني بويه من الشيعة الزيدية في سنة 334هـ – كما سنلاحظ في وقفة أخرى-.
ونرى من الضروري أن نلخص أهم المبادئ التي يقوم عليها المذهب الزيدي والتي منحت هذه الفرقة عناصر قوتها، فضلاً عن تطوره وصولاً إلى القرن الرابع الهجري.
كان زيد بن الإمام علي زين العابدين(عليه السلام)
عالماً زاهداً يعتقد بالقيام بالسيف ضد حكام الجور، ففي سنة122هـ قاد تحركاً ضد الأمويين في الكوفة انتهت باستشهاده(4)،
وكان أصحابه خليطاً من الشيعة والتيارات الأخرى التي كانت تشاطره بالرأي السابق (5).
إذ إن الأحزاب الشيعية في العراق كانت تتحين الفرص للثورة ضد النظام الأموي الضعيف ولذلك عندما طرح زيد نفسه للزعامة التحقت به بعض التشكيلات الدينية فأطلق على الجميع اسم الزيدية رغم الخلافات العقائدية الحادة بين هذه المجموعات في بعض المسائل كالإمامة والموقف من خلافة الشيخين(6).
ولم تتوافر عن فكر زيد سوى معلومات محدودة، كما أن الروايات المنسوبة له مختلفة إلى الحد الذي يتعذر معه التعرف على مدى استفادة آراء وتعاليم الزيدية من أفكار زيد نفسه، فرغم تأكيده على أحقية الإمام علي(عليه السلام) بالخلافة، لكنه لا يعتقد أن عمل الشيخين يستوجب البراءة منهما حسب ما يذكره بعض القدماء (7).
وتذكر بعض الروايات إن زيداً لا يعتقد بنصوصية (الإمام المفترض الطاعة )(8).
وهنا من الضروري أن نبين ولو بشكل سريع منزلة زيد الشهيد وعقيدته وثورته عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام): أورد الشيخ الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا
عنه (عليه السلام) في حديثه عن زيد قوله :
(…إنه كان من علماء آل محمد غضب لله فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله .).
وعنه أيضًا قال : (حدثني أبي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد(عليهما السلام)
يقول رحم الله عمي زيدًا إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفى بما دعا إليه ولقد استشارني في خروجه فقلت له يا عمي إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك فلما ولى قال جعفر بن محمد(عليهما السلام): ويل لمن سمع داعيته فلم يجبه.. فقال المأمون يا أبا الحسن أليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء؟ فقال الرضا (عليه السلام):
إن زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق وإنه كان اتقى الله من ذلك، إنه قال أدعوكم إلى الرضا من آل محمد. وإنما جاء ما جاء فيمن يدعي أن الله تعالى نص عليه ثم يدعو إلى غير دين الله ويضل عن سبيله بغير علم وكان زيد والله ممن خوطب بهذه الآية (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ).
3ـ وبإسناده عن عمرو بن خالد قال قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام): (في كل زمان رجل منا أهل البيت يحتج الله به على خلقه. وحجة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد(عليهما السلام) لا يضل من تبعه ولا يهتدي من خالفه ).
وهناك أحاديث كثيرة موثوقة وردت عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) تبين استقامة عقيدة زيد وشرعية ثورته. ومن أراد المزيد فليراجع.
لقد أكد زيد في تعاليمه وجوب محاربة الظلم والفساد وألزم الإمام الذي يملك ثلاثمائة نصير بمحاربة أهل الجور والبغي(9)، لقد اجتاز تيار الزيدية خلال هذا القرن حتى بداية القرن الثالث الهجري الوضع القلق من تاريخه بعدما تجاوز مرحلة التحركات السياسية، وقد توافر الفكر الزيدي في هذه الفترة على رؤية مشتركة مفادها أن الإمامة بعد شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) تستمر في جميع أبناء علي (عليه السلام) بمن فيهم أبناء الحسنين(عليهم السلام) وإن لم يكن منصوصاً عليه فمن يقم بالسيف من هؤلاء ويدع الناس لنصرته فسيكون إماماً مفترض الطاعة(10).
ومن هنا نجد أن فرقة الجارودية (وهم أتباع أبو الجارود زياد بن المنذر)، التي تنفي الإمامة عن الشيخين، وتفرق بين علم أهل البيت(عليهم السلام) وعلم العامة قد اقتربت من الإمامية، أما غيرها من الفرق الزيدية الأخرى كالبترية والسليمانية فقد اقتربت أكثر إلى العامة عندما قدمت المفضول على الأفضل وقبلت بإمامة الشيخين (11).
وقد أفضى النزاع بين هذه التيارات إلى تسمية المجموعة الأولى من الزيدية بـ (الأقوياء) وتسمية المجموعة الثانية (بالضعفاء)(12).
ثم إن الزيدية بشعبها تختلف في ما بينها في القضايا الأساسية مثل صفات الباري والعدل والاستطاعة(13)، وهناك من يقول منهم بالرجعة وهم الذين يسمون أصحاب (الصباحية) وهم أتباع (صباح المزني) وقد اختلفت معهم العديد من فرق الزيدية وخصوصاً في القرن الثاني الهجري (14).
ومع بدايات القرن الثالث الهجري فقد انسجم القسم الأعظم من الزيدية فكرياً ومدرسياً، ولم يبق من أسماء فرق القرن الثاني أحد سوى الجارودية، وكان أكثر متكلمي الزيدية تأثيراً في هذا التيار هو القاسم الرسي (ت 246 هـ) الذي غلَّب الفكر المعتزلي على الفكر الشيعي في أوساط التيار الزيدي من خلال تأليفه عشرات الكتب والرسائل، إضافة إلى يحيى بن الحسين الملقب بالهادي إلى الحق الذي أسس إمامة الزيدية في اليمن عام 283هـ، وبلور الكلام الاعتزالي الزيدي من خلال تأليفاته الكثيرة(15).
بل إن هناك من يقول إن زيدًا بن علي (اقتبس الاعتزال من واصل وصارت أصحابه كلها معتزلة)(16). ويضيف في موضع آخر: (وأما في الأصول، فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة ويعظمون أئمة المعتزلة أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت من الإمامية، أما في الفروع فهم على مذهب أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة يوافقون فيها الشافعي)(17)، علما أن زعماء المعتزلة كانوا من المحرضين والمناصرين لثورة زيد ثم لثورة محمد النفس الزكية، كما كان “الإمام” أبو حنيفة من مناصري زيد والمتحمسين لثورته حتى أسهم في التجهيز لها بعشرة آلاف درهم(18).
وكذلك كان موقف الموالي عمومًا، ويمكن تفسير تحمس الموالي وتحمس الفئات الوسطى والشعبية من المجتمع عمومًا لدعوة زيد، لا بكونه ابنًا لأمه وحَسْبْ، بل لدعوته التي حاربت الظلم والجور الاجتماعي والسياسي آنذاك، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال نص البيعة التي كان يأخذها زيد من أنصاره وهو: (إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله)، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا….)(19).

ولا شك أن هذا المضمون الاجتماعي السياسي القائم على المساواة والدفاع عن حقوق المستضعفين والمظلومين، هو الذي مهد للدعوة الزيدية في بلاد فارس في العهدين الأموي والعباسي… ولكن في كل مرة يخرج خارج إلا ويتمكن منه جند الحكومة فيقتل وينكل بأتباعه، فأدى ذلك بالدعاة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري إلى الإيغال بعيدًا عن مركز الخلافة وبالتحديد في بلاد الديلم الجبلية عند الأطراف الشمالية للخلافة العباسية، وهناك تمكن الداعي الأكبر (الحسن بن زيد بن محمد) سنة 250هـ من احتلال(آمل) عاصمة طبرستان وإعلان دولة فيها كادت تنقرض بمقتل محمد بن زيد الذي تولى بعده (الحسن بن زيد) سنة270هـ، ولكن الفضل الأكبر في انخراط الديلم جماعيًا في المذهب الزيدي والتفافهم حول الحركة الزيدية، يعود إلى (الحسن الأطروش) الملقب بـ ( الناصر للحق)، الذي ظهر في الديلم سنة 301هـ، وهو عالم فقهي يميل إلى أراء المعتزلة له العديد من المؤلفات، قال عنه الطبري :(ولم يرى الناس مثل عدل الأطروش وحسن سيرته وإقامته للحق )(20).

وقال عنه المسعودي (وظهر ببلاد طبرستان والديلم الأطروش، وهو الحسن بن علي، وذلك سنة إحدى وثلاثمائة، وقد كان ذا فهم وعلم ومعرفة بالآراء والنحل، وقد كان أقام في الديلم سنين وهم كفار على دين المجوسية وكذلك الجبل، فدعاهم إلى الله عز وجل فاستجابوا وأسلموا )(21).
ويقول هو عن نفسه : إني دخلت بلاد الديلم وهم مشركون يعبدون الشجر والحجر ولا يعرفون خالقًا ولا يدينون بدين، فلم أزل أدعوهم إلى الإسلام وأتلطف في العطف بهم حتى دخلوا فيه إرسالًا وأقبلوا عليه إقبالًا، وظهر لهم الحق، وعرفوا التوحيد والعدل، فهدى الله بي منهم زهاء مائتي ألف رجل وامرأة، فهم الآن يتكلمون في التوحيد والعدل مستبصرين ويناظرون عليهما مجتهدين، ويدعون إليهما محتسبين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر… ولقد ناصبوا آباءهم وأبناءهم وأكابرهم، الحرب في هداي، وإتباع أمري في نصرة الحق وأهله. لا يوالي أحد منهم من عدوه، ولا يعرف غير الإقدام، فلو لقيت منهم ألف جريح لم ير مجروح في قفاه وظهره، وإنما جروحهم في وجوههم وأقدامهم، يرون الفرار من الزحف إذ كانوا معي كفرًا، والقتل شهادة (22).

وقد كان أثر هذا الرجل في بلاد الديلم عميقًا جدًا، ويمكن القول دون مبالغة، إن المذهب الزيدي الذي عرف هذا الداعية المتحمس لقضيته كيف ينشره بين أولئك الأقوام، تظافر مع نزعتهم العسكرية، ومع ضيق جبالهم بهم وعجزها عن سد حاجاتهم الاقتصادية، فأنتج قوة سياسية جديدة اندفعت بحماس وفاعلية إلى قلب الخلافة الإسلامية، فأحدثت فيها حركية شديدة، وغيرت كل المعطيات خصوصًا المذهبية منها(23)، وخصوصًا في نشأة دولة بني بويه – والتي سيكون لنا معها وقفة أخرى .

نشرت في العدد 61


1) ابن الأثير,علي بن احمد بن أبي الكرم ,الكامل في التاريخ، مصدر سابق، ج4، ص313 – 314.
2) بروكلمان، كارل، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، ط11، ص175.
3) ينظر، الليثي، سميرة مختار الليثي، جهاد الشيعة في العصر العباسي الأول، تقديم، الدكتور احمد الشرباصي، هيئة أنصار أهل البيت، 1404 هـ، إيران ,ص111 فما بعدها.
4) الأصفهاني، أبو فرج، مقاتل الطالبين، تحقيق احمد صقر، القاهرة، 1368 هـ، 1949م، ص127 فما بعدها.
5) ينظر، المصدر نفسه، ص128، كذلك، البلاذري، أبو جعفر احمد بن يحيى، أنساب الأشراف، مصدر سابق، ج3 ص237.
6) للتفضل أكثر ينظر، الأشعري، سعد بن عبد الله بن أبي خلف، المقالات والفرق، تصحيح و تقديم محمد جواد مشكور، طهران، 1963م، ص71، فما بعدها.
7) البلاذري، أبو جعفر احمد بن يحيى، أنساب الأشراف، مصدر سابق، ج3، ص243. والأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل، مقالات الإسلاميين، مصدر سابق، ص65.
8) الكشي، معرفة الرجال، مصدر سابق، ص186-187.
9) بن علي، زيد، مسند زيد، تحقيق عبد الواسع الواسعي، بيروت لبنان، 1966 م، ص360-361.
10) ينظر، الأشعري، سعد بن عبد لله، المقالات و الفرق، مصدر سابق ص71، كذلك، ابن قبة، محمد، ( نقض الأشهاد ) ضمن كتاب كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي، تحقيق، علي اكبر غفاري، قم، 1405 هـ، ص96.
11) ينظر، الأشعري، سعد بن عبد الله، المقالات و الفرق، مصدر سابق، ص18 وص71-74.
كذلك، الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، مصدر سابق ,ج1 ص140 فما بعدها.
12) الأشعري، سعد بن عبد الله، المقالات و الفرق , مصدر ص73.
13) المصدر نفسه، ص71 فما بعدها.
14) المصدر نفسه، ص72.
15) للاطلاع على الزيدية في أواخر القرن الثالث الهجري، انظر، ابن قبة، محمد، نقض الأشهاد، مصدر سابق، ص122.
16) عمارة، محمد، تيارات الفكر الإسلامي، دار المستقبل العربي، القاهرة، ط1، 1983 م ,ص 119.
17) المصدر نفسه، ص119.
18) المصدر نفسه، ص81،104،109، 110.
19)المصدر نفسه، ص109..
20) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير الآملي،
تاريخ الأمم والملوك، مراجعة لجنة من العلماء، مؤسسة الأعلمي، بيروت، بدون تاريخ، ج 5، ص 407.
21) المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق، محمد محي الدين عبد الحميد ,القاهرة، 1964 م ,ج4، ص346.
22) ينظر، صبحي ,احمد محمود، في علم الكلام ،
(الزيدية)، مصدر سابق، ج3، ص 191ـ 192.
23) القزويني، جودت، الشيخ المفيد رائد الاجتهاد في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، مقال منشور ضمن كتاب، رجالات التقريب، إعداد محمد مهدي تسخيري، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، طهران، 2008 م، ص168-169.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.