Take a fresh look at your lifestyle.

المباهلة بذرة الولاية

0 340

  بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران: 61).
لما فتح النبي(صلى الله عليه وآله) مكة وانقادت له العرب، أرسل رسله ودعاته إلى الأمم يدعو إلى الإسلام وإلّا الإقرار بالجزية والظّفر (ومن ذلك الملكين كسرى وقيصر) أو الأذان بالحرب. أكبر شأنه نصارى نجران وخلطاؤهم، وامتلأت قلوبهم رهبة منه ورعباً. إذ وردتْ عليهم رسل رسول الله (صلى الله عليه وآله)
بكتابه(1) (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 64). وكان(صلى الله عليه وآله) لا يقاتل قوماً حتى يدعوهم، وبعد المناظرات الطويلة بينهم توصلوا على أن النبي المبعوث بالحكمة والبيان، والسيف والسلطان يملك ملكاً مؤجّلاً تطبق فيه أمته المشارق والمغارب، وأنَّ محمداً مرسل من ربّه إلى قومه خاصة. فأذعنوا للحقّ وابتعدوا عن المجهول العضوض.
تجّهز ممثلاهما السيَّد والعاقب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومعهم أكابرهم من نصارى نجران وفضلاؤهم، ودخلوا عليه في مسجده، فدعاهم إلى الإسلام،
(فقالوا : يا أبا القاسم ما أخبرتنا كتب الله عز وجل بشيء من صفة النبي المبعوث بعد الروح عيسى(عليه السلام) إلّا وقد تعرفناه فيك إلّا خلة هي أعظم الخلال آية ومنزلة وأجلاها إمارة ودلالة. قال(صلى الله عليه وآله):
وما هي؟ قالوا: إنا نجد في الإنجيل من صفة النبي الغابر من بعد المسيح إنه يصدق به ويؤمن به وأنت تسبه وتكذب به وتزعم أنه عبد، فقال النبي(صلى الله عليه وآله) : لا، بل أصدقه وأصدق به وأؤمن به وأشهد أنه النبي المرسل من ربه عز وجل، وأقول :
إنه عبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا)(1)، وتلا عليهم :
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران: 59). (قالا: فما نزداد منك في أمر صاحبنا إلّا تباينا وهذا الأمر الذي لا نُقِرُّ لك، فهلمَّ فلْنُلاعِنكَ أيُّنا أولى بالحق فنجعل لعنة الله على الكاذبين، فإنها مُثلة وآية معجّلة. فأنزل الله عز وجل آية المباهلة على رسول الله(صلى الله عليه وآله)،… فتلا عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما نزل عليه في ذلك من القرآن، فقال(صلى الله عليه وآله): إن الله قد أمرني أصير إلى ملتمسكم وأمرني بمباهلتكم إن أقمتم وأصررتم على قولكم، قالا: وذلك آية ما بيننا وبينك إذا كان غدًا باهلناك )(2).
وأمهل رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى كان من الغد، أمر بكساء أسود رقيق نشره على شجرتين، (ولبث(صلى الله عليه وآله) في حجرته حتى متع ـ ارتفع ـ النهار، ثم خرج(صلى الله عليه وآله) آخذاً بيد علي(عليه السلام)، والحسن والحسين(عليهما السلام) أمامه، وفاطمة(عليها السلام) من خلفهم. فأقبل بهم حتى أتى الشجرتين.. فوقف بينهما تحت الكساء…. فأرسل إليهما يدعوهما للمباهلة. فأقبلا إليه فقالا: بمن تباهلنا يا أبا القاسم؟ قال(صلى الله عليه وآله): بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله عز ّوجلّ بهؤلاء وأشار لهم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم،…. وقال: بهؤلاء أمرت والذي بعثني بالحق)(3).
وقد صدق مهيار الديلمي حين قال:
بمن باهَلَ اللهُ أعداءَهُ
فكان الرسولُ بهم أبهلا
وهذا الكتابُ وإعجازه
على منْ؟ وفي بيت مَنْ نُزَّلا؟(4)
وهذه خصوصية لا يتقدمهم فيها أحد، وفضل لا يلحقهم فيه بشر، وشرف لا يسبقهم إليه خلق(5). ففوضوا النصارى ممثليهما أن يلقى (الرسول(صلى الله عليه وآله) بكفالة ما يبتغيه لدينا والتمس لنا إليه ابن عمّه هذا ليكون هو الذي يبرم الأمر بيننا وبينه، فإنه ذو الوجه والزعيم عنده ولا تبطئنَّ به ما ترجع إلينا به)(6).
(فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليًا (عليها السلام) على مصالحة القوم، فقال علي (عليها السلام) : بأبي أنت، على ما أصالحهم؟ فقال(صلى الله عليه وآله) له: رأيك يا أبا الحسن فيما تبرم معهم معه رأيي، فصار إليهم فصالحاه…. فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد قبلت ذلك منكم. أما أنكم لو باهلتموني بمن تحت الكساء لأضرم عليكم الوادي ناراً تأجج.. ثم لساقها الله عزّ وجلّ إلى من ورائكم في أسرع من طرفة عين فحرقهم تأجُّجاً)(7).وقد روى ذلك مسلم في صحيحه وغيره.
لذا فإن يوم (الرابع والعشرين من ذي الحجة) آيات بيّنات منها إلزام النصارى بحكم النبي(صلى الله عليه وآله) ودفع الجزية، وإحاطة القوة الإلهية، والقدرة النبوية إذ أشرقت شموس النبي(صلى الله عليه وآله) بنور التصديق له، ويوم أظهر فيه تخصيص أهل بيته بعلوَّ مقاماتهم، وأفضلية الحسن والحسين(عليهما السلام)
من أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله)، وكذلك كان دور ابنته فاطمة(عليها السلام). وقد أظهر الله جلّ جلاله في هذا اليوم أن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله) كما أكدت الآية، وأنّه معدن ذاته وصفاته وانّ مراده من مردوداته، وإنْ افترقت الصورة فالمعنى واحد في الفضل من سائر جهاته. وقد صدق الشاعر:
فما هو إلاّ نفسه لو درى به
وفي ذلك نص الذكر أنزله الله
فإن (وَأَنفُسَنَا) وجب أن يكون إشارة إلى علي (عليها السلام) لأنه لا أحد يدعي الدخول غير أمير المؤمنين وزوجته وولديه(عليهم السلام) في المباهلة. وهذا يدل على غاية الفضل، وعلو الدرجة من حيث لا يبلغه أحد إذ جعله الله تعالى نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهذا ما لا يدانيه فيه أحد..
ومما يعضده من الروايات ما صح عن النبي(صلى الله عليه وآله) حين (سئل عن بعض أصحابه فذكر فيه فقال له قائل : فعليّ ؟ فقال : إنما سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي)(8)، وقوله(صلى الله عليه وآله): إن علياً مني وأنا منه، وإنّ الناس خلقوا من شجر شتى، وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة، وعلي أحب الخلق إليه، وقال(صلى الله عليه وآله): (لكل نبي وصي ووارث، وإنّ وصيي ووارثي علي بن أبي طالب)(9).
ولنستنطق التاريخ قليلاً فإن ولادة الإمام(عليه السلام)
كانت مفارقة في المكان، فإرادة الحكمة الربّانية آية للحقّ تنثال على مرّ الأزمنة نوراً خالداً، وكانت مثار دهشة أبدية. فقد وضعته أُمه فاطمة بنت أسد في البيت العتيق (الكعبة): ( تلك ولادة لم تكن قبل طفلها هذا الوليد، ولم يجز فخرها بعده وليد أكرمه الله بها وأكرم أمه وأباه)(10).
وهكذا تكون البداية عظيمة. وقد صدق العمري إذ قال:
أنت العليُّ الذي فـوق الـعلا رفعـا
ببطن مكة وسـط الـبـيت إذ وضعا
خارج البيت العتيق كانت الإرادة الإلهية تهيئ للناس رسولاً كريماً، يتحدى عالم الأوثان، وفي داخل البيت كانت الإرادة الإلهية قد هيّأت للمصطفى خليلاً أدار ظهره للأصنام منذ اللحظة الأولى للولادة، مما أسرّ قلب الرسول(صلى الله عليه وآله)، ولم تكن تلك الولادة صدفة بل كانت بتقدير الله وعنايته.
وتبدأ ثمار العناية والمدارات، وبوادر الشجاعة والطريق الواضح نحو المكارم وبدون اكتراث، وفي أثناء الأسى الذي أحاط بالرسول(صلى الله عليه وآله) عند إجابة عشيرته بالرفض له ولدينه بعد أن أرشفهم(صلى الله عليه وآله) بـ (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، فأعرضوا عنه وهموا بتركه لكن عليًّا نهض وما يزال صبيًّا دون الحلم وقال: أنا يا رسول الله؟
عونك أنا حرب على من حاربت(11).
وقد اختاره الرسول(صلى الله عليه وآله) حين آثر الهجرة إلى يثرب ليحل محله، فكان عليّ(عليه السلام) هو الشخص المهيأ لأن يخلفه، ويمثل شخصه ومقامه.
وقد خاض عليّ غمرات القتال في جميع معارك الرسول(صلى الله عليه وآله) إلاّ غزوة تبوك، إذ خلفه النبي(صلى الله عليه وآله) وصيّاً على بيته. وعند نزول سورة براءة على الرسول(صلى الله عليه وآله) وإرسال أبي بكر لتبليغها فأبدله بالأمثل وصاحب الربى العالية ألا وهو علي(عليه السلام)، قال(صلى الله عليه وآله): (لا يؤدي عني إلاّ رجل من أهل بيتي)(12)،

وأكد (صلى الله عليه وآله): (عليّ مني وأنا من علي،ولا يؤدي عني إلاّ أنا وعلي)(13)، إذ هو بمنزلة نفس الرسول ليؤدي عنه ما كان يؤديه. وصدحت الأوامر القرآنية عن الباري عزّ وجلّ والمتعلقة بجوهر الرسالة السماوية، وتكملة الإنجازات النبوية، ومن ثم على المسلمين الالتزام بها.
وعند عودة الرسول(صلى الله عليه وآله) إلى المدينة بعد حجة الوداع وفي تلك الجموع، وبعد أن وصلوا إلى (غدير خُم) وذلك في الثامن عشر من ذي الحجة هبط عليه جبرائيل عن الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) (المائدة: 67). وأمره أن يقيم علّياً(عليه السلام) علماً للناس ويُبلغهم ما نزل فيه من الولاية، وفرض الطاعة على كل أحدٍ، ثم أخذ بيد عليّ(عليه السلام) فرفعها، وقال: (أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : إنّ اللهَ مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ، يقولها ثلاث مرّات، ثمّ قال : « اللَّهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وابغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، وأخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألا فليبلَّغ الشاهد الغائب )(14)،

وقبل أن يتفرقوا نزل وحي الله تعالى بقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (المائدة:3). فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعدي، فطفق القوم يهنئون أمير المؤمنين(عليه السلام) ومنهم أبو بكر وعمر كلّ يقول (بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحّتَ وأمسيتَ مولاي ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة، وصدح حسان بن ثابت قائلاً:
يناديهمُ (يوم الغدير) نبيُّهم
بخَمٍّ وأسمع بالرسول مُنادياً
فَمَنْ كنتُ مولاهُ فهذا وليُّهُ
فكونوا له أنصار صدق مواليا
إلى أخر القصيدة)(15).
ولو التزمت الأمّة بهذا القرار الإلهي لما أصبحوا أشتاتاً، ولما ضلّوا السبيل فعميت أبصارهم وتشتت جموعهم وأخلَّت حججهم فأنى يؤفكون.
وقد نسب له(عليه السلام) القول:
ولم أر مثل ذاك اليوم يوماً
ولم أرَ مثله حقّاً أُضيعا(16) .

نشرت في العدد 61


1) إقبال الأعمال/السيد ابن طاووس ج2 ص343.
2) ن.م.ص344.
3) ن.م.ص345.
4) ديوان مهيار الديلمي: 3-4.
5) نور الثقلين: مجلد1،ص349، والبرهان: مجلد1، ص290.
6) إقبال الأعمال/السيد ابن طاووس ج2 ص347.
7) ن.م.ص348.
8) مناقب آل أبي طالب/ابن شهراشوب ج2ص58.
9) مناقب ابن المغازلي ص200، وكنوز الحقائق ص 121 ، وذخائر العقبى ص71،والرياض النضرة ج 2 ص 178، وينابيع المودة ص 79 و 180 عن الديلمي.
10) عبد الفتاح المقصود، الإمام علي بن أبي طالب.
11) موسوعة الغدير/الشيخ الأميني ج2 ص288.
12) علل الشرايع/الشيخ الصدوق ج1 ص189.
13) القندوزي الحنفي، ينابيع المودة، ص371، وابن ماجة، سنن، ج1، ص44.
14) راجع كتاب الغدير 1 : 29 – 30.
15) الشيخ عبد الحسين الأميني، في رحاب الغدير، ص471.
16) كنز الفوائد، ص154.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.