Take a fresh look at your lifestyle.

خَلْقُ الإنسان دليلاً على التوحيد

0 162

            باستدلالٍ بسيطٍ، ولكنّه مرَّ بتأملٍ عميق، يركنُ الأعرابي إلى قناعةٍ وإيمان، حينما يُسألُ: كيفَ عرفتَ الله؟

         ليُجيب بثقة مطلقة: (البَعرةُ تدلُّ على البعير، والأَثرُ يدلُّ على المسير، فسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، أفلا تدلُّ على العلي الخَبير!).

          من الواضح أنّ كلماتِ الأعرابي تَنتمي إلى فضائهِ الذي يعيشُ فيه، ولا تخرجُ عمّا يعيشُه ويشاهدُه كل يوم، وقد عمد إلى توسيع مجالها عبر فاعلية التأمل، لذا لم يكن محتاجًا إلى ما هو خارج هذا الفضاء بموجوداتهِ المحسوسَة ليتشكّل يقينُه بوجودِ الخالق ويؤمنُ بقدرته وجلاله وقوته.

          فما أنتجه الأعرابي البسيط في لحظات تأمل متفرقة بين ثنايا ساعات عمله المتواصل في بيئةٍ صحراويةٍ قاسيةٍ وفقيرة، قد يضاهي ما ينفقه فيلسوفٌ أو باحثٌ في العقائد والأديان من وقتٍ طويلٍ في البحث عن الأدلةِ العقليةِ ومناقشة الآراء المختلفة في هذا المجال، والخروج بنتائج ربما تكون موضع نظر. وأسارع إلى القول بأنه لا يراد من هذا الكلام عقدُ مقارنةٍ تقييميةٍ بين فعلين، أو الموازنة فيما بينهما من ناحية أدواتِ البحث وطرائقِ الاستدلال، فليس هذا من شأن المقال وهدفه، فضلاً عما للبحثِ العلمي المتأني في موضوعات العقائد والأديان من خصوصيةِ المناهج وسعة حقول البحث وميادينه فيها، بشكلٍ يجعله لا يُقرأ وتُقيّم نتائجُه إلّا في ضوء خصوصيته هذه.

         لا شك أنّ المشتَرَك في ما بين الفعلين هو استعمال العقل في تفعيل التأمل، ووحدة الموجّه الأكبر لهما في ذلك، المتمثل في البحث عن السؤال الوجودي الكبير عن الخالق والخلق، والهدف من الوجود وعلته، وقد أودع الله في الإنسان القوة العقلية لتكون بمثابة جهازٍ يميز بوساطته بين الخير والشر، والنفع والضرر، فله الحاكمية على اختياراته وعلى قوى العواطف والأحاسيس، وفي ضوء ذلك صيغت علاقة الإنسان بمحيطه الوجودي فهو جزء منه، تتأثر به طبيعة الوظائف التي يؤديها؛ فهو كباقي الموجودات ينطوي في بنيته الوجودية على هدف وغاية مقصودة، يتحرك وجوده باتجاهها وعلى وفقها، استجابة لموجّهٍ داخلي هو إرادة الخلق أو نظام الخلق الذي أودعه الخالق الصانع فيه، وزوده بأدواتٍ مساعدةٍ وقوى بما يتناسب وتحقيق ذلك،

         ولذا كان على الإنسان أن يحقق التوازن والتوفيق ما بين خصوصيته الوجودية ومتطلبات المحيط الوجودي، عبر إرادة وشعور يملكهما، التي تمثل مساحة اختياره ومقدار فاعليته؛ لأنها لا تستطيع التحكم بالأسباب والعلل التي أوجدته، ولذا فهو مفتقر في وجوده لخالقه، غير مستقل تمامًا عنه، وسيتساوى سعيه في اتباع ما يريده الله الخالق منه مع ما يهديه إليه نظام الوجود؛ فما يريده الله من الدين للإنسان هو نفسه ما تريده الفطرة، ويقود إليه نظام الوجود(1).

         من هذا كله تتجسد خصوصية الإنسان وفرادة الهبة التي منحها الخالق تبارك وتعالى له، وأودعها فيه، فبها يتمكن من الاهتداء إلى ضفاف المعرفة التي ما إن تتحقق حتى تتحول الحياة إلى فردوس أرضي، ينعم فيها بالطمأنينة النفسية. وأول هذه المعرفة؛ التأملُ في قدرات الذات وبناء الخِلْقة الفريد الذي جاء على شاكلةٍ فيها من العجائب التي لا تحصى، والدقة المتناهية في البناء الذي يربط عناصره نظامٌ دقيقٌ وحساسٌ جدًا. والانطلاقة من ذلك سيكون اتجاهها نحو الطاقات المودعة في طبيعةِ الوجود الكلي بكائناته ومخلوقاته، إذ مَنَحه الصانعُ القدرةَ على تسخيرها لخدمته والإفادة منها في مختلف شؤونه.

        وفي النتيجة سيكون استعمال كل هذه الهبات واستثمارها في صناعة الحياة الطيبة التي أرادها الخالق للمخلوق، دليل الإنسان الأنصع على صلته بموجده؛ فالغاية الكبرى من خلق الإنسان هي أنّ الله الصانع الحكيم أراد للإنسان أن يكون مظهرًا تامًا لكامل أسمائه وصفاته، فجعل فيه القدرة على الخلق والإبداع، ليصبح وجه الله الأكمل والأتم. ومن هنا كانت نفخة الروح الإلهية في الإنسان تجسيدًا لاختصاص هذا الإنسان، في أصل فطرته بالملأ الأعلى بوصفه الصانع الخالق والمدبر، حتى ولو كانت صلته، في ضوء استجابته لمطالب الجسد، بعناصر طبيعية تربطه بالأرض، فهو في ذاته عنصر سماوي مرتبطٌ بملكوت الخالق قبل أن يكون أرضيًا.

         لقد منحتْ هذه الكيفيةُ الانسانَ خصائصَه الإنسانية الكبرى، فهو مجبولٌ من عناصر هذه الأرض التي تكللت باختصاصه بالنفخة العلوية وجعلتْ منه مخلوقًا مختلفًا عن سائر الأحياء. ولعل من أولى هذه الخصائص امتلاكُه القدرة على الارتقاء بنفسه من ماديته في سلم المدارك العليا الخاصة بعالم الإنسان، إلى العالم التجريدي المختص بمدارك البصائر والقلوب والعقول، مفيدًا من النفخة الإلهية في الانعتاق من أسر المادة وأدواتها الحسية(2).

        عــندما يــدرك الانسان عبر وعيه بذاته ومعرفة نفسه، ضرورة النجاة من مزالق الانجراف إلى نهم المتطلبات المادية في جسده، يكون قد تذوق حلاوة الكشف الأول، ولذة الخطوة الأولى، واذا ما شطّت الخطوات حينًا، فإنه يظل مشدودًا لنبض النفخة القابعة بدواخله، التي تحرض قدرته على التأمل في ذاته، وعجائب خلقته، فالعودة إلى المادة والركون إليها سيذكره ببدايته التي جبل منها، وعلة إيجاده السامية التي يعبر عنها الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة قائلًا: (ابتدأتني قبل أن أكون شيئًا مذكورًا) مستحضرًا في ذلك قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُورًا) (الدهر:1) ويفسره الإمام الصادق (عليه السلام) بأن الإنسان (كان مقدّرًا غير مذكور)(3).

          ويفصل الدعاء كيفية الإيجاد والخلق، وهو من وجه آخر بعدٌ تأملي في كيفية الخلق ودلالته على قدرة الخالق؛ يقول (عليه السلام):

           (خلقتني من التراب، ثم أسكنتني الأصلاب، آمنًا لريب المنون واختلاف الدهور، فلم أزل ظاعنًا من صلب إلى رحم في تقادم الأيام الماضية والقرون الخالية). وهنا ذكر (عليه السلام) أولًا مادة البدن (التراب)، لأنه العنصر الأغلب في تكوين بدن الإنسان، ولم يذكر سائر العناصر الأخرى التي اشتركت مع التراب في تشكله، والغالب الثاني بعد التراب من العناصر هو الماء، وقد عبر القرآن الكريم عن هذين العنصرين بالطين المركب من التراب والماء.

         وعبّر عن طريقة تبدل الطين إلى النطفة، والنطفة إلى العلقة، بطريقة العطف بالأداة (ثم)، وعطف سائر التبدلات الأخرى بالفاء والواو العاطفتين؛ لأن التبدل الأول، كان من صورة البساطة في العنصر إلى الصورة الضعيفة المركبة المعدنية، أما تبدل النطفة إلى العلقة فيجسد ترقيها إلى عالم النباتية والنماء، وستكون سائر التبدلات الأخرى من صيرورتها مضغة وعظماً، ثم إكساء العظم لحماً، كلها من مراتب عالم واحد، هو عالم النبات. وبعد هذا الترتيب المتحقق يعطف القرآن الكريم ترقيها إلى عالم الحياة بـ(ثم)(4).

        إنّ تفكيرًا علميًا كهذا في طبيعة عملية الخلق وكيفيتها والغاية منها، يستلزم، بلا شك، الإنصات لكل محاولات الإجابة الأخرى التي وضعتها الأديان الأخرى، فضلًا عن المحاولات غير السماوية التي قام بها الإنسان من خلال النظريات الفلسفية في ذلك والنظر في مناهجها ومقولاتها وإجراءاتها العلمية، وكذلك الأفكار والمفاهيم والنظريات العلمية الأخرى مهما اختلفت والمقارنة ما بين هذه الأجوبة بطريقة واعية ودقيقة.

         ولكن السؤال هنا: إلى أيّ حدٍّ يمكن للمتأمل والمتفكر أن يحافظ على جذوة هذا السعي إلى المعرفة متقدة في دواخله، ولا يسمح لأفكارٍ طارئة تقول بالإلحاد ونكران الأجوبة السماوية ودعواتها إلى التفكر والتأمل العلمي الواعي، بأن تزاحم سعيه ذاك وتقلل من فاعليته؟

        فالسعي إلى المعرفة الشأن الأول للإنسان العاقل الحكيم في مختلف الأزمنة والأمكنة الذي هو موضع عنايته، ذلك أنه يدرك أن الأفكار الطارئة التي تغالط الواقع وطبيعة تركيبه ووجوده، لها زمنها الافتراضي الذي سينتهي، وأنّ موقفَ التسليم بصحة مضامينها وتبنيها من غير تمحيص وتفكّر ودراية أمرٌ خاطئ.

        ولذا كان من أهم الأمور التي حرصت الأديان السماوية في الحفاظ عليها ماثلة في فكر الإنسان ووجوده، هو ضرورة سريان الدين في كل مفاصل حياته وجوانبها المختلفة، وانعكاسه في جميع أنشطته وممارساته، فالدين لا يترك جانبًا مما يتعلق بوجود الإنسان إلّا وكان له فيه رأي ومنهج وضابط ينظم العلاقة ويحدد كيفيتها، فلا يقتصر دوره على تنظيم صلته بالخالق جل وعلا، فهو يدخل إلى جميع تفاصيل الحياة المحيطة به ابتداءً بأخيه الإنسان أيًّا كان عرقه ولونه وثقافته، وانتهاءً بأصغر موجود وأدقه في الحياة.

        إنّ السؤال الذي وقف عنده الأعرابي الذي ذكرنا في السطور الأولى من هذه المقالة وأجاب عنه، مازال يستوقف الإنسان المعاصر في فضاءٍ تكنولوجي معقد متخم بالنظريات والأفكار والأجوبة، فأهميته تتأتى من مركزيته في الوجود، من هنا لا نستغرب أن نسمع من فيلسوف أوربي كبير كـ (وينوود ريد) تصريحه بانشغاله الدائم بهذا السؤال الكوني المهم، إذ يقول: (إنه لأمر هام يدعونا إلى التفكير فيما إذا كانت لنا علاقة شخصية مع الإله؟ وهل هناك عالم غير عالمنا هذا؟ وهل سنلقى جزاء أعمالنا في ذلك العالم؟ إن هذا السؤال ليس بعقدة فلسفية عظيمة فحسب، وإنما هو في نفس الوقت أعظم أسئلتنا العلمية أيضًا.

          إنه سؤال تتعلق به مصالحنا الكثيرة، فحياتنا الراهنة قصيرة جدًا، أفراحها عادية موقوته، إذ أننا عندما نظفر بما نحلم به، يفاجئنا الموت)، ويشترك معه آخر في الانشغال ذاته، فيقول روبرت هورتون كاميرون :(إن اعتقادي في الله يقوم على حرية الإرادة وذكائها؛ الإرادة الإنسانية التي وصفت بأنها العملية الشعورية الكاملة التي تقود الإنسان إلى اتخاذ قرار معين، الإرادة التي هي أحد الأقسام الكبرى التي يقسم علماء النفس قوى العقل إليها (القوتان الأخريان هما الإدراك والشعور)، فأنا عندما أرغب أو أريد شيئًا معينًا يتخذ عقلي قرارًا به، وإرادتي هي التي تنفذه)(5).

          اختلفتْ مفردات الفضاءين؛ فضاء الأعرابي وفضاء فيلسوف القرن العشرين، ومع هذا تماثلتْ طرق الاستدلال على الخالق جلَّ وعلا، وكان ذلك عبر تأمل نظام الخلق أو إرادته، والإنصات لصوته الواضح الجهير. لن يبقى بعد هذا مجال تبتعد فيه الخطوات خارج هذا النظام، لأنه في داخل الإنسان نفسه، إذ تتجلى قوة الخالق وبديع صنعه، وأحديته لا شريك له.

            ولله در أبي العتاهية حين قال:

      فيا عجبًا كيفَ يُعصى الإله             أم كيـفَ يَجحـدُهُ الجاحِــدُ

      وللهِ في كُــلِّ تَحــريــكــةٍ              وَفِي كُـلِّ تَسْـكينةٍ شـاهِــدُ

      وفي كُـلِّ شَـيءٍ لَـهُ آيـــةٌ               تـَـدلُّ على أنّـــهُ واحِــــدُ(6)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) ينظر: مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، ص 128وما بعدها.
2) ينظر: شبهات وردود حول القرآن الكريم: محمد هادي عرفه، ص22ـ 23،25.
3) أصول الكافي: 1/ 147.
4) ينظر: مباني وأصول العرفان الشيعي، قراءة في دعاء عرفة للإمام الحسين بن علي(عليه السلام):
ص125.
5) الإنسان ذاته هو الدليل: روبرت هورتون كاميرون، ضمن كتاب: الله يتجلى في عصر العلم: تحرير: جون كلوفر مونسما، ص: 127.
6) شعب الإيمان/ البيهقي /ج1ص130.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.