Take a fresh look at your lifestyle.

معرفة الخالق وتوحيده في نهج البلاغة دقائق الفكر وإشراق البيان

0 251

        عدُّ كتاب نهج البلاغة مَعينًا ثرًّا للناهلين من علياء الكلمة، وموردًا عذبًا للظامئين إلى منابع المعرفة، وبحرًا زخارًّا للخائضين إلى غوامض الفكر وبواطن العلم، وهو بحق كما قيل فيه (دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين)(1)… وكيف لا يكون ذلك ومنشئه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي امتاز بكل فضيلة، ينحدر منه السيل ولا يرقى إليه الطير، وهو بحق باب علم النبي (صلى الله عليه وآله)ووصيه.

          وقد اشتمل نهج البلاغة على أدلة في ردّ مزاعم الملحدين وشبههم، وكلام في معرفة الخالق، وخطب في التوحيد، مع علو الكعب في البلاغة يعزّ نظيرها من غير هذا المنبع.

          منها قوله (عليه السلام): (زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ وَ لَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا وَلَا تَحْقِيقٍ لِمَا أَوْعَوْا وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ)(2).

         يأتي هذا النص في ردّ مزاعم الملحدين باستعمال إطار نظري قائم على النظر إلى شواهد الخلق التي أقامها الله سبحانه دليلًا على وجوده في قوله (عليه السلام) قبل هذا المقطع (فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ وَاخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَطُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَالْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وجَحَدَ الْمُدَبِّر).

         وقد جاء استعمال الإمام (عليه السلام) السجع ليحقق وظيفة دلالية تتعاشق مع البعد الصوتي لإحداث أثر فاعل في المتلقي، ويتحقق ذلك بهيئة الفاصلة وصوتها، وتتركز بؤرة النص في الجملتين الأخيرتين اللتين تنتهيان بالسجعتين (بانٍ … جانٍ)، فقد كشف فيهما عن دليل تقوم عليه عموم محاولات إثبات وجود الصانع –جل شأنه- وهو دليل الأثر والمؤثر، وقد نسج هذا الدليل بأسلوب الاستفهام الإنكاري في بنية جمعت في دلالتها بين طرفين جامعين لكل أبعاد الأثر والمؤثر على النحو الآتي:

     وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ ؟…… كل أثر عظيم له مؤثر.

     أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ ؟….. كل أثر حقير له مؤثر.

           وكان التنكير الظاهر في الجملتين دالًا على العموم، فلا مناص من الاعتراف بوجود الخالق لهذا الكون ما دام لا ينفك أثر جليلًا كان أم حقيرًا عن مؤثره.

          وقد جاءت فاصلتا السجعتين (بانٍ، جانٍ) على هيئة اسم الفاعل المنقوص في ختام جملتي الاستفهام الإنكاري للكشف عن اضطرار الأثر إلى مؤثره وإن كان غائبًا عن المشاهدة؛ لاستشعار الحاجة إليه، فجاء تعويض الحرف المنقوص بالتنوين دلالة على حضور الغائب الذي زعموا عدم وجوده لتناهي حسَّهم دونه.

           لقد كان اختيار الأصوات بصفاتها ومقاطعها في فواصل السجع مترابطًا مع نسج الدلالة المقصودة في الاستدلال على وجود الخالق سبحانه ولم تقف عند حد إحداث الأثر الفني والاستمتاع به.

          ومنها ما سيتبين لنا من خلال خطبة له (عليه السلام) يحمد اللهَ فيها ويصف خلقًا من الحيوان(3)،

         فقد ورد في هذا النص خمس فقرات متتابعات متسلسلات، انتقل فيها الخطاب متدرجًا من العموم إلى الخصوص، ومن السعة والشمول إلى الدقة والتقييد، ومن الغيبة إلى الحضور في التفات يجعل الوعي حاضرًا والفكر عاملًا للخلوص إلى النتيجة المقصودة التي قاد العقول إليها، فقد نظم أمير المؤمنين (عليه السلام) خطابه بذهن وقاد، ودقة عالية، وبناء متين ليهيئ المتلقي للانتقال في فكره برشاقة وسلاسة إلى ما قاده إليه، وقد تمثل هذا البناء على النحو الآتي:

        بدأ المقطع الأول من النص بقوله: (ولَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وجَسِيمِ النِّعْمَةِ…) إذ أسند الفعل الماضي إلى جماعة الغائبين، وجعل مورد التفكير عامًا (فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَجَسِيمِ النِّعْمَةِ …)، ليكون ناتج الدلالة (لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)، بيد أن هذه الثمرة من التفكر لا تجنى لأنه (الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ)، في إشارة جميلة إلى ضرورة إعمال الفكر للوصول إلى الغاية التي سيقود المتلقي إليها.

          أما المقطع الثاني فبدأه بالتفات من الماضي إلى المضارع لجماعة الغائبين الغافلين مع التحضيض (أَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ…)، وكان مورد النظر أخص من المقطع الأول (إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ)، فاستعمال الفعل (يَنْظُرُونَ) بمادته وهيأته أوفق مع السياق من استعمال الأفعال الدالة على التفكر، لأن المورد يدعو إلى مشاهدة الخلق والتأمل فيه، ويخص صغار الخلق لأنه أدعى للعجب والدهشة، وليهيئ المتلقي إلى الانتقال للمقطع الآتي.

        بدأ المقطع الثالث بالالتفات من الغيبة إلى الحضور صادمًا لغفلة المتلقين بالخطاب المباشر إلى جماعة الحاضرين (انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ…)، وليكون مورد النظر أخص مما سبق (إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَلَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا).

           ليكشف عن ملاحظة دقيقة لحياة كائن حي لا يأبه له الناس، ولا يقيمون له وزنًا، فيدعوهم بالخطاب المباشر إلى النظر والتأمل والاعتبار ليكون ناتج الدلالة (لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَلَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ وَلَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ)، لينهي في هذا المقطع مرحلة النظر والتأمل، ويفتح الباب أما التفكر في المقطع الرابع.

          يبدأ هذا المقطع بالتفات ثالث من جماعة المخاطبين إلى المخاطب المفرد باستعمال الفعل (ولَوْ فَكَّرْتَ …) المسند إلى تاء الفاعل المفتوحة، ليفسح المجال أمام المتلقي لإعمال فكره من دون إكراه بدلالة أسلوب الشرط غير الجازم (لو)، وليقوده برفق إلى مورد التفكر (فِي مَجَارِي أَكْلِهَا فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا)،وهو ما لا يلحظ ببصر، ولا ينال إلّا بالتفكر لذا ناسبه استعمال الفعل (فَكَّرْتَ)؛ لكون المورد أكثر خصوصية ودقة من كل ما مر سابقًا، ليصل به إلى جواب الشرط (لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَبًا وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَبًا)، وليقود المتلقي إلى نتيجة الدلالة للمقاطع الأربعة السابقة (فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ)، وليهيِّئه نفسيًّا وفكريًّا إلى تقبل الحقيقة الناصعة في المقطع الخامس، والتي تحتاج إلى إعمال الفكر.

           فقد بدأ المقطع الخامس الذي هو ختام النص موضع البحث بتأكيد الحضور في ذهن المتلقي، وإدامة التفكر بعمق وتحقيق، متوسلًا إلى ذلك بأسلوب الشرط غير الجازم مع ما يتبعه من جملة الشرط (وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ)، ليؤشر إلى أن ناتج الدلالة في جواب الشرط يحتاج إلى أبعد من النظر والتأمل؛ لأنه قائم على القياس والاستنباط الناتجين عن عمق الفكر وقوة الربط، ليؤدي إلى (مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ)، ليعلن الغاية من التفكر في الخلق وهو الوصول إلى توحيد الخالق بعد أن قادت مشاهدة الخلق إلى معرفة الخالق،

           فالتوحيد نتيجة لا تنال إلّا بإعمال الفكر، وهو ما دعا الإمام (عليه السلام) إلى تعليل هذه النتيجة بقوله: (لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاء).

          لقد كشف لنا النص السابق بمقاطعه الخمسة عن تسلسل فكري متقن وتدرج أسلوبي رفيع في عرض موضوع الخطاب، بدأ من عموم النظر لينتهي إلى دقة الفكر، ولينقل المتلقي من الغفلة إلى الوصول للنتيجة المتوخاة بسلاسة وترابط، وليسجل علو كعب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في بلاغة الخطاب، وتفرده في عرض دقائق الفكر وغوامض العلم بعرض أدبي رشيق، وأسلوب خطابي شيق.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/24.
2) نهج البلاغة، صبحي الصالح، 271.
3) المصدر نفسه 270-271.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.