Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة في كتاب (المصمم الأعظم) قراءة نقدية في كتاب التصميم العظيم لستيفن هوكنج تأليف الدكتور: حسن بن أحمد اللواتي

0 301

           موضوع هذا الكتاب يدور حول رؤى لعالم الفيزياء الشهير (ستيفن هوكنج) وزميله الفيزيائي أيضًا (ليوناردو ملودينو) حول الكون ومسألة الخلق والوجود، وقد حاولا في هذا الكتاب ومن خلال طرح مجموعة أسئلة من الفكر من قبيل: لماذا هناك وجود؟ ولماذا وجدنا؟ وغيرها، دراسة القوانين العلمية وتاريخها التي حاولت تفسير هذا الواقع والوجود، وأن يقدما وعبر قراءة القوانين العلمية المكتشفة طرحًا جديدًا لتفسير نشأة العالم، بالرغم من أنّ مجال العالمِيْن المذكورين وتخصصهما في العلوم الطبيعية والفيزياء تحديدًا، فاستندا إلى مقدمات وقوانين علمية في ذلك المجال إلّا أنَّهما خرجا باستنتاجات تتعلق بمجال علمي آخر وهو المجال الفلسفي.

           الكتاب يقع في قسمين، يستعرض القسم الأول منه مضمون كتاب التصميم العظيم وذلك عبر ثمانية فصول تنتهي في (ص102) من الكتاب، ليبدأ القسم الثاني من الكتاب بعنوان (القراءة النقدية) مشيرين إلى نقاط الضعف في كلامه ونتائجه من خلال فصول عقدها المؤلف بلغت سبعة تنتهي في (ص174)، ثم بعد ذلك تبدأ تعليقات من (ص175) فيها عناوين لمحاور فلسفية علق بها (محمد رضا اللواتي) في آخر الكتاب حول معنى الفلسفة وموضوعها ودراسة الحركة والزمان ونشوء البعد اللامادي، وذكر من براهين إثبات وجود الله تعالى برهان الصديقين، وبهذا تنتهي مادة الكتاب في (265ص).

           وسنحاول في هذه الأوراق المختصرة نقل بعض الفقرات المهمة للقارئ على لسان كاتبه مختارة من بعض فصوله مع بعض التعليقات، ومن باب التذكير نشير للقارئ:

          منذ أن بزغ فجر التأريخ باختراع الكتابة، حاول الإنسان أن يدون أفكاره، فالإنسان بطبيعته مفكر بالفطرة يحاول أن يتأمل بالأشياء المحيطة به مدونًا الحوادث وتأملاته ومظاهر الوجود الخارجي لكي يجد تفسيرًا لظواهر الطبيعة. ومن بين ألوان التفكير البشري ما يتعلق بمعرفة لغز الوجود والغاية من هذا الوجود، أو ما يسمى بالتفكير الفلسفي الذي ظهرت بدايته الأولى مقرونًا بالعقائد الدينية في الشرق، حيث يتفق أغلب المؤرخين(1) في أن نشأة الفلسفة تعود إلى اليونان وهناك رأي آخر يقول أن هناك أفكارًا تأملية فلسفية كانت في بدايتها ترتبط بحضارات الشرق القديمة ومنها حضارة وادي الرافدين ووادي النيل وحضارة الهند، فامتزج هذا اللون من التفكير بالعقائد الدينية للحضارات الأولى، ثم توالت بعد ذلك الحضارات البشرية مثل ما دونه أهل اليونان التي تأثرت نوعًا ما بالثقافات الشرقية(2).

            ثم عند ظهور نور الوحي في شبه الجزيرة العربية وولادة نبي الإسلام الأعظم (صلى الله عليه وآله) وبعثته وهجرته حين حمل رسالة الهداية إلى العالمين فدعا الناس في أول خطوة إلى تعلم العلم والمعرفة وكانت أولى الآيات الناطقة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ … الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)(العلق:1،4) وبظهور الإسلام أضيء مشعل العلم والمعرفة والحكمة في الشرق الأوسط فانهمك المسلمون في تعلم الفنون والعلوم المختلفة من جميع أرجاء العالم، وقدم الإسلام نظرياته في حل مشاكل الإنسان والتي أهمها حياته في هذه النشأة الدنيوية، فقدم نظامًا متكاملًا من وحي القرآن والسنة النبوية المطهرة ومن تعاليم أهل البيت (عليهم السلام).

           فرسم للبشرية معالم فلسفتهم وحياتهم في الدارين، وبين حدود عالم الدنيا وإمكاناته المحدودة المرتبطة بالزمان والمكان، وأن هناك عالمـًا أوسع وأشرف تتجلى فيه الأنوار لمن آمن وعمل صالحًا واتقى وسَلِم الناس من يده ولسانه وحافظ على طهارة باطنه وروحه بالالتزام بالشريعة المقدسة التي هي الطريق الوحيد للوصول إلى ذلك العالم العلوي والفوز برضوان الله تعالى في ذلك العالم الذي هو بحد ذاته يختلف عن هذه النشأة المادية التي اختلف فيها العلماء، أي في تفسيرها ومعرفة حقيقة الإنسان، رغم التطور العلمي الحاصل في أوربا والغرب، فاقتصرت نظرة الغرب على أن الإنسان بدن بلا روح وأبعدوا الجانب المعنوي من حياة الإنسان وهو الأهم،

 

         ومنذ القرن الرابع عشر الميلادي بدأ عصر جديد في أوربا رافقه تحول ثقافي وتغيير أساسي في القناعات، ولهذا سمي بعصر النهضة، ومن النتائج السيئة لهذا العصر ضعف أسس الإيمان بالغيب والنفور من الدراسات العقلية وما وراء عالم الطبيعة (الميتافزيقيا)، وبعبارة أخرى كان هناك انحطاط للدين والفلسفة، مما أدى إلى انهيار الأسس الفكرية والعقائدية، وأشاع اتجاهًا خطيرًا من الشك وعدم الاطمئنان بسبب التطور الحاصل للمعارف العلمية التي كان ينتظر منها إعادة صياغة الواقع المادي وتفسير الظواهر الطبيعية، والخروج بنظريات جديدة تساعد الإنسان على فهم الطبيعة أكثر، وهذا ما نرى آثاره في الكتاب حيث ورد في (ص14) على لسان الكاتب:

         (إننا نعيش لبرهة وجيزة من الزمن وفي تلك البرهة الوجيزة نستعرض جزءًا صغيرًا جدًا من الكون، ولكن لحب الاستطلاع فينا فنحن نبحث عن إجابات لأسئلة عديدة، كيف نفهم العالم الذي نعيش فيه؟ كيف يتصرف الكون؟ ما هي طبيعة الواقع؟ من أين أتى كل هذا؟ هل احتاج الكون إلى خالق؟ إن معظمنا لا يصرف معظم أوقاته للبحث عن إجابات لتلك الأسئلة، ولكن معظمنا ابتلي بها في وقت من أوقات حياته)، ذكر ذلك في بداية الفصل الأول المعنون (لغز الوجود) ثم يقول في (ص14):

        (في العادة فإن هذه الأسئلة، أسئلة فلسفية، ولكن الفلسفة ميتة لأنها لم تتواكب مع التطورات الحديثة في العلوم وبالخصوص في علوم الفيزياء، وعليه فقد حمل علماء الطبيعة شعلة الاستكشافات والنظريات الحديثة).

            إذن فالكاتب يحاول استبدال البحث الفلسفي بالبحث العلمي للإجابة عن تلك الأسئلة التي هي فلسفية أولًا، فهو مع ذلك قد أمات الفلسفة، وإذا أردنا أن نكون موضوعيين أكثر لقلنا إن تلك الأسئلة لها وجهان، وجه يتعلق بالعلوم الطبيعية ووجه آخر يتعلق بالبحث العقلي والبراهين الفلسفية.

            نعم لأن البحث عن الكون والعالم، ومِمَّ يتكون هو؟ أمر فيزيائي، ولكن البحث عن احتياج الكون إلى العلة الموجدة له هو بحث فلسفي.

           ويقول أيضًا في نهاية الفصل الأول: (إننا وجدنا في تاريخ العلم سلسلة من النظريات والنماذج العلمية التي كانت تتحسَّن مع تغيرها في وصفها للواقع، فمن نظريات أفلاطون إلى نظريات الفيزياء الكلاسيكية لنيوتن إلى نظريات الفيزياء الكمية الحديثة، وعليه فمن حقنا أن نسأل: هل ستصل تلك السلسلة من النظريات إلى نهاية قصوى ونظرية عظمى لتفسير الظواهر الكونية بحيث تشمل كل القوى الطبيعية؟ … أو أننا سنستمر للأبد في اكتشاف نظريات أفضل مما لدينا … ) ص16 ـ 17.

            إن المقصود من الفلسفة هي المبحث المختص بدراسة موجودات العالم وتفسيره لتلك الموجودات بنحو كيفية وجودها والبحث عن العلاقات بينها، وهي تنقسم إلى فلسفة مادية وفلسفة إلهية(3).

           أما الفلسفة المادية فهي تعتقد أن وجود العالم ينحصر بعالم المادة والطبيعة وآثارها فقط فكل شيء موجود مادي وكل شيء ما وراء المادة فهو خيال.

           أما على الضوء الفلسفة الإلهية فإن نظام الوجود لا يشمل المادة فقط والأمور المحسوسة، بل هنالك عوالم فوق المادة منزهة عن خواص المادة لا تطالها التغييرات الحاصلة في عالم الطبيعة، لقد وضع الماديون في فلسفتهم تجاه قضايا الكون أن يكون الحس والحواس هما مصدر المعرفة فاعتبروا الشيء غير المحسوس غير مشمول بدائرة العلم وإن عالم الغيب كوجوده تبارك وتعالى والوحي والنبوة والمعاد ضربًا من الأساطير، في حين أن المعرفة الصحيحة تعتمد على الحس والمحسوسات وإدراك العقل وتحليلاته المنطقية، والقرآن الكريم ينتقد أساس التفكير الفلسفي المادي ويرد على الذين يتوهمون عدم وجود الله سبحانه استنادًا على أنه لو كان موجودًا لشاهدناه، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.

          قال تعالى: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً)(البقرة:55)، ويرد عليهم قائلًا: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(الأنعام:103)، وعلى الرغم من أن سير المعلومات في الكتاب والإجابة حول تلك الأسئلة بقلم الكاتب كما أشرنا اتخذت اتجاهًا علميًا بحتًا انطلاقًا من دراسة تاريخ القوانين الفيزيائية والتي صاحبت الاكتشافات إلّا أن الكتاب لا يخلو من معلومات قيمة من حيث أن التطور العلمي كشف لنا عن أشياء وحقائق علمية مدهشة في أرجاء الكون، ونحن ننقل إليك بعضًا منها في الفصول الأخيرة من مادة الكتاب.

           ورد في الفصل السادس والمعنون (اختيار كوننا): (تبدأ أهم أحداث القصة في العشرينات من القرن العشرين باكتشاف (إدوين هَابْل) لأمور أدت به إلى استنتاج بأن الكون في تمدد … فإن التمدد الذي اكتشفه (هابل) ليس توسع الشيء في المكان، وإنما هو توسع المكان نفسه…فالمكان شيء مثل بقية الأشياء وهو عرضة للتمدد والتوسع مثل: البالون، وفي هذه الحالة فإن التوسع والتمدد الذي اكتشفه (هابل) هو عبارة عن توسع المكان حاملاً معه الأشياء التي فيه بعيدًا عن بعضها، وهنا يحضرني قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)(الذاريات:47)،…

           وحينما نقول إن الكون (والفضاء) في توسع، فإننا بالملازمة نقول: إن الكون كان أصغر حجماً فيما مضى، وعلى ذلك لو تتبعنا الكون في الماضي لوجدناه أصغر حجماً بكثير عما هو عليه الآن، بل إننا نصل إلى لحظة يكون الكون كله فيها محوياً في حجم يساوي الصفر أو ما يسمى بلحظة الانفجار العظيم … إن الانفجار لم يحدث في الكون، وإنما حدث الكون بحدوثه …

          وطبقًا لنموذج الانفجار العظيم فإن الكون مرّ بمرحلة من التضخم والتوسع السريع الذي حدث خلال فترة بالغة الصغر… ولمن يجد لغة الأرقام عسيرة على الهضم فإننا نستطيع تشبيه الوضع له بتمدد عملة معدنية قطرها(1 سنتمتر) إلى مساحة تفوق الـ(10) ملايين مرة من مجرة درب التبانة …

            لكن في الوقت ذاته فإن ظاهرة التوسع السريع فرضت مشكلة (على الأقل هكذا وصفوها) أمام بعض الفيزيائيين، فلكي يكون نموذج الانفجار العظيم/التوسع السريع قابلًا للعمل، فإننا نضطر لأن نفترض أن وضعية الكون في لحظة الصغر (ما قبل التوسع السريع) كانت حالة خاصة جدًا لا يمكن للصدفة وحدها أن تفسرها، ولولا تلك الوضعية الخاصة جدًا في لحظة الصغر في نشوء الكون لما استطعنا بناء نموذج الانفجار العظيم التوسع والسريع، ولعدنا بيدين خاليتين من جديد، وبالطبع …

           إن هذا الطريق يتجه إلى نتيجة فلسفية فكرية بوجود مُصمّم وخالق للكون جعله بتلك الوضعية الخاصة جداً والتي أمكن من خلالها أن يحدث التوسع السريع للكون مع ماله من نتائج على نشوء المجرات والكواكب والحياة على الأرض، وحيث أن هوكنج يرغب في نتيجة مخالفة فإنه سيحاول عرض نظرية أخرى لتفسير تلك الحالة الخاصة …) ص82 ـ 86.

           وورد في الفصل السابع ص92 والمعنون (المعجزة الظاهرية) في هذا الفصل يعرض لنا الكاتب عددًا من الأمور التي مكنت لنا من وجود الحياة على كوكب الأرض، فمع أن عدد المجرات والأنظمة النجمية والكواكب في الكون هائل وضخم فإن هناك شروطًا معينة يتطلب وجودها في النظام الكوكبي الذي يراد له أن يحتضن الحياة، وهذه الشروط نادرة جداً إلى درجة تدفعنا للاعتقاد بأنها صمّمت على يد مصمّم ذكي جدًا أراد للحياة أن تنشأ على هذا النظام الخاص، وبعبارة أخرى: فإن وجودنا على هذا النظام النادر الخاص معجزة تدفعنا إلى الاعتقاد بوجود إله مصمّم ذكي.

           والعجيب في هذا الفصل أن الكاتب عرض بأمانة علمية ودقة بحثية جوانب الندرة في النظام الشمسي للأرض وعرض ذلك بدقة واختصار مذهلين يندر وجودهما في كتب أخرى، نذكر منها:

    حوالي نصف عدد الأنظمة النجمية في الكون مكوّنة من نجمين أو أكثر ولو كانت الأرض تدور حول شمسين اثنتين بدلاً من واحدة فإن ذلك يستلزم أن تكون الأرض معرضة لحرارة عالية جداً في فترات وحرارة منخفضة جداً في فترات أخرى وكلا الأمرين لا يتلاءم مع نشوء الحياة على الأرض.

    كل الكائنات الحية مبنية من وحدات عضوية تحتوي على الكربون، إن نشوء حياة مبنية على الكربون يتطلب سلسلة من الأحداث الدقيقة التي تفضي إلى هذه النتيجة من نشوء الحياة الكربونية بعد مرحلة الانفجار العظيم، فنواة الكربون تتشكل من خلال اندماج نواتين من الهيدروجين معًا لتكوين نواة هيليوم وهي العملية التي تنتج الطاقة الحرارية الهائلة للنجم، ومن ثم اندماج نواتين من الهيليوم لتكون نواة البيريليوم،

 

          والخطوة الأخيرة هي اندماج نواة بيريليوم مع نواة هيليوم لتكوين نواة الكربون، والأمر ليس بهذه السهولة، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يعلم من الفيزياء النووية ما يكفي ليقدر مقدار تسلسل الأحداث وتوافقها التام كمًا ونوعًا وتوقيتًا لتنتج النتيجة المطلوبة أو المرغوبة من تكوّن الكربون، والذي هو حجر الزاوية في نشوء الحياة. ومعنى ذلك إن أي تغيير طفيف في القوانين الموجودة في كوننا سيؤدي إلى اختفاء الظروف المؤدية لوجودنا.

          وبعبارة أخرى فإن ما يريد (هوكنج) قوله: هو أن القوى الأساسية للطبيعة يجب أن تكون في توازن خاص وذات طبيعة محددة لتنتج لنا الأحداث النادرة الخاصة التي من شأنها أن تولد لنا بيئة صالحة لنشوء وتطور الحياة كما نعلمها اليوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) الفلسفة الإسلامية الدكتورة نظلة الجبوري ص8 ـ والمنهج الجديد لتعليم الفلسفة للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي ص12.
2) المنهج الجديد ص13.
3) انظر دعوة إلى التوحيد رسالة السيد الخميني (قد) إلى رئيس الاتحاد السوفيتي سابقًا ص40.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.