Take a fresh look at your lifestyle.

حديث: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» قراءة في الأبعاد والدلائل التاريخية

0 157

              يعتبر حديث (الخلافة بعدي ثلاثون سنة) من جملة الأحاديث التي دار حولها الجدل وكثر الاستشهاد بها من قبل علماء ومحققي الشيعة أو السنة على حد سواء..
وفي الحقيقة فإن الحديث يتكون من شقين كل شق كان مثار اهتمام إحدى الطائفتين ونقطة ارتكاز في بحوثها الكلامية بحيث تستدل به كل طائفة على صحة اعتقادها طبعاً مع اختلاف بطريقة وخلفية الاستدلال..

نص الحديث ومصادره
روي هذا الحديث من طرق ومصادر أهل السنة وقد ورد بلفظين متقاربين:
الأول: رواه ابن حبان (ت 354 ) في صحيحه 15/393 وغيره بهذا اللفظ:
(الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً ).
الثاني: رواه أبو داوود السجستاني (ت275) في سننه 2/401، الحاكم النيسابوري (ت405) في مستدركه 3/71، والطبراني (ت360) في معجمه الكبير 7/84 وغيرهم بهذا اللفظ:
(خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتى الله الملك، أو ملكه، من يشاء)..
وكما نرى ففي الحديث جانبان أو ركنان:
– تحديد الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بثلاثين عاماً وهو الشق الذي تمسك به علماء السنة لإثبات أحقية الخلفاء الثلاثة (أبي بكر وعمر وعثمان) بالخلافة باعتبار أن الرسول – بحسب هذا الحديث –
قد سماهم خلفاء للنبوة… أكثر من ذلك ذهب بعض علماء العامة أن هذا الحديث يعتبر من (دلائل النبوة) لأن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر بأمر غيبي قبل وقوعه بثلاثين عاماً..

– تسمية من جاء بعد الخلفاء الأربعة ﺒ (الملوك) وهو ما تمسك به بعض محققي الشيعة والسنة أيضاً لإثبات عدم شرعية خلافة معاوية وجميع خلفاء بني أمية وبني العباس… طبعاً احتج الشيعة بهذا الحديث لا إيماناً منهم بصحة صدوره من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولكن من باب (ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم)…

وبالجملة فإن هذا الحديث باطل عند علماء ومحققي الشيعة الإمامية وإنما استدلوا به لأنه ثبت عند اغلب علماء ومحدثي أهل السنة والجماعة ولا بأس أن نسلط الضوء عليه من حيث دلالته وظروفه التاريخية ودرجته السندية لنخرج بخلاصة حول حديث أخذ اهتماماً في ميادين الحوار الإسلامي…

 

القوة السندية للحديث
أول ما يصادفنا عند البحث عن أسانيد هذا الحديث أنها جميعاً تنتهي إلى صحابي واحد هو (سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله) وكان سفينة « مولى لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقته واشترطت عليه أن يخدمه ما عاش» (تاريخ دمشق لابن عساكر 4/266) وقد ورد اختلاف عظيم في اسمه حيث أرجعها ابن حجر في الاصابة 3/111 إلى واحد وعشرين قولاً !!! وقد توفي سفينة بعد سنة سبعين للهجرة (سير أعلام النبلاء للذهبي 3/173)… إذن أول الحكم على هذا الحديث انه خبر آحاد رواه عن رسول الله صحابي واحد غير مشهور بل ومجهول الاسم !!

الطامة السندية الأخرى في هذا الحديث أنه لم يروه أحد من التابعين عن سفينة سوى (سعيد بن جمهان) !… وسعيد هذا وإن وثقه البعض من علماء الرجال عند السنة إلا إنه لم يخل من الجرح القادح.. قال أبو حاتم: (لا يحتج به توفي 136) (الكشاف للذهبي 1/433)، وقال أبو داود: (ثقة وقوم يضعفونه) (ميزان الاعتدال للذهبي 2/131)… وفي التهذيب لابن حجر 14/13: (وقال ابن معين روى عن سفينة أحاديث لا يرويها غيره وأرجو انه لا بأس به… وقال البخاري: في حديثه عجائب… وقال الساجي: لا يتابع على حديثه).

ومن الجدير بالذكر أن سعيد بن جمهان روى عن سفينة حديثاً آخر في مسألة الخلافة وينص على أن (النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر وعثمان: هؤلاء الخلفاء بعدي)!! وقد أجمع علماء السنة أن هذا الحديث موضوع ومنهم البخاري (ت256) حيث قال في تاريخه الكبير 3/117: (وهذا لم يتابع عليه لأن عمر بن الخطاب وعلياً قالا: لم يستخلف النبي صلى الله عليه وسلم..)، إذن فالرجل مشهور بوضعه للأحاديث المكذوبة في مسألة الخلافة وهذا شأن الرواة المنحرفين عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله.

وعلى هذا الأساس فإن الدرجة السندية للحديث لا ترقى لحد الاحتجاج وإثبات العلم وهو ما سيتأكد بعد ما نلاحظ شذوذ المتن وخلوه من الشواهد التاريخية…

مناقشة في متن الحديث ودلالته
مقتضى الاستدلال بهذا الحديث عند أهل السنة أنه يحدد مدة الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) بثلاثين عاماً، حيث توفي رسول لله صلى الله عليه وآله في 28 صفر سنة 11 هجرية (الإرشاد للشيخ المفيد 1/189) وعلى رأي آخر أنه توفي في 2 أو 12 ربيع الأول سنة 11 هجرية (تاريخ الطبري 2/442)… أما وفاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وهو رابع الخلفاء عند القوم فكانت بلا خلاف في 21 رمضان سنة 40 هجرية فتكون مدة الخلافة ثلاثين سنة إلا 5 أشهر و(21 يوماً أو 11 يوماً أو 9 أيام) حسب اختلاف روايات وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)..

طبعاً البعض حاول أن يضيف إلى هذه المدة مدة خلافة الإمام الحسن(عليه السلام) وهي قريب الستة أشهر فيكون تمام الثلاثين سنة وهو ما ذهب إليه ابن كثير (ت774) في البداية والنهاية 8/17 حيث قال: (والدليل على أنه – أي الإمام الحسن – أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا. وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليماً)…

ولنا أن نسأل علماء السنة اليوم: إذا كنتم تعتبرون أن هذا الحديث من دلائل النبوة وأنه لا يتم الا بإضافة مدة الخلافة الظاهرية للإمام الحسن عليه السلام فلماذا أقصي سبط رسول الله صلى الله عليه وآله عن اعتباره أحد الخلفاء الراشدين واكتفيتم بأربعة خلفاء؟! فهل هذا من الإنصاف للنبي وأهل بيته؟ على كل حال هذا الكلام الذي نقوله هو من باب إلزام الآخرين بما ألزموا به أنفسهم وإلا فهذا الحديث لا يصح عن رسول
الله(صلى الله عليه وآله) وهو ليس من دلائل النبوة كما سنرى والحسن بن علي(عليه السلام) إمام قام أو قعد بنص من رسول الله(صلى الله عليه وآله).

وقد اصطدم متن هذا الحديث بإشكالات عديدة من حيث تعارضه مع أحاديث أخرى أقوى متناً وأصح سنداً ومن هذه الأحاديث الخبر المشهور عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) والذي رواه مسلم في صحيحه واحمد في مسنده وعلماء كثيرون بنصوص متفاوتة: (لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) حيث يحدد هذا الحديث الشريف الخلفاء باثني عشر خليفة ما بين رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقيام الساعة وهو ما يعارض تحديد فترة الخلافة بثلاثين سنة وعدد الخلفاء بأربعة أو خمسة، وقد اعترف بهذا التناقض محيي الدين النووي (ت676) وحاول ترقيع الإشكال دون جدوى حيث قال في شرح صحيح مسلم 12/201: (قد جاء في الحديث الآخر الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا وهذا مخالف لحديث اثنى عشر خليفة فإنه لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي.. والجواب عن هذا أن المراد في حديث الخلافة ثلاثون سنة خلافة النبوة وقد جاء مفسراً في بعض الروايات خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ولم يشترط هذا في الاثني عشر…).

وكما هو واضح عوار هذا الترقيع حيث رمى هذا المسكين بمفتاح الحل في ساحة (خلافة النبوة) وإن هذا الشرط غير موجود مع الاثني عشر! فإذا كان الرسول قد سمى الاثني عشر بالخلفاء فما معنى هذه الخلافة إن لم تكن خلافة النبوة! ولماذا الرسول وصف الحكم بعد الثلاثين سنة بالملك لا بخلافة !! على كل حال هذه عورة أخرى من عورات هذا الحديث لا ينفع معها ترقيع!

بقيت لدينا ملاحظات مهمة على متن الحديث ودلالته نختصرها بالنقاط التالية:
أولاً: لم يحتج بهذا الحديث أي أحد من الخلفاء الثلاثة الأوائل لإثبات شرعية خلافتهم مع إنهم كانوا بحاجة لكل قشة يتشبثون بها.
ثانياً: لم يحتج بهذا الحديث كل من الإمام الحسن أو الإمام الحسين(عهما) لإثبات عدم شرعية خلافة معاوية بن أبي سفبان وابنه يزيد، وهذا يدل أن هذا الحديث لم يكن له وجود إلى سنة ستين للهجرة.

ثالثاً (وهو الأهم): ظهر هذا الحديث للوجود بعد سنة سبعين للهجرة! في معمعة الخلاف السياسي بين بني مروان الماسكين بزمام السلطة في الشام وبين بني الزبير الذين نشطت حركتهم في مكة المكرمة والذي يظهر لي – والله العالم – أن هذا الحديث هو أحد إفرازات ذلك التقاطع السياسي، فقد أورد البخاري (ت256) في تاريخه الكبير 3/117 أن سعيد بن جمهان الراوي للحديث عن سفينة قال (لقيته – أي سفينة – بمكة زمان الحجاج فأقمت عنده ثمان ليال أسأله عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم…) والحجاج دخل مكة بحدود سنة 73 هجرية (الكامل لابن أثير 3/359) وهذا يلغي القول الذي ذكره ابن كثير من أن هذا الحديث من دلائل النبوة لأنه – أي الحديث – ظهر بعد فترة الثلاثين عاماً لا قبلها حتى يُطمَأنَّ بصحة نسبته لرسول الله صلى الله عليه وآله، وقد انتشر هذا الحديث بعد ذلك في جنوب ووسط العراق وخاصة في البصرة موطن سعيد بن جمهان فقد رواه عن سعيد كل من: حماد بن سلمة (ت167) وهو (من عباد أهل البصرة ومتقيهم) (مشاهير علماء الأمصار لابن حبان 248)، وعبد الوارث بن سعيد (ت180) وهو بصري أيضاً (سير أعلام النبلاء للذهبي 8/304).

ومن الجدير بالإشارة أن هذا الحديث لم يحض بإجماع أهل السنة فقد أنكره بعض العلماء والمؤرخين من ذوي النزعة الأموية ومنهم المؤرخ ابن خلدون (ت 808) حيث يقول في معرض إثبات خلافة معاوية بن أبي سفيان (ت 60 ﻫ) ونفي صفة الملوكية عن حكمه: (وقد كان ينبغي أن تلحق دولة معاوية وأخباره بدول الخلفاء وأخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة، ولا ينظر في ذلك إلى حديث: الخلافة بعدي ثلاثون، فإنه لم يصح، والحق إن معاوية في عداد الخلفاء) (تاريخ ابن خلدون ج2/188).

الحديث في أدبيات الشيعة
لم يرد هذا الحديث في أي من كتب الحديث المعتمدة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، نعم ورد ذكر هذا الحديث على لسان الإمام المهدي(عليه السلام) في جواب بعثه لأحد الشيعة كان قد سأله عن مسائل تتعلق بالخلاف السني الشيعي حيث علمه الإمام(عليه السلام) أن يستدل بهذا الحديث من باب (ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم) فقد أورد الشيخ الصدوق (ت381) في كمال الدين ص 454 جواب الإمام المهدي للموالي سعد بن عبد الله القمي قائلاً: (يا سعد وحين ادعى خصمك أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما أخرج مع نفسه مختار هذه الأمة – يعني أبا بكر – إلى الغار إلا علماً منه أن الخلافة له من بعده وأنه هو المقلد أمور التأويل والملقى إليه أزمة الأمة وعليه المعول في لم الشعث وسد الخلل وإقامة الحدود، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوته أشفق على خلافته…

فهلا نقضت عليه دعواه بقولك أليس قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (الخلافة بعدي ثلاثون سنة) فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم فكان لا يجد بداً من قوله لك: بلى، قلت: فكيف تقول حينئذ: أليس كما علم رسول الله أن الخلافة من بعده لأبي بكر علم أنها من بعد أبي بكر لعمر ومن بعد عمر لعثمان ومن بعد عثمان لعلي فكان أيضا لا يجد بدا من قوله لك: نعم، ثم كنت تقول له: فكان الواجب على رسول

الله(صلى الله عليه وآله) أن يخرجهم جميعا (على الترتيب) إلى الغار ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر ولا يستخف بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إياهم وتخصيصه أبا بكر وإخراجه مع نفسه دونهم…).
هذه هي الإشارة الوحيدة الموجودة في الكتب المتقدمة لهذا الحديث، وقد رأيت أن ممن أنفرد برواية هذا الحديث من متأخري الشيعة هو الشيخ محمد بن علي بن إبراهيم الأحسائي المعروف بابن أبي جمهور ( ت 880 ) في كتابه (عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية) 1/125 حيث أورده بلا سند مرسلاً إلى رسول الله(ص) بهذا اللفظ: (الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تكون ملكاً عضوضاً).

وقد حاول الشيخ الإحسائي تفسير معنى الخلافة والملك بقوله في الهامش: (يريد بالخلافة الخلافة الواقعة بعده، والظاهر حصولها، وتسميتها خلافة بين الناس، ثم إنها بعد المدة، تصير بين الناس لا تسمى خلافة، بل ملكاً)… فالضابط عند الشيخ(رحمه الله) هو وجهة نظر الناس لطبيعة الحكم وهو تكلف في التفسير لا دليل عليه بل يعارضه ظاهر النص ثم ما معنى أن يسمي الناس هذا الحكم بأنه (خلافة) أو (ملكاً) وهل اتفق الناس بآرائهم حتى يتفقوا في تسمية شكل الحكم؟!.

أما السيد نعمة الله الجزائري (ت1112) في كتابه (جواهر الغوالي في شرح العوالي) فقد حاول أن يعطي بعداَ آخر وأخطر لهذا الترقيع عندما قال في شرحه لهذا الحديث:
(وبيان كون الثلاثين سنة خلافة، إنها كانت مدة خلافة الأربعة فان مدة خلافة الثلاثة، كانت خمساً وعشرون سنة، وخلافة أمير المؤمنين سلام الله عليه، كانت خمس سنين، وكان الثلاثة يسلكون في التقشف والزهد مسلك النبي(صلى الله عليه وآله)
في كثير من الأمور، وإن اختلفوا في العزائم والنيات ولما جاءت النوبة إلى معاوية، أقبل على الدنيا ولذاتها، ومشتهياتها والتأنق في الزينة، وهو الذي اخترع التلون في الأطعمة، وركب الأرز، واللحم، والسمن، وكان الناس قبله يأكلون ثريد المرق واللحم، وهو الذي وضع موائد الخمر، وسلك طريق الجبابرة، وزاد عليه من بعده من بني أمية، وبني العباس فهذا معنى الحديث)… ولا أدري من أين جاء

السيد(رحمه الله) بأن الثلاثة كانوا (يسلكون في التقشف والزهد مسلك النبي(صلى الله عليه وآله) في كثير من الأمور)؟! وهم بدأوا حكمهم باغتصاب فدك ومنع فاطمة إرثها من أبيها!! وكانت الانتقائية والمزاجية هي الحاكم على تصرفاتهم بالحكم، نعم، قرب عهدهم من عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يمنعهم من ممارسة بعض الموبقات بشكل علني خوفاً من إثارة الرأي العام ضدهم، ولقد كانوا – خصوصاً الثاني منهم – مصدراً لكثير من البدع والتغيير في سنة الرسول(صلى الله عليه وآله) وهم الذين وضعوا الحجر الأساس في تسليط بني أمية على رقاب المسلمين… ويكفينا في الثالث منهم وصف أمير المؤمنين له في خطبته الشقشقية:

(إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه (كناية عن التكبر) بين نثيله ومعتلفه (كناية عن الطمع والشره). وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث فتله. وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته…).
فهل بعد هذا الوصف يصح أن نقول أن الثالث – وهو أطولهم مدة خلافة – كان يسلك مسلك رسول الله في التقشف والزهد؟! ثم ما فائدة التقشف والزهد الظاهريين إذا كان الشخص ممن لا يرجو في المؤمينن (إلاً وذمة)؟! ثم كيف يتفق أن يوصف الثلاثة بالخلفاء وقد وصفوا في روايات أخرى بالطواغيت!! في كمال الدين ص 316 عن الإمام الحسن(عليه السلام) لما صالح معاوية قال:
(ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم(عليه السلام) خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج) وفي المصدر نفسه ص 485 في التوقيع الشريف للإمام المهدي: (لم يكن لأحد من آبائي(عليهم السلام) إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج، ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي).
وهذا الكلام يشمل بالتأكيد الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وبالتالي فإن الوصف المطلق على الحكام في عهده هو (الطاغية) وهذا لا يتفق مع لفظ خليفة.. أكثر من ذلك لو نظرنا إلى الخليفة الثاني لوجدنا أنه لم يكن يعلم هل كان هو خليفة أم ملكاً؟! فقد روى ابن سعد في الطبقات 3/306 عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: (إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة). وواضح من كلام سلمان أنه كان يريد أن يقول لعمر أنت لست خليفة لأنك تضع المال في غير موضعه..

وبالجملة فإن هذا الحديث الذي لم يصح سنداً لا عند الشيعة ولا عند السنة فإن مضمونه لا يصح أيضاً فضلاً عن الوقائع التاريخية وزمن ظهوره للساحة الإسلامية ومعارضته لصحيح الأخبار الأخرى وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

نشرت في العدد المزدوج 30-29

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.