Take a fresh look at your lifestyle.

الأدلة القرآنية في الشعر الحسيني ـ قراءة أدبية معاصرة ـ

0 216

نضير الخزرجي
باحث وكاتب

          لا يختلف اثنان على أن القرآن الكريم في الوقت الذي يشكل محور وحدة المسلمين من الجنسيات واللغات والأطياف كافة، بوصفه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بأنه كان بمثابة الوعاء اللغوي الذي حفظ اللغة العربية حتى يومنا هذا، وإذا اختلف أرباب اللغة في مسألة أو أعياهم الجواب عادوا الى القرآن يستنطقونه الصواب. فلم يكن من صنع البشر، لأن كل كاتب ينسج الكلام متأثرا بمن قبله، والقرآن الكريم عصي على النسج بمثله، فقد فشل من قبل مدعي النبوة مسيلمة الكذاب هارون بن حبيب الحنفي (ت 11هـ)،

كما لا يستطيع أرفع قلم من أن يحذو في البلاغة حذوه، إلا أن يقتبس منه أو أن يستشهد به في خطابه أو شعره. ولم يكن من صنع النبي محمد(صلى الله عليه وآله) على بلاغته، لأنه لو كان منه على سبيل المثال، لجاء القرآن على سنخ خطابات الرسول بلحاظ وحدة المصدر، لكن الأمر مختلف، وإن الرسول محمد(صلى الله عليه وآله) إنما يتناول من مائدة القرآن الكريم، من هنا، فإن مشركي قريش عندما طلبوا من نبي البلاغة، الوليد بن المغيرة المخزومي (95ق. هـ – 1 هـ)، أن يجابه القرآن ويقول فيه شيئاً يعيد شباب مكة إلى جادة عبادة الأصنام، ويبعدهم عن طريق نبي الأنام، قال قولته الشهيرة: (والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطُلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر).

واعترف أمراء الكلام من خطباء وشعراء بعلو كعب القرآن، فصاروا عيالا على هذا الجديد الذي ليس من نسج الجن ولا البشر، بعد أن تمكن من نفوسهم وعقولهم، فراح الحفاظ يقرؤونه لمن دونهم، وراح الشعراء يخرسون شياطين شعرهم بملاك القرآن، فجاءت أبيات شعرهم ساطعة بنور آي الذكر الحكيم، يستحضرون شطرا من آية أو كلها في صدر أو عجز، لكون الاستحضار، الطريق الأقصر الى قلوب الناس الذين يقرأون القرآن أو يقرأ عليهم كل يوم.

ولما كثر هذا النمط من الشعر، انتظم في الأدب باب الشواهد أو الأدلة، حيث يتم إعادة البيت الشعري من صدر أو عجز أو كليهما إلى مصدر الآية الكريمة وجذرها، أو مصدر أحاديث النبي
محمد(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)، أو أن يتم تذييل الآية القرآنية بما ورد فيها من أحاديث، كما في كتاب (شواهد التنزيل) للحسكاني أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحذاء الحنفي المتوفى بعد 490 هجرية، الذي ربط الآيات الواردة في أهل البيت(عليهم السلام) بشواهدها وأدلتها من الأحاديث الشريفة.

ونلحظ مثل هذا النمط من الأدب الراقي، في أشعار فطاحل شعراء المسلمين، الذين نضدوا لآلئ حكم وأمثال النبي وأهل بيته الكرام في عقود شعرهم، فجاءت أبياتهم تضئ بنور الحكمة والمعرفة، كما في كثير من إنشاء
بشار بن برد العُقيلي البصري (95-167)، مثل قوله:
اذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وهذه حكمة شعرية ترجع بجذورها الى قول الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام): (اغض على القذى والألم، ترض أبداً). أو كما في أشعار أبي الطيب المتنبي أحمد بن الحسين الكندي الكوفي (303- 355هـ)، مثل قوله:
ومن ينفق الأيام في جمع ماله
مخافة فقر فالذي فعل الفقر
وهذه حكمة شعرية أصلها ثابت في قول الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وفرعها في قصائد الشعراء: (إن أخسر الناس صفقة، وأخيبهم سعياً، رجل أخلق بدنه في طلب ماله، ولم تساعده المقادير على إرادته).

وفي الشعر الذي قيل في الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام) الكثير من الأدلة والشواهد القرآنية، تضمنتها قصائد الشعراء على مر التاريخ، وقد عنّ للأديب الأردني محمود عبده فريحات، أن يبحث في الشواهد القرآنية التي وردت في احد عشر ديوانا من دواوين دائرة المعارف الحسينية التي غطت القرن الأول الهجري حتى التاسع منه، فجاء كتابه، الذي حمل عنوان: (الأدلة القرآنية في الشعر الحسيني من دائرة المعارف الحسينية للكرباسي)، والذي صدر مؤخرا عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 248 صفحة من القطع الوزيري، مع مقدمة وتعليق الحاج علي التميمي.

قرأ الأديب فريحات الدواوين الأحد عشر، وهي جزء من مجلدات دائرة المعارف الحسينية للدكتور الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، فاستضاءت له العشرات من الأدلة القرآنية فيما نظم في الإمام الحسين(عليه السلام) من القريض، خلال تسعة قرون، فوقف على نحو أربعين منها، شارحا لها، جامعا في الكتاب بين أسلوب الأقدمين والمعاصرين، فيتناول الآية بإعراب مفرداتها، ثم بيان شرحها من التفاسير وسبب نزولها ومصاديقها، ومقارنة الشرح برأي الفقيه الكرباسي، ثم بيان المؤلف رأيه الشخصي، وبيان علاقة الشاهد وشرحه بالبيت أو القصيدة، فوافق الأديب فريحات الفقيه الكرباسي، في الأكثر من الرؤى، واختلف معه في الأقل.

ولما كان المؤلف من الشعراء الملهمين الذين أفرزتهم الساحة الأردنية والإسلامية، فان شروحه حوت الكثير من إنشائه، فطغى النظم على النثر، وانسجما كانسجام الألوان في لوحة زيتية خلابة، فجاء الكتاب نثرا وشعرا يعضد بعضه بعضا، في حلّة قشيبة، تضع النفوس التعبى رؤوسها على وسادة الأدب، ترفع عنها أغلال الدنيا ونصبها، تستنشق عبير الحياة، من بين بيوت وردية شعرية أنشئت وأنشدت في حق من وهب الحياة لهذه الأمة في عرصات كربلاء المقدسة.

وعلى غير عادة الكتّاب، الذين يهدون كتابهم من النثر لهذا العزيز أو ذاك، فان الأديب فريحات تهادى مع أحبابه، ببيتين من الشعر في (حب النبي وآله)، أنشأ فيهما:
حـــبُّ النبـــي وآلــــه
يشفي الفؤاد من السَّقامة
كمجــربـوه فأُشــــربوا
روح السكيـــنة والسلامة
وقدّم لمن انعقد عليه الكتاب الإمام الحسين(عليه السلام) قصيدة من 25 بيتاً، جاء في مطلعها:
إن القوافي باسمه تستعطرُ
وبما يُقال عن الحسين يُعطِّرُ
يا أيها القلم الذي أشدو به
فاخر.. فعن زّين الشباب تُخبّرُ
واعلم بأن الشعر يطهُرُ باسمه
نظما … وإنّا باسمه نتطهّرُ
هذا ابن فاطمةَ البتول … وجدُّهُ
خيرُ الجدود …. وفي أبيه المذخَرُ
مدُنُ العلوم (محمدٌ)… و(عليّنا)
أبوابها… والعلمُ فيها يُثمرُ
وقبل أن يلج المؤلف ساحة الأدلة، الواحد بعد الآخر، صدّر الكتاب، وكعادته بقطعة شعرية ومقطوعة نثرية، أجاد في القطعة في مديح (القرآن الكريم المعجزة الخالدة)، وأبان في المقطوعة خطل الذين حاولوا مساقاة القرآن وإنزاله منزلة البشر، ناقدا في الوقت نفسه التفاسير التي تجمدت على النقل دون أن تعمل عقلها، ومنتقدا الذين يحشرون القرآن في زاوية علمية دون أن يكون لهم باع في الموضوع نفسه، فتأتي تفسيراتهم خالية من الفائدة أو متعارضة مع العلم. فالقرآن عند الأديب فريحات، يجب أن: (يفسّر بالقرآن، والحديث والعقل، والتجارب).

وفي شاهد قرآني آخر، يتناول المؤلف علاقة الأب بأبنائه، وبالعكس، فيدعو الأبناء نقلا من السيرة، ونظما من إنشائه، إلى احترام الوالدين في حياتهم وبعد مماتهم، داعياً الأبناء إلى الاعتبار بسيرة الامام علي بن الحسين
السجاد(عليه السلام) (38ـ95 هـ) الذي كان يمتنع عن الأكل مع مربيته، وعندما سئل عن ذلك، قال: (أخاف أن تسبق يدي الى ما قد سبقت عينها، فأكون قد عَقَقتها!!).

وتحدث عن قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) سورة الأحزاب:33، ذاكرا الكثير من الأبيات لشعراء عدة، ضمنوا الآيات في أشعارهم، فشرح الآية وأبان عن مصاديق أشخاصها، وعدد أراء العلماء من الفريقين، ورأى أن الحق فيما رواه مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (204ـ261هـ)، والترمذي محمد بن عيسى السلمي (209ـ279هـ) بأن المعني بأهل البيت(عليهم السلام) هم: علي وفاطمة والحسن والحسين، ذلك: (إن الذي رواه مسلم والترمذي عن أم سلمة ـ أم المؤمنين ـ إنطلاقاً من قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)… يثمر في العقل والقلب، لأنه حقيقة).
ويتركنا الأديب الأردني محمود عبده فريحات، في هذا المصنف، ونحن أشوق الى نثره ونظمه، يتناول فيهما وبهما أدلة قرآنية أخرى وردت في الدواوين، ترك شرحها الى مصنف آخر .

نشرت في العدد المزدوج 30-29

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.