Take a fresh look at your lifestyle.

العلامة الحلي نابغة زمانه وشيخ عصره (648-726هـ)

0 544

د. حسين سامي شير علي
كلية الفقه/ جامعة الكوفة

 

         أنجبت مدرسة الحلة طائفة من العلماء الأعلام الذين خلفوا ورائهم بصمات علمية وأخلاقية وعقائدية، لازالت الأجيال إلى اليوم تنتهل من نميرها، تراثاً أصيلاً وفكراً نيراً، وعنواناً للفضيلة، ومنهجاً للدرس والتحصيل.
ومن رواد هذه المدرسة العريقة الشيخ أبو منصور بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي الذي عرف بـ(العلامة)، ذلك اللقب الذي لم يطلق على أحد من العلماء قبله ولا بعده، فإذا قيل اليوم (العلامة) انصرف الذهن إليه دون تردد.

وقد أرخ والده الشيخ سديد الدين يوسف، مولده في ليلة الجمعة، في الثلث الأخير من ليلة 27 وفي شهر رمضان سنة 648هـ، ونشأ في بيئة طيبة عرفت بالعراقة في العلم وسمو المراتب، وترعرع في أجواء المعرفة والفضيلة، حيث قرأ على والده العالم الكبير وعلى جملة من علماء عصره من الفريقين مختلف العلوم العقلية والنقلية، حتى برع فيها، فأخذ يحقق ويدقق الآراء ويشبعها بحثاً ومناقشة، فأفاد منه العشرات بل المئات من طلاب العلوم من مختلف أصقاع الدنيا، حتى انفرد بلقب العلامة، فانتهت إليه رئاسة الإمامية في عصره، فكان الزعيم الروحي لها(1).

ولم يتفق لأحد من العلماء قبل الشيخ أبو منصور الحسن الحلي أن لقب بالعلامة فهو أول من أحرز هذا اللقب، وقد انتزعه من إعجاب العلماء بمعارفه، فقد تألق
ذكره(قدس سره) في الآفاق، ومن هناك كان لقبه بمثابة وسام علمي يشير بوضوح إلى منزلته العلمية الرفيعة، ومما يذكر إنه قد نال هذا اللقب الفاخر بعد مناظرة طويلة مشهورة له في مجلس السلطان الجايتو خدابنده، إذ كشفت تلك المناظرة عن ذهن وقاد، وعلم زاخر، وفهم وافر، ودقة مدهشة، واستحضار غريب، وعلى أثر ذلك منح هذا اللقب ارتجالاً، ثم ما لبث أن لازمه، واختص به(2).

أقوال العلماء فيه
1ـ قال السيد محمد مهدي بحر العلوم عن أخلاقه وتقواه: (إنه مع ذلك ـ أي مع علمه الوافر ـ كان شديد التورع، كثير التواضع خصوصاً مع الذرية الطاهرة النبوية)(3).
2ـ قال الحر العاملي: (فاضل، عالم، محقق، مدقق، ثقة، فقيه، محدث، متكلم، ماهر، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة)(4).
3ـ وصفه الشهيد الأول صاحب الذكرى بأنه (أفضل المجتهدين).

ومما امتاز به العلامة الحلي أنه درس عند بعض علماء المذاهب الأخرى فخالطهم وحاججهم احتجاجاً علمياً هادئاً، فاطلع على ما عندهم من جهة، وعرفهم بما عنده من جهة أخرى، وكانت نتيجة هذا الانفتاح العلمي مجموعة من المناظرات العلمية التي نقل بعضها إلينا والتي تصور الواقع العلمي والبراعة الكلامية التي كان العلامة يتمتع بها، حتى فرض مكانته العلمية على مخالفيه، فلم يتعدوه إلا بعد الثناء عليه والإقرار بفضله وفضيلته.

وكان من روائع مناظراته ما ذكره الشيخ محمد تقي المجلسي في شرح من لا يحضره الفقيه في قصة خلاصتها: إن السلطان الجايتو المغولي (وهو حفيد هولاكو) غضب على إحدى زوجاته فطلقها ثلاثاً ثم ندم، فسأل العلماء، فقالوا: لابد من المحلل!!
فقال: لكم في كل مسألة أقوال، فهل يوجد هنا اختلاف؟ قالوا: لا.

فقال أحد وزرائه: في الحلة عالم يفتي ببطلان هذا الطلاق، فاعترض علماء العامة، إلا أن الملك قال: أمهلوا حتى يحضر ونرى كلامه، فأحضره، فما كان من العلامة أن دخل وقد أخذ نعليه بيده وجلس، فسئل عن ذلك، فقال: خفت أن يسرقه بعض أهل المذاهب كما سرقوا نعل رسول الله(صلى الله عليه وآله).

فقالوا معترضين: إن أهل المذاهب لم يكونوا في عهد رسول الله، بل ولدوا بعد المائة من وفاته فما فوق، فقال العلامة الحلي للملك: قد سمعت اعترافهم هذا، فمن أين حصروا الاجتهاد فيهم، ولم يجوزوا الأخذ من غيرهم، ولو فرض إنه أعلم؟!.
سأل الملك: ألم يكن واحد من أصحاب المذاهب في زمن النبي(صلى الله عليه وآله)؟ ولا في زمن الصحابة؟ قالوا: لا.

فقال العلامة: ونحن نأخذ مذهبنا عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وهو نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأخوه وابن عمه ووصيه، ونأخذ عن أولاده(عليهم السلام) من بعده، فسأله الملك عن الطلاق بالثلاث، فأجابه العلامة: باطل لعدم وجود الشهود العدول.

وجرى البحث بينه وبين علماء العامة، حتى ألزمهم الحجة جميعاً، فتشيع الملك وخطب بأسماء الأئمة الاثني عشر في جميع بلاده، وأمر فضربت السكة بأسمائهم(عليهم السلام) وأمر بكتابتها على جدران المساجد والمشاهد(5).
قال الشيخ آغابزرك الطهراني: (وفي عصر العلامة الحلي استبصر السلطان خدابنده وتشيع وضرب النقود باسم
الأئمة(عليهم السلام) عام 708هـ)(6).

وقد ذكر ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) وهو من علماء العامة أن العلامة (كان رأس الشيعة بالحلة واشتهرت تصانيفه وتخرج به جماعة، وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه، وصنف في فقه الإمامية وكان قيماً بذلك داعية إليه، وله كتاب في الإمامة رد عليه فيه ابن تيمية بالكتاب المشهور المسمى بـ(الرد على الروافض) وقد أطنب فيه وأسهب وأجاد في الرد إلا أنه تحامل في مواضع عديدة… وإياه عنى الشيخ تقي الدين السبكي ـ وهو سني أيضاً ـ بقوله:
وابن المطهر لم تطهر خلائقه
داع إلى الرفض غال في تعصبه
ولابن تيــمية رد علــــيه بــه
أجاد في الرد واستيفاء أضر به(7)

وكل ذلك حسداً منهم للعلامة الحلي، وكان ابن تيمية يلقبه بـ(ابن المنجس) بدلاً من (ابن المطهر) نكاية وحقداً، وهو إنما ألف كتابه الشهير (منهاج الفقه) رداً على كتاب العلامة (منهاج الكرامة في الإمامة).
وحكى المولى محمد أمين الاستربادي عن بعض العامة أنه طعن على الشيعة بأن العلامة الذي هو أفضل علمائكم قد رآه ولده بعد موته في المنام، فقال لولده: لولا كتاب الألفين وزيارة الحسين(عليه السلام)، لأهلكتني الفتاوى، فعلم إن مذهبكم باطل.

قال: إنه أجابه بعض الفضلاء: بأن المنام لنا لا علينا، فإن كتاب الألفين يشتمل على ألف دليل لإثبات مذهبنا وألف دليل لإبطال مذهب غيرنا(8).
ولذلك فقد وصفه الملا عبد الله الاصفهاني الأفندي(رحمه الله) بأنه (آية في الله لأهل الأرض وله حقوق عظيمة على زمرة الإمامية والطائفة الحقة الشيعة الاثني عشرية لساناً وبياناً تدريساً وتأليفاً)(9).

مشائخه في القراءة والرواية
قرأ العلامة على جمع من علماء الفريقين مختلف العلوم وأجيز منهم:
1ـ والده.
2ـ خاله المحقق الحلي جعفر بن سعيد.
3ـ السيد أحمد بن طاووس.
4ـ السيد علي بن طاووس.
5ـ نصير الدين الطوسي محمد بن محمد بن الحسن.
6ـ محمد ابن جهيم الحلي.
7ـ ميثم بن علي البحراني صاحب كتاب (شرح نهج البلاغة).
8ـ الحسين بن علي البحراني.
9ـ يحيى بن سعيد الحلي صاحب كتاب (الجامع في الشرايع).
10ـ السيد عبد الحميد بن فخار الموسوي الحائري.
11ـ بهاء الدين الأربلي علي بن عيسى صاحب كتاب (كشف الغمة).
12ـ الحسين بن إياز النحوي.
13ـ شمس الدين الكيشي محمد بن محمد.
14ـ علي بن عمر الكاتبي الشهير بـ(دبيران).
15ـ برهان الدين النسفي محمد بن محمد.
16ـ عز الدين الفاروثي أحمد بن إبراهيم.
17ـ عبد الله بن جعفر ابن الصباغ الحنفي الكوفي.

تلاميذه في القراءة والرواية
تلمذ عليه وروى عنه جماعة كثيرة جداً، نذكر منهم:
1ـ ولده فخر المحققين محمد بن الحسن.
2ـ ابن أخته عميد الدين عبد المطلب الأعرجي.
3ـ ابن أخته ضياء الدين عبد الله الأعرجي.
4ـ محمد بن علي الجرجاني صاحب كتاب (غاية البادي في شرح المبادي) لأستاذه.
5ـ علي بن طراد المطر آبادي الحلي.
6ـ علي بن أحمد المزيدي الحلي.
7ـ محمد بن معية الحسني الحلي.
8ـ قطب الدين الرازي محمد بن محمد صاحب كتاب (شرح الشمسية في المنطق).
9ـ محمد بن محفوظ الحلي.
10ـ محمد بن أبي الرضا العلوي الحلي.
11ـ الحسن بن داود الحلي صاحب كتاب (رجال ابن داود)(10).

مؤلفــاته
ألف العلامة في مختلف العلوم الشرعية، وقد طبع قسم من تراثه وبقي القسم الأعظم بين مفقود ومجهول، ومما طبع منها:
1ـ منتهى المطلب في تحقيق المذهب (في الفقه).
2ـ تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية.
3ـ مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (فقه مقارن).
4ـ تبصرة المتعلمين في أحكام الدين.
5ـ تذكرة الفقهاء في الفقه، وهو كتاب ضخم.
6ـ إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان في الفقه.
7ـ قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام.
8ـ تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول.
9ـ مبادئ الوصول إلى علم الأصول.
10ـ نهج المسترشدين في أصول الدين.
11ـ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد.
12ـ الأسرار الخفية في العلوم العقلية.
13ـ كشف الحق ونهج الصدق في الإمامة.
14ـ تحصيل السداد في شرح واجب الاعتقاد.
15ـ منهاج الكرامة في إثبات الإمامة.
16ـ الألفين الفارق بين الصدق والمين في الإمامة.
17ـ الرسالة السعدية.
18ـ الباب الحادي عشر في العقائد، عليه شروح كثيرة جداً.
19ـ استقصاء النظر في القضاء والقدر.
20ـ خلاصة الأقوال في علم الرجال.
21ـ إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة.
22ـ كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين.
23ـ الإجازة الكبيرة التي حققها الأستاذ كاظم الفتلاوي.

وفــاته
توفي العلامة الحلي رحمه الله بعد جهاد طويل في خدمة الإسلام والمسلمين في مدينة الحلة ليلة السبت 21 محرم الحرام سنة 726هـ، ونقل إلى النجف الأشرف فدفن في الحضرة العلوية الشريفة تحت المنارة الشمالية على يمين الداخل من الباب الصغير إلى الرواق، وقبره ظاهر يزار اليوم.

نشرت في العدد المزدوج 30-29


(1) انظر: في ترجمته: لؤلؤة البحرين، 21، أمل الآمل، 2/81، نقد الرجال، 2/69، طبقات أعلام الشيعة، 2/52، رجال بحر العلوم، 2/257، لسان الميزان، 2/317، روضات الجنات، 2/269، أعيان الشيعة، 24/277، الدرر الكامنة، 2/188 مع مقدمات كتبه المطبوعة.
(2) ظ: محمد أمين نجف، علماء في رضوان الله، ص83.
(3) رجال السيد بحر العلوم، 2/257.
(4) أمل الآمل، 2/81.
(5) المجلسي، روضة المتقين، 1/222.
(6) الذريعة، 3/105.
(7) ابن حجر، الدرر الكامنة في أحوال أعلام المائة الكامنة، ص125.
(8) الفوائد المدنية، ص241.
(9) رياض العلماء وحياض الفضلاء، 1/359.
(10) ظ: الإجازة الكبيرة للعلامة، تحقيق: الأستاذ كاظم عبود الفتلاوي (عافاه الله تعالى).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.