Take a fresh look at your lifestyle.

بحث في رؤية الله تعالى

0 207

الشهيد السيد عز الدين بحر العلوم

 

                  لقد قدم للمكتبة الإسلامية عدم من مفكرينا نتاجاً فكرياً ضخماً تنوعت طروحاته، وهذا التنوع إنما يدل على سعة الاطلاع والتبحر في العلم والمعرفة، وقد برز منهم الشهيد السيد عز الدين بحر العلوم المعروف برصانة قلمه، وحصافة فكره، وقد ترك لنا بين نتاجاته مقالات وبحوث لم يقدر لها أن ترى النور.. لذا ارتأت المجلة نشر ما يلائم منها متطلبات المرحلة الآنية ونحن في خضم الصراع الفكري تقديراً منّا لدور مفكرينا العظام.

إطلالة مقتضبة على سيرة السيد بحر العلوم
هو عز الدين بن علي بن هادي بن علي نقي آل بحر العلوم الطباطبائي.
ولد في النجف عام 1352هـ / 1932م في عائلة علمائية أخذت طريقها للعلم كابر عن كابر، وكان لأبيه السيد علي الدور الأكبر في رعايته.

تدرج في دراسته الحوزوية وكان آية الله الشيخ حسين الحلي معلمه الأول، ثم حضر دروس المراجع الكبار كفقيه العصر السيد محسن الحكيم وزعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الخوئي حتى عدّ من خاصّة الأخير.. تميز بذهنية عالية وفكر متنور.
أهم مؤلفاته: الزواج في القرآن والسنة، الطلاق أبغض الحلال إلى الله، اليتيم في القرآن والسنة، أضواء على دعاء كميل، وأضواء على دعاء الصباح.. إضافة إلى عدد هائل من المحاضرات والبحوث.

اعتقل بعد إجهاض الانتفاضة الشعبانية سنة 1991م من قبل السلطات البعثية مع كوكبة من أسرته وأقاربه، وبعد سقوط النظام تبين استشهادهم جميعاً.

 

من جملة ما تعرض إليه الأستاذ محب الدين الخطيب في خطوطه العريضة هو البحث في رؤية الله فنقل على عادته رأي أهل السنة في ذلك فقال:
ممكنة في الآخرة فقط لقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) ثم عقب ذلك بنقل رأي الشيعة في ذلك فقال:
غير ممكنة لا في الدنيا ولا في الآخرة الخطوط العريضة ص53.

وحيث ذكر الباحث الدليل الذي اعتمد عليه أهل السنة في إمكان رؤية الله في الآخرة فقط وهو الآية الكريمة فلابدّ لنا من الانتقال إلى رحابها لنرى ما يقوله المفسرون فيها ثم الحكم بعد ذلك وعلى ضوء ما نتوصل إليه من الإمكان أو الاستحالة.

الآية الكريمة جاءت في سورة القيامة لتصور لنا وما بعدها من آيتين مشهداً من مشاهد القيامة فتعطينا صورة حية عن ذلك اليوم الرهيب حيث يقف الإنسان والدهشة تأخذ عليه مسالك التفكير ليرى نتيجة ما عمله في دنياه ليُحاسب على ما فعل وما قدم وما أخر وهو (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) سورة يس: 34ـ37.

في هذا اليوم العصيب تستعرض الآيات الكريمة بني الإنسان لتقسمهم إلى قسمين:
فالبعض منهم يجنى ثمرة إيمانه بربه والخضوع لما أمر به ونهى عنه وإذا بهؤلاء (وجوه يومئذٍ ناضرة) حسنة فما حكم مستبشرة بوعد الله الكريم (إلى ربها ناظرة).

أما البعض الآخر فقد خسر في دنياه وآخرته فلم يخضع ولم يكن للإيمان إلى قلبه سبيل وإذا بهم (ووجوه يومئذٍ باسرة تظن ان يفعل بها فاقرة).
ويتفق هذا البعض بوجوهٍ عابسة مكفهرة لا تدري ما اخفي لهم في ذلك اليوم من داهية وبلاء.

ومقاطع هذه الآيات الكريمة لم يحصل الاختلاف فيها من قبل المفسرين الاّ في المراد من قوله تعالى (إلى ربها ناظرة).

فقيل في ذلك وجوه وبالامكان ارجاع تلك الوجوه إلى قولين رئيسين:
أحدهما – أن النظر هنا بمعنى الرؤية والمشاهدة بالعين المجردة ويكون تفسير هذه الآية المباركة أن تلك الوجوه الحسنة الناعمة تنظر إلى ربها تشاهد جلاله وتتطلع إليه.

ثانيهما – ان النظر هنا بمعنى الانتظار فهي وجوه حسنة تنتظر من الله الثواب او الرزق او الفضل او ما اوعدها عليه في الدنيا في الجزاء ونظير ذلك ما جاء في قوله تعالى:
(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) والمراد اني منتظرة جواب رسالتي وفي الشعر العربي جاء ذلك حيث يقول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظراتُ
إلى الرحمن تنتظر الفلاحا
وطبيعي أن الشيعة ذهبوا إلى القول الثاني ليفسروا الآية بمعنى الانتظار على العكس مما يقول به غيرهم من القول الأول وهو كون النظر فيها بمعنى الرؤية وبعد هذا العرض نقول.

ومع الأستاذ في عبارته:
أولاً: أن ما ذهب إليه الشيعة من اعتبار النظر في الآية بمعنى الرؤية لم يختصوا به بل وافقهم عليه جمع من المفسرين فليس هو من مبتدعات الشيعة وخرافاتها ليكون هذا القول تشنيعاً عليهم.

وثانياً: أن على الجانب الشيعي أن يفند القول بإمكان النظر إلى الخالق بمعنى الرؤية كما يدعيه الطرف الآخر ليسلم له مدعاه من القول بان أولئك البعض منتظرون لرحمة ربهم لا أنهم يرونه مشاهدة.

وفي هذا الحال يدعي القائل بالإحالة للرؤية بانا لو اجزنا للبشر أن ينظر بهذه الحاسة البصرية إلى خالقه فلماذا نقتصر على هذه الناحية في الآخرة وليكن ذلك أيضاً في الدنيا ولماذا تقوى حاسة البصر بعد الموت وفي يوم القيامة فتنظر إلى ما كانت محرومة عن رؤيته في الدنيا؟

وثالثاً: ان الكتاب الكريم نفسه حدث عن هذه الظاهرة فمنعها في سورة الأنعام: 103 حيث قال: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) والآية صريحة في انه يرى البشر بينما هم لا يرونه.
وقد يقال: بأن الإدراك ليس بمعنى الرؤية بل الوصول ويكون التقدير عدم الوصول إلى فهم حقيقته وكنه ذاته.

ويكون الجواب: إن الإدراك حيث يضاف إلى الحواس فيفهم منه كل ما لتلك الحاسة من عمل فإذا أضيف إلى العين علمنا منه الرؤية وإذا أضيف إلى السمع حيث يقال أدركته باذني يفهم منه السماع وإذا قيل ادركته بفمي أي وجدت رائحته.
وعليه فالآيتان متعارضتان لو قلنا إن النظر بمعنى الرؤية فكيف ينفي الله ما أثبته لنفسه.

والجمع بين الآيتين يكون بحمل النظر في الآية على الانتظار وبحمل الإدراك على الرؤية.
ورابعاً: ان النظر بمعنى الرؤية له تعالى مستحيل ويستند القائل بالإحالة لإثبات مدعاه إلى القول:
بأن النظر إلى شيء تحديد له في المنطقة وهذا يستلزم حصره تعالى في مكان خاص وهو محال لأن المكانية يحتاج إليها الجسم وهو تعالى منزه عن الجسمانية.

على أن التحديد المذكور بالمكانية يستلزم خلوه عن الأماكن الأخرى وهذا مستحيل لأنه في كل مكان ويشير إلى هذا المعنى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة حيث يقول:
(وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة.

فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ومن جهله فقد أشار إليه ومن أشار إليه فقد حده ومن حده فقد عده).
ويعلق الشيخ محمد عبده على الفقرة الأخيرة قائلاً:

إنما تشير إلى شيء إذ كان ذلك في جهة فأنت تتوجه إليها بإشارتك وما كان في جهة فهو منقطع عن غيرها فيكون محدوداً أي له طرف ينتهي إليه فمن أشار إليه فقد حده ومن حد فقد عد أي أحصى وأحاط بذلك المحدود لأن الحد حاصر لمحدوده.
ويعلق ابن أبي الحديد على هذه الفقرة قائلاً: (ومن حده فقد عده) وهذا لأن كل مشار إليه فهو محدود لأن المشار إليه لابدّ أن يكون في جهة مخصوصة وكل ما هو في جهة مخصوصة فله حد وحدود أي أقطار وأطراف.

وتعالى الله عن التحديد لأن المحدودية من لوازم الجسم كما بيناه.
وبعد هذه الجولة يتضح لنا ان النظر في الآية الكريمة ليس هو الرؤية خصوصاً إذا لاحظنا التنسيق بين الموقفين موقف هؤلاء بوجوههم الناعمة ومن يقابلهم بوجوههم المكفهرة وكل ينتظر جزاءه ويأتي مثل هذا المنظر في سورة أخرى من القرآن حيث يقول تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) سورة عبس: 38ـ42.

ان الكتاب الكريم يريد بتكرار هذه الصورة عرض حالتين ومشهدين في احدهما يعلو الرضا والاستبشار على الوجوه وفي الآخر تعلو الكآبة والعبوس وكل من الطرفين ينتظر جزاءه في ذلك اليوم.

يقول بعض المفسرين في ختام حديثه عن قوله تعالى (إلى ربها ناظرة)، إذن فقد كان جدلاً ضائعاً، ذلك الجدل الطويل المديد الذي شغل به المعتزلة أنفسهم ومعارضيهم من أهل السنة والمتكلمين حول حقيقة النظر والرؤية في مثل ذلك المقام.

لقد كانوا يقيسون بمقاييس الأرض ويتحدثون عن الإنسان المثقل بمقررات العقل في الأرض ويتصورون المدارك المحدودة المجال إلى قوله فلنتطلع إلى فيض السعادة الغامر الهادئ وفيض الفرح المقدس الطهور الذي ينطلق من مجرد تصورنا لحقيقة الموقف على قدر ما نملك وليشغل أرواحنا بالتطلع إلى هذا الفيض فهذا التطلع ذاته نعمة لا تفوقها الاّ نعمة النظر إلى وجهه الكريم) في ظلال القرآن في تفسير الآية.

وختاماً فما يذهب إليه الشيعة من احالة رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة مبتنى على أسس علمية وليس من نسيج الخيال والخرافة قواعد تبتنى على إجلاله وتعظيمه وتنزيهه عن الصفات التي تختص بمخلوقاته.
ولك أن تحكم أيها القارئ بعد هذا العرض أن الشيعة مخطئون أو مصيبون فيما
ذهبوا إليه في معتقدهم المذكور
12 جمادى الآخرة 1393

نشرت في العدد 19

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.