Take a fresh look at your lifestyle.

العمود.. في العمارة الإسلامية رافع هامة البناء وشاخص الحكمة في حيثياته

0 995
         

                                                                                                                                              د.علي ثويني

   

              رفع العمود هامة المعبد والبيت والخيمة وأصبح عنصر أساسي في العمارة وأقترن بإعجاز الخالق في رفع السماء دونه ، وأكتسب إيحاءات في السند والاعتماد، وكنّي به المعتمد والعمدة والعميد ورمزت هيئته الصرحية بالطغيان والفراعين و تواجد في أعمدة الشعر و تسلل إلى أهازيج الشكوى واللوعة، أو أنتحب عن ألم أو امتثل لسطوة الموت أو أنشرح متألقا، أو متناغما على إيقاع الكفوف والطبول ابتهاجا. وأنتقل إلى الحداثة الشعرية، حيث يستلقي خلال القصيدة العمودية متثائبا بين السطور أو ممزقا أسفل الكلمات.

والعمود في العمارة أحد العناصر الراسية لذروة البناء كما (العمود الفقري) لرأس المخلوقات و فلسفيا يمكن تخيله نحت سلبي من الكتلة الصماء للبناء، أو بقية باقية من الأجزاء المتضامة له، بما يضمن هندسيا رفع السقف وترك فراغات المعيشة، وهو الغاية المعمارية والمراد.
وكلمة (عمود) قديمة في لغات الشرق القديم ، حيث ترد في اللغة الأكدية (العراقية العتيقه) بصيغة (عميدو Emedu) ومنها اشتقت (عمدو)، ونجدها في الآرامية في الشام والعراق بصيغة (عموّدا Emmuda) وفي الفينيقية (عمد) والعربي الجنوبي (اليمن) بصيغة (عِمد). بالعربية بصيغ متعددة منها (العمود Column) ومجموعها (عمد) الواردة في الذكر الحكيم في سورة الهمزة (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)، ويرد (أعمدة) أو حتى (عمدان). ثم بصيغة (سارية ومجموعها سواري)، أو(وتد وأوتاد) أو (سطن ومجموعها أساطين)، أو (دعامة ومجموعها دعائم)، أو (بدنة) أو (دعامة) وثمة تسمية (شاخص Astragal) وتعني العمود الطويل الأملس، وفي لبنان يصطلح عليه (شمعة)، و في العراق يرد بصيغة (دلك)، وكذلك(دنكه ومجموعها دلكات أو دنك) و يقول عنها (الشيخ جلال الحنفي البغدادي) في موسوعة الألفاظ البغدادية أنها من مصدر فارسي، وتخص تحديدا البوائك (أعمدة الرواق) التي تحيط بفناء الدار (وتسمى بيجه).وترد في العمارة الإسلامية بالهند بصيغة (ركن Rukn) أو (سطون (Sutun. ويرد (العمود الماردي) الذي يرتفع لأكثر من طابق بواجهات المبنى (double volum)، وثمة عمود (مدغم (Colossal order وهو عمود ملتصق مستدير القطاع يزين أحيانا أركان الدعائم التي تحمل الأسقف ويكون ملتصقا بها.‏وهناك تسميات ترد من وحي العمود مثل (بهو الأعمدة‏ Peristyle أو Hypostyle)، ويعني المبنى الذي يستقر سقفه على أعمدة أو الفناء الذي تدور من حوله البوائك المحمولة على أعمدة‏.
والعمود في العمارة عنصر إنشائي (شاقولي vertical) أو عنصر قائم، داعم لسقف أو جدار أو أسكفه – عتبه أو عقد، ويراد منه نقل أحمال العناصر الأفقية في التسقيف بحسب الحلول العمارية إلى القواعد والأساسات التي تنقلها للأرض. وهكذا فهو وسيلة نقل العزوم الواردة من عناصر الهيكل الأفقية. والقصد منه الاستفادة من المساحات الحرة التي توظف كفضاءات عمارية. وبسبب اضطلاع العمود بمهمة حمل السقوف، ما ولد هاجس الخشية من الانهيار، وكان قد أرّق البنائين وحفز لديهم جذوة الابتكار. وكان ذلك سببا كافيا بجعل المصريين الأوائل يقاربون بين أعمدة معابدهم تحاشيا لعدم تحمل الجسور بين فواصل البحور، كما في معبد الكرنك. وبالنتيجة قضمت ضخامة الأعمدة وإشغالها الحيز فسحة الفضاء المتاح للوظيفة.
جسد العمود خامات متعددة، بحسب وفرتها في البيئات الطبيعية، فجاءت من خامات القصب والخشب وجذوع النخيل والآجر والحجر وأمست في الأزمنة المتأخرة من الحديد والمعادن أو من الخرسانة المسلحة التي شاعت ولا من منافس اليوم. وتعدى العمود الهيئة البنيوية الى الجمالية، كما هو ديدن الإبداع البشري حينما يرتقي بالوظيفة الى الجمال، وعولج برهافة وذوق وضبطت نسبه، ومورست في كنفه بعض الخدع البصرية، كما عمد اليونان، حينما أكسبوه إنتفاخا في وسطه كي يبدوا سويا عدلا، وليس منبعجا، وقد ذكر الأمر فيتروفيوس الروماني(80-15 ق.م) في رسائله العمارية العشر. ومن الجدير ذكره أن هذا المبدأ في الخدع البصري لعناصر البناء قد ورد أصلا من العمارة العراقية الأولى، وجسد أقدمه في المعبد الابيض في (تل خفاجي-منطقة ديالى)، شمال شرق بغداد، الذي يعود إلى نهايات الألف الثالثة قبل الميلاد.

 

 الأعمدة في تاريخ العمارة

 

تعددت أشكال الأعمدة بتعدد الطرز والعهود التاريخية، واختلفت طرزه باختلاف الأقطار ثم الثقافات و الديانات والمعتقدات، لكن من الثابت أنها بقيت أمينة للتأثيرات الأولى المحاكية للأشكال الطبيعية، ولاسيما في حبكة العناصر الزخرفية والتيجان المميزة للطرز في المدارس العمارية. ونرصد أقدم تداول للأعمدة يرد في العمارتين العراقية ثم المصرية، وقد كان للعمود السومري المتكون من حزمة القصب تاثير لاحق متسلسل حتى على العمارة اليونانية، حيث يورد بعض منظري العمارة بأن السواقي الطولانية أو الأخاديد المقناة في الجذع Fluted، وكذلك حلية الخلخال الناتئ المطوق للعمود أفقيا، ماهي إلا فذلكة جمالية وردت من محاكاة للأصل القصبي للعمود (تدعى الشبه في الهور العراقي)، حينما تظهر على ظاهر العمود، والتي عادة ما تطوق بعقال ماسك من القصب او البردي و شكل بذلك الإيحاء الأول لهيئة الخلخال في العمود.
وتصاعد التداول في العمارتين السومرية والأكدية وصنعت من خامة الطوب أو الآجر، بهيئات مربعة أو دائرية، تحبك قطعها بعناية هندسية، ونجد خير الأمثلة لها في العمود الموجود في القاعة العراقية في متحف اللوفر المتكون من أربعة أعمدة آجرية ضخمة، تتشكل من أربعة أسطوانات دائرية متماسة تحصر بينها حشوة بهيئة نجمة مربعة. ومن اللافت للنظر أن تلك الحشوة بنيت بالآجر تكامليا مع حبكة الآجر المشكّل لأبدان الأعمدة. ونذهب الى أن تلك الأشكال الأولى للأعمدة قد أنتقلت الى عمارات الدنيا، وتأكد ريادتها بعد أن كشفته معاول الحفريات في القرنين الأخيرين، ووجدنا إقتباساتها المتأخرة حتى في ألأعمدة المحيطة بأحواش(أتريوم) بيوت مدينة بومبي الرومانية التي دفنهتها حمم البركان و كانت من آجر مشكل بطريقة مدورة جاءتها مع (الأتروسكيين) في القرن التاسع قبل الميلاد، حينما رحلوا إليها من شواطئ الشام مترعين بأرث سومر.
إن أعمدة القصب عند العراقيين القدماء مكثت حتى اليوم عند سكان الأهوار في الجنوب العراقي (الشروقيون)، وبنيت عششهم (صرائفهم) بأعمدة قصبية معصوبة، تربط في سامقها وفيما بينها بجسور القصب (هطر) لكي تمنع حركتها الأفقية ثم تغطى بطبقات من الحصر العازل (البواري) المصنوعة من ظفر القصب المشظى. وجدير بمقارنة تلك الهيئة الإنشائية مع الهياكل الحديدية الحديثة المجسدة في مبنى (رواق المكائن Galarie de machine) المقام في باريس عام 1888، حينما ربطت الأعمدة الحديدية في نهاياتها السائبة بشكل (مفصل articulate) ووطأ متسع بحورها حوالي 100متر.
لكن العمارة المصرية تمكث رائدة وسائدة في تداول الأعمدة ضمن سياق وفرة خامة الحجر في الطبيعة، ويمكن أن تكون قد سبقتها خامات نباتية بقيت أشكالها في المنحوتات الحجرية في التيجان أو أطناف المباني، تحاكي جريد النخيل أو زهرة اللوتس أو زينة (خكر) التي هي عبارة عن رؤوس جذوع البردي التي كانت تربطها عصابات من أعلاها وأسفلها.وكانت توضع الأعمدة في صفوف داخل البيوت الكبيرة والمتوسطة، وقد وردت في بعض الرسوم التمثيلية، كما في رسوم تل العمارنه.والمسلات لدى المصريين هي نوع من الأعمدة الرمزية التي لاتوظف في البناء. وقد وردت بعض الأعمدة المصرية تخليدا لآلهتهم أو ملوكهم أو فرسانهم كالعمود الأوزوريسي والعمود ذو الفارس المعروف بالأطلنطي والعمود الهاتوري وغيرها.وقد قلد الرومان المسلات النصبية كما هو عمود تراجان الذي اشاده المعمار الشامي أبولودور الدمشقي (125-60 ق.م) في وسط ميدان (الفوروم) الرومي ولاقحها مع الملاحم الناتئة المنحوتة القادمة من العمارة الآشورية.
وفي السياق الإقتباسي فقد نحت الفرس الأخمينيون تيجان أعمدتهم على شكل ثورين، متأثرين بحظوة الثور الواردة من العمارة الآشورية كما في آثار برسيبوليس. وتدلول الأغريق الأعمدة ولعبت أدوار إنشائية و جمالية وحتى رمزية وكانت الحكمة لديهم ترفع على سبعة اعمدة. وبالرغم من إقتباس اليونان للأعمدة من مصادرها الشرقية لكنها نسبت لهم جزافا وأمسى (الترتيت المعماري architectural order) مقترنا بعمائرهم مع أن الحفريات كشفت ما يدحض ذلك ويعودها الى فينيقيا ومصر. وأمست أنواع الأعمدة اليونانية معيارا لما في الدنيا مع أنها مقتبسة من مصادر شرقية، وبذلك صارت أبدانها وتيجانها وقواعدها تميز الطرز ومرجعيتها. وبذلك فأن طرز الأعمدة اليونانية التي تلقن اليوم لدارسي تاريخ العمارة والفنون، و هي على ثلاث أنواع: 

 

1 – الطراز الدوري Doric، وظهر في سواحل البيلوبونيز وإيطاليا وصقلية، و لم ينسب إلى الأم الدورية، ونشأ منه نوعان : الدوري الإغريقي، والدوري الروماني.

2 – الطراز اليوني Ionic ويعتقد بأن جذوره تعود إلى أصول رافديه وحيثية و ظهر في العمارة الكنعانية الفينيقية وتوجد أمثله له في الأطلال الفينيقية بما يدعى (السابق للايوني (Preionic ثم تسنى له الانتقال الى اليونان عن طريق آسيا الصغرى وانتشر بها أواسط القرن السادس قبل الميلاد، ثم الى سواحل بحر إيجة وبعض الأراضي الشرقية التي كانت تحت حكم اليونان.
3 – الطراز الكورنثي Corinthian، وورد من أصول العمارة المصرية ثم انتقل الى الإغريق ونشأ في مدينه أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، واشتقت تسميته من مدينة كورنث اليونانية، وطوره الرومان في حقبة لاحقة. ويتشكل تاجه من نسقين من أوراق نبات الأقنثا. وظهر من هذا الطراز نوعان: الكورنثي الإغريقي، و الكورنثي الروماني.
واستعمل الرومان في عمارتهم نفس طرز الأعمدة الإغريقية الدوري والايوني و الكورنثي، وأدخلوا عليها بعض التعديلات، كما الدوري الروماني و الكورنثي الروماني، وفي بعض الأحيان كانوا يدمجون الطرز الثلاثة في عمود واحد. وكان للنهج الكورنثي النصيب الأكبر في الانتشار والشيوع أكثر من غيره، الذي نجد أقدمه في آثار تدمرالسورية، وفي بدايات هذا العهد نشأ منه نوع مطور نشاهده في أطلال مدينة أفاميا حيث يأخذ بدن العمود شكلا حلزونيا مع بقاء التاج كورنثي الطراز. وظهر كذلك في هذا العهد طرازان جديدان هما :
1- الطراز التو سكاني Tuscan إنتسابا الى منطفة توسكانيا الإيطالية وهو طراز دوري روماني دون زخارف.
2- الطراز المركب Composite نموذج طوره الرومان في حقبة متأخرة، ويتألف تاجه في نصفه العلوي من الزخرفة الأيونية، و نصفه السفلي من الكورنثية.
وغالبية هذه الأعمدة مقناة الجذع Fluted (تزخرف جذعها الأقنية الطولانية) أو ملساء. كما ظهرت أشكال جديدة من الأعمدة الحلزونية أو الأعمدة المنفتلة نشاهدها في خرائب مدينة أفاميا قرب حماة السورية. وهناك أيضا (العمود الحلقي Torus) جذعه مزخرف بحلقات فوق بعضها البعض، و(العمود المندمج Engaged) وهو عمود كامل الاستدارة أو نصف مستدير ملتصق بالجدار أو بعنصر عماري اخر. كما وضع الباحثون تسميات لكل جزء من أجزاء العمود، تختلف وتتوافق باختلاف طرزه.فمثلا (المحمول – الطبان Entablature) هو القسم العلوي المحمول على العمود و يتالف من الجبهة والطنف والإفريز و الساكف (الاسكفة). أما الإفريز فهو كلمة فارسية، تعني الشريط الزخرفي بين الساكف والطنف. و(الجائز أو ساكف العمود architrave) هو الجزء الذي يستند عليه الإفريز و الطنف.أما الوطيدة أو الوزرة، فهي قاعدة مربعة Plinth، وهي جزئية في أسفل العمود. وثمة وسادة حجرية abacus تقع بين تاج العمود والساكف، ملساء أو منقوشة.

 

تيجان الأعمدة

يعد تاج العمود Capital من عناصره التكوينية وهو رأسه أو ما يتوج أعلاه، وهو يشكل الحالة الإنتقالية من العمود الى الطاق أو الجسر الذي يعلوه. والتاج إما بسيط أو مزخرف، وتختلف زخارفه باختلاف الطابع الفني لكل مدرسة عمارية. وبالرغم من ذلك فلم تنتقل تلك الطرز بحذافيرها في فنون نفس الإقليم. فلدينا مثلا تيجان الأعمدة الفرعونية المستوحية نباتات وأزهار وادي النيل لم تنتقل الى تيجان الأعمدة في مصر الإسلامية. والحال نفسه لدى الفرس الأخمينيون الذين نحتوا تيجان أعمدتهم على شبه ثورين، ولم تعمم في التيجان الإسلامية. وعلى العموم يمكن رصد أهم تسميات التيجان الواردة من اليونان :
1 – التاج الدوري Doric ونشأ منه تيجان : الدوري الإغريقي، والدوري الروماني، وهما طرازان بسيطان إذا ما قورنا بالتيجان الكورنثية أو الايونية.
2 – التاج اليوني Ionic مزخرف بشكل حلزوني.
3 – التاج الكورنثي Corinthian يتشكل تاجه من نسقين من أوراق نبات الأقنثا Acanthus. وهو الأكثر شيوعا، وظهر منه الكورنثي الإغريقي أو الروماني. واستعمل الرومان في عمارتهم نفس طرز التيجان الإغريقية : الدوري والايوني و الكورنثي، و أدخلوا عليها بعض التعديلات أو يدمجوا الطرز الثلاثة في تاج واحد.والكورنثي الأكثرإنتشارا من غيره، و نشاهده في أطلال مدينة أفاميا. كذلك ظهر طرازان جديدان هما:
التوسكاني Tuscan وهو طراز دوري روماني تاجه بسيط غير مزخرف، وقد عم في عمارة المغرب العربي إبان حروب (الإسترداد) في القرون الوسطى، ونقلها أسرى الحروب من الأوربيين الى تلك الديار.
المركب Composite نموذج طوره الرومان في حقبة متأخرة، ويتألف تاجه في نصفه العلوي من الزخرفة اليونية، ونصفه السفلي من الكورنثية.

 

العمود في العمارة الإسلامية

يكتسي العمود في النصوص القرآنية رمزية رفع قبة السماء كما في سورة لقمان (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) أو يوحي بتاريخ بائد كما في سورة الفجر (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ)، ومازال موقع وصفة تلك الأعمدة يؤرق المحللين والدارسين، وتذهب البحوث الحديثة الى أنها حاضرة تقع في الربع الخالي كشف عنها مسبار هافل، ويحتمل أنها تكون أصل حضارة آرام التي عمت جنوب الجزيرة والخليج والعراق والشام. ويرمز العمود كذلك للبذخ والطغيان مثل ما ورد في سورة ص (وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ). و البذخ على الأعمدة كان مدعاة فخر وخيلاء الخاصة، فها هو عبيد الله بن زياد يقول للناس بعد اكتمال مسجد الكوفة: (يا أهل الكوفة قد بنيت لكم مسجداً لم يبن على وجه الأرض مثله وقد أنفقت على كل أسطوان سبع عشرة مائة ولا يهدمه إلا باغ أو جاحد).
لقد استعمل المسلمون في بواكير عمائرهم أعمدة المباني الدارسة، ولاسيما في مدارس البحر المتوسط العمارية كالشام ومصر والمغرب والأندلس حيث توفر الكثير من العمائر الحجرية من الحقب السالفة. ولم يهم البنائون كثيرا إشكال عدم التجانس في الشكل أو الطول، بقدر ما يوفره العمود وتاجه من وظيفة في رفع السقوف. ويرد في التراث ذكر المسعودي في مروج الذهب 🙁 بأن جيرون بن سعد بن عاد حل بدمشق فمصرها، وجمع عمد الرخام والمرمر إليها، وشيد بنيانها). وأستعمل المسلمون التيجان المنزوعة من العمائر العتيقة الدارسة والتي تشكل اليوم جزء من طرز عمارة المساجد الأولى كما الاموي في دمشق وقرطبة والقيروان.وقد وجدنا في أحد مساجد دمياط شمال مصر، وقد وضف تاج قديم كقاعدة لعمود.
لقد ورث المسلمون من الأعراف القديمة نظام (الأكتاف) التي هي حالة بينية بين العمود والحائط الحامل الصفيق. وقد كانت شائعة في العمارة السومرية والبابلية. ونجد أجمل نماذجها في الإسلام موجود في مسجد سامراء الكبير أيام المعتصم عام (221هـ\835م ) وتبعه جامع ابن طولون في مدينة القطايع (257هـ-871م) التي نشأت على تخومها بعد قرن القاهرة الفاطمية.
ولا يفوتنا أن جل مباني مصر، ابتداءً من مسجد ابن طولون حتى المملوكية والعثمانية، كانت قد شيدت من أنقاض مدينة الفسطاط الدارسة. ولم يتسنى للبنائين نقل مداميك الحجر الكبيرة من الجيزة. وفي شمال أفريقيا نجد أن مدن عمرت بالكامل من أنقاض التي سبقتها في الموقع أو على تخومها كما (وليلي) القديمة الواقعة عند أعتاب الرباط و(تمقاد وتيبازة) في وسط الجزائر وبطيوة في مدن مليليه ومستغانم. وبعد ذلك قلعة بني حماد الإسلامية في مدن شرق الجزائر وأنقاض قرطاجة الفينيقية في مدن تونس ومحيطها. و تسنى للترك أن يستعينوا ببقايا العمائر البيزنطية ويعيدوا لها رونقها في مدن آسيا الصغرى والبلقان.
وبالرغم من سهولة عملية نقل الأنقاض من الآثار القديمة فأنها تحتاج الى حيلة ومهارة في إعادة توظيفها. و يذكر الفرنسي كوستاف لوبون بهذا الصدد في (حضارة العرب- عام 1882): (ان اعمدة المعابد القديمة التي اخذها العرب في قرطبة كانت قصيرة وغير صالحة ليقوم عليها سقف عال كسقف الجامع (جامع قرطبة) فوضعوا بعضها فوق بعض ساترين عدم صلاحها بتلك الحنايا الدالة على مهارتهم الفائقة). ونرصد هنا أن القيم الجمالية فى العمارة الإسلامية ليست مطابقة لما هي عليه فى العمائر الأوربية، ولاسيما بما يخص طرز بعينها مثل الرومانسك (الشبيه بالروماني) أوالقوطي أوالباروك الأمر الذى لا يجوز معه تطبيق القواعد الجمالية بما يخص نقل أجزاء الابنية الدارسة.
ولم يستغني المسلمون عن خبرات الحضارات الأقدم، واستقدموا صناع من الأصقاع، بما يدعى (الليثوروجيا).و يذكر المقدسي في أن ملك بيزنطة بعث إلى الوليد بن عبدالملك المغالي في حب البنيان بعدد من المهندسين و(المقدرين) وكذلك المفصصين (عمال الفسيفساء) والذهب. و( إن الوليد جمع لبناء الجامع الاموي حذاق فارس والهند والمغرب والروم، وروى ابن شداد أن الوليد أقتلع من كنيسة أنطاكية عمدا عجيبة من المرمر والرخام لمسجد دمشق حملت في البحر إلى ساحلها). و(أن الوليد بن عبدالملك الأموي أقتلع من كنيسة أنطاكية عمدا عجيبة من المرمر والرخام لمسجد دمشق حملت في البحر إلى ساحلها. وأن بعض الجدران بقيت على حالها من المعبد الصابئي والبيعة النصرانية)، ويقصد بها معبد المشتري ثم كنيسة القديس يوحنا.
ولم نرصد تطور على أشكال الأعمدة وتيجانها في بواكير الممارسات البنائية للمسلمين، فقد استعمل الأمويون ما كان قائما، ونشاهد ذلك في أعمدة الجامع الأموي ذوات المقطع الأسطواني، كما الأعمدة الحاملة لقبة الخزنة في صحنه وبعض أعمدة الأروقة، وكذلك الأعمدة ذات المقطع المربع المزخرفة بالحشوات التوريقية والهندسية، وفي سياق وصف هذا الجامع يقول الاصطخري وكذلك ابن حوقل: (وأساطينه رخاما موشى، و معاقد رؤوس أساطينه ذهبا). ونجد الأمر عينه في مسجد عمر بن العاص في الفسطاط أو مسجد القيروان الجامع، أو حتى الجامع الكبير في قرطبة.
وظهرت أولى الخصوصيات الفنية الإسلامية للأعمدة في العصر الأموي، حيث نجد التاج المنقوش بالخط الكوفي وهذا يبين أن المسلمين قد أخذوا بالأسباب والجوهر و اعتبروا أن عنصر التاج هو محض انتقال مسترسل من دائرة أو مضلع العمود إلى مربع الحائط أو العقد، ويمكن خلق أشكال لانهائية له دون قيود. ولم يحاكوا في تيجان أعمدتهم أشكالاً نمطية أو طرزا بعينها.
ولم تأت الحقبة العباسية بأنواع جديدة في طرز الأعمدة لقلة تداولها عموما في العمارة العراقية التي اعتمدتها مرجعا. وبالرغم من ذلك فقد انتشر استعمال التاج الناقوسي ونجد أمثلته اليوم في تيجان أعمدة رواق جامع أبن طولون. وفي العهد الأيوبي بدأ ظهور التاج المقرنص، وانتشر في العهود اللاحقة. وظهر في العهد المملوكي نقش الأعمدة بالمراسيم الكتابية في أمكنة محدودة كأحد أعمدة رواق الجامع الأموي.وعمود أخر إلى يسار الخارج من بابه الشمالي، بينه وبين ضريح صلاح الدين الأيوبي. وتعددت أشكال الأعمدة في العصور الإسلامية، فكان منها الأسطواني، والحلزوني، والمضلع، والمثمن، والمربع، والمستطيل، وما إليها، ومنها ما كان مكسوا بالرخام أو بالجص أو بالقاشاني أو بالمعدن و بالذهب.وظهر في الأندلس خلال العهد الموحدي نوع من التيجان طبق كذلك في شمال أفريقيا ونجده في المسجد الكبير في مدينة تلمسان غرب الجزائر. وتداول القوم هناك خامات الرخام الفاخر الذي صنعت منه تحفة أعمدة قصر الحمراء ولاسيما في الرواق المحيط بباحة السباع.
ومنذ القرن (الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد) صارت للأعمدة في العمارة الإسلامية تيجانها الخاصة التي تميزها عن التيجان الإغريقية والرومانية والبيزنطية، وتميزت بزخارفها النباتية والهندسية والمقرنصات، ودخل الخط العربي عليها ليجعل لها خصوصية إسلامية بحتة، وقد عمت الكتابات القرآنية أو الشعرية أو الأقوال المأثورة في تجسيدها، وكان للخط الكوفي النصيب الأوفى من بين الخطوط المستعملة لمثل هذه التيجان. واستغلت التيجان لنقش اسم الحاكم أو البناء أو الواقف أو تأريخ المشيدة.
أما التاج المقرنص فقد ظهر في الحقبة الأيوبية، وأنتشر في الحقب اللاحقة. وفي هذه الأزمنة الإسلامية طورت أشكال التيجان، وظهر منها التاج البصلي والناقوسي والمزخرف بأوراق النبات إضافة إلى التاج المقرنص. وجاء العهد العثماني بتيجان ذات تأثيرات سلجوقية مغايرة لمألوف العمارة الإسلامية الأقدم، فأخذت الطرز الجديدة بالظهور، كالتيجان المزخرفة بالأشكال الهندسية، المثلثية منها والمعينية ذات السطوح الملساء النافرة والغائرة. وفي المغرب والاندلس أتسع إنتشار نوع مكعب يكتنفه نحت نباتي سطحي كما في أعمدة قصر الحمراء ومباني فاس وتلمسان.
وفي عمارة فارس وآسيا الوسطى استعملت الأعمدة الخشبية، ولاسيما في الجواسق والمداخل الصرحية، ناهيك عن الأعمدة التقليدية المبنية بريازة الآجر المغشى بالجص المحفور كما في مسجد (نايين) الذي يعود للحقبة البويهية) (932-1062م). أما في عمارة الهند فقد تطورت خلال الحقبة المغولية ابتداءا من السلطان أكبر الذي أشاد مدينة (فتح بولا سكري) أعوام (1570-1580م). والتي طبقت في ثناياها عناصر الأعمدة والتيجان الواردة من العمارة الهندية التقليدية التي سرعان ما انقلبت تباعا إلى الطرز الإسلامية المعروفة، ونجدها في قلعتي أكرا ودلهي الحمراوين. وطورت في العهد العثماني تيجان الأعمدة، وأخذت الأشكال الجديدة بالظهور، ولم تكن مألوفة من قبل، كالتيجان المزخرفة بالأشكال الهندسية، المثلثية منها والمعينية، و لكن جذوع الأعمدة بقيت ملساء، ونشاهد ذلك في التكية والمدرسة السليمانية في دمشق.قد استخدم الحجر في تجسيد التيجان ثم أنتقل الى الآجر ثم ورثها الخشب في العراق وإيران وآسيا الوسطى، ولاسيما النوع المقرنص الذي نجده في مقصورات أصفهان المفتوحة، وأستمر حتى أواسط القرن في بيوت بغداد القديمة يتوج (الدلكات) والذي أضمحل بعد حلول العمارة الخرسانية (الباطون – الكونكريت) الحديثة.
وعلى العموم فأن الأعمدة التي ابتدعها فنانو العمارة الإسلامية منذ البداية، كانت تتميز بأشكال حلياتها الموروثة من أزمنة سابقة للإسلام و تفذلكوا في تبسيطها كي لا تكون غاية بحد ذاتها للتفريق بينهم وبين الطرز الغربية، وأدخلوا عليها نسبهم الجمالية التي أمست 12 مرة من (مودول) القطر، وأمست تيجان متناسقة كذلك، وأضفوا عليها رقبة طويلة وصفحة مربعة مشغولة بالمقرنصات، مع أشغال الأرابسك التي تركز فوقها العقود.

 

العمود في الحداثة

اضطلع المعمار بمهمة الموازنة بين الإنشاء والفن والتقانة، لخلق فضاءات معمارية صميمة. وكان أهل الباع في عمائر العصور الخوالي يتبعون قوانين إنشائية وطرق في فهم إسترسال العزوم من العناصر الأفقية خلال العناصر الشاقولية، دون حسابات ومقادير دقيقة للعزوم، مثلما هو حادث اليوم، لذا كان علم الميكانيك يدعى في لتراث الإسلامي بـ(الحيل)، كما لو أنهم أحتالوا على العزوم في هذا العلم. أما الحسابات المطبقة اليوم على هياكل (الخرسانة المسلحة) فهي ليست إلا إستثمار لقوانين (الميكانيك) في علوم الهندسة التي طبقت على الهياكل الإنشائية منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وربما كان الأمر مرهون بالمنهج التحليلي الذي تماهى مع بدايات تداول الهياكل المعدنية إبتداءا من العام 1778 في الجسور ثم في العمائر منذ 1852 على يد الأنكليزي (جوزيف باكستون) في (القصر البلوري) الذي فتق البحور بين الأعمدة الى أبعاد مهولة، وأستمر تصاعديا حتى يومنا هذا. ولانستبعد في تلك الشجون أن المسلمين أستعملوا قبل الأوربيين هياكل الأعمدة الحديدية، حيث يورد القزويني في حديثه عن مدينة (تستر) (أن الماء يدور حولها وبها الشاذروان الذي بناه شاهبور، امتداده يقرب من ميل مبنيا بالحجارة المحكمة وأعمدة الحديد وملاط الرصاص).
وتسنى للمهندس اليوم حساب مقدار العزوم وحركتها وأستجدت أشكال عناصر هيكلية وتباعدت البحور بين المرتكزات التي أمست مضمونة بموجب الحساب العلمي، وترك هامش لحركتها بما يمنع تصدعها، وتبين أن (حجر الزاوية) او عمود الزاوية هو الأقل خطرا على مقاومة البناء، كونه وببساطة يحمل عزم ربع بلاطة والأوسط أكثر أهمية كونه يحمل أربعة أضعافها، وأبتكر لاحقا حل العناصر المسبقة الجهد للأعمدة والجسور، وأبتكر الشاخص المائل عكس إتجاه التحميل حينما عرف أنه أكثر مقاومة، وكان عين الأمر قد طبقه السومريون قبل ستة آلاف عام في إمالة أعمدتهم القصبية(الشبة)، دون أن يفقهوا ميكانيك المباني.
وعادة ما تكون مقاطع الأعمدة دائرية أو مضلعة أو مربعة أو مستطيلة أو بيضوية أو نصف دائرية أو أكثر من النصف وما إلى ذلك من الأشكال العقلانية.وكانت بدايات تلك الثورة بتداول خامة الحديد في الهياكل الإنشائية، قد وظفت مقاطع صغيرة نسبيا بالمقارنة مع ضخامة العناصر المصنوعة من الخامات التقليدية، بما ولد الكثير من المشاكل لجيل من المعماريين ممن تعود على النسب القديمة في الآجر والحجر وحتى الخشب.
وبعد أن شاع استعمال الخرسانة المسلحة منذ أواسط القرن التاسع عشر، واعتمدت في عمارة القرن العشرين ولاسيما بعد شيوع فكرة الفرنسي (ليكوربوزييه) الداعية إلى طابق أرضي مرفوع على عمد(طابق حر) والتي توسع انتشارها اليوم وأصبحت من سنن العمائر السارية في كل أصقاع الأرض بما توفره من سلاسة في تقسيم الفضاءات بحسب الحاجة والتوظيف. وهكذا أمسى العمود مشروع إدغام مع الحيطان، وتجرد بذلك من الزخرف والحلي وأختزل إلى عنصر هيكلي محض، يغلف عند الحاجة لإبرازه ببعض الخامات كالرخام والقاشاني أو المعدن أو الخشب أو يغشى بالمونة فقط. ثم توسعت أغراضه، وشاع تداول الأعمدة العملاقة الرافعة للحبال المعلقة لأجزاء البناء أو السقوف أو الجسور منذ نهايات القرن التاسع عشر، وظهرت الأعمدة التي تحمل حبال الخيم التي تغطي مساحات شاسعة كما جسدها (أوتو فري) في ملاعب ميونيخ الأولمبية 1972. ومازال الأفق مفتوحا لابتكارات وخامات جديدة للأعمدة توظف في خيالات معمارية، وتنقل العمارة من طور إلى طور >

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.