Take a fresh look at your lifestyle.

معالم التربية الاجتماعية في فكر الإمام الرضا(عليه السلام) – كتمان السر ومداراة الناس والصبر أنموذجاً –

0 165
د. محمد كاظم حسين الفتلاوي
كلية التربية / جامعة الكوفة

         كان الجهد الأكبر للأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) موجهاً إلى تهذيب النفوس وبناء الشخصية السوية عن طريق تربية صالحة رسمها الله سبحانه، فكانوا مع كل من يواليهم يبذلون قصارى جهدهم في تعليمه الأحكام الشرعية وتلقينه المعارف المحمدية، ويعرفونه ماله وما عليه، ليحققوا من بناء الفرد بناء المجتمع، إذ أن الفرد هو نواة المجتمع ومن ثم يتحقق البناء الاجتماعي من خلال بناء الفرد بالآخر، والفرد بالمجتمع ككل، وهذا ما سوف نلحظه في الفكر التربوي للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)،

        ونظراً إلى الموسوعة الحديثية للإمام (عليه السلام) النابّة عن فكره التربوي؛ سوف نعكف على تحليل حديث واحد من أحاديثه الشريفة بما ضم من معالم تربوية مهمة وجامعة، وهي مداراة الناس والعفو عنهم والصبر، وكتمان السر، فنلحظ كل هذه المعالم التربوية في فكر الإمام (عليه السلام) وكيف ربط الإيمان بالتربية الاجتماعية، وجعلها نتيجة له، وهو في قوله (عليه السلام):

         (لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال سُنّة من ربِّه وسُنّة من نبيه وسُنّة من وليِّه، فأما السُنَّة من ربه فكتمان سره، قال الله عز وجل: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)(الجن: 27)، وأما السُنَّة من نبيه فمداراة الناس فإن الله عزوجل أمر نبيه بمداراة الناس، فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)(الأعراف: 199)، وأما السُنة من وليِّه الصبر في البأساء والضراء ما قاله تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)(البقرة: 177))(1). مضيفين إليها حديثًا في الأخوة وصلة الرحم لما له من مناسبة في مطلبنا هذا، وعلى النحو الآتي:

أولاً: كتمان السر:

        نجد أن الإمام (عليه السلام) يحث على كتمان السر، ويربي عليه الناس، لما فيه من أهمية بالغة في ترابط لحمة المجتمع، وكذلك عدم إفشاء الفاحشة فيه جراء القيل والقال، ومن ثم توارث الشحناء والبغضاء بين أفراده.

        واليوم نلحظ أنّ أكثر مشاكلنا تتأتى من إطلاق العنان للسان من دون ضوابط، وإن كثيراً من الناس يرغب في الكلام أكثر من العناية بفن الاستماع، وقد نهى القرآن المجيد عن إفشاء الأسرار، وحث على ستر العيوب، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور: 19)، إذ أنّ كشف السر ـ العيب ـ يسيء إلى حرمة المجتمع، ويثير الجرأة على ارتكاب المعاصي، ولهذا (أوجب الإسلام ستر العيوب والسبب في ذلك هو ما تقدم من الحيلولة دون انتشار الذنوب في المجتمع، واكتسابها طابع العمومية والشمول)(2)، ومن أجل الترهيب من إفشاء السر، والترغيب على كتمانه في سبيل بناء المجتمع الإنساني القويم، نجد أنّ الإمام يستعمل هذا الأسلوب في التربية، يقول (عليه السلام): (المذيع بالسيئة مخذول والمستتر بالسيئة مغفور له)(3). فجعل (عليه السلام)قبال إذاعة السر الخذلان، وقبال الستر المغفرة.

        وكذلك يجعل الإمام (عليه السلام) علاجاً تربوياً لهذه العلة (إفشاء السر)، لما بدا لهذه العلة من أخطار وخيمة على المجتمع، فنلحظ أنّ الإمام (عليه السلام) يعالج هذه الرذيلة بالابتعاد عن القيل والقال، والتزام الصمت والاعتصام به، في حالات الانفعال أو المواقف الحرجة، ولقد أشاد الإمام (عليه السلام) بالصمت فهو عنده من علامات الفقه وباب من أبواب الحكمة ويرى بان له معطيات اجتماعية عديدة، فقال (عليه السلام) في علامات الفقيه: (الحلم والعلم والصمت إن الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب المحبة، إنه دليل على كل خير)(4).

         ولا عجب أن الصمت مما يرتجى منه صفاء النفس والعقل عن المشاكل، واللسان المهذار أحد الأسباب التي تكدر صفو العلاقات الاجتماعية، وإطلاق العنان للسان كثيراً ما يحصل منه العثرات والزلات ومما لا يحمد عقباه.

         وإذا كان ولا بد من القول لأي سبب منه، فإن الإمام (عليه السلام) يردف قوله التوجيهي إلى اختيار من هم أهل للاستماع، وأهل الحكمة والمشورة، وقد أشار الإمام (عليه السلام)إلى هذا الإرشاد عندما أردف قوله بقوله تعالى: (َعالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) (الجن: 26-27)، وفي ذلك دلالة واضحة على أهمية كتمان السر، وكذلك على أهمية اختيار من يُفضي إليه السر، وفي ذلك تخلق بأخلاق الله سبحانه.

ثانياً: مداراة الناس:

        لعل من أهم عوامل البناء الاجتماعي بين الأفراد هو رعاية الناس والتلطف بهم، فهذا مما يبعد عن الشحناء والبغضاء، ويشد من أواصر المحبة بينهم، فتتوثق عرى الوئام.

        وإن هذه المداراة لا تقف عند حدٍ معين، فهي شاملة لجميع شؤون الحياة، بصغيرها وكبيرها، ولجميع فئات المجتمع، المعلم وتلميذه، الرئيس والمرؤوس، رب الأسرة وأسرته،…، والعلاقة متبادلة بين هذه الأطراف.

        وفي ترسيخ هذا المفهوم التربوي نلحظ أنّ الإمام (عليه السلام) يبلغ في التشديد عليه بأن قرنه بالفرائض على وجه التأكيد والأهمية من حيث الثمار التي يمكن أن تجنى منه، فنلحظه (عليه السلام) يقول: (إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)إني آخذك بمداراة الناس، كما آخذك بالفرائض)(5).

        فهذه المداراة ضرورية لاندماج الفرد بالمجتمع، فأي فرد لا يمكن أن ينجح في حياته في المجتمع إذا عمل لمصلحته الخاصة باستمرار دون مراعاة شعور الآخرين وحقوقهم الطبيعية، ولا يمكن أن تنجح حياته أيضاً إذا عاش حياة منعزلة فإن حياة العزلة إذا استمرت لا ينجو الفرد من عواقبها الأليمة بما يصاب به في النهاية من أمراض نفسية)(6) ونرجسية مقيته تتأزم بها بنية المجتمع وتتفكك أواصره وتسوده الأنانية، فكانت التربية على مداراة الناس والعناية بهم من أسس الدعوة المحمدية عموماً.

         ونلحظ هذه الأهمية واضحة في القرآن المجيد، وتوجيه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بيانها بصورة عملية، وهو فيما استشهد به الإمام (عليه السلام)، قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)(الأعراف: 199)، فمهمة الإنسان الرسالي أن يتعامل مع الناس بصورة مباشرة، إذ أن فلسفة التربية لا تقف عند حد التنظير، بل ترسم (خطاً عملياً للتعامل مع الناس في أجواء الدعوة، في ما يواجهه من حالات التشنج والتمرد، لان المسألة لدى الرسول أو الداعية ليست مسألة مزاج يبحث عن منفذ للتنفيس، ولكنها مسألة دعوة تفتش عن مدخل إلى فكر الآخرين للحصول على قناعاتهم،…، فلا بد من اتباع الأسلوب الذي يتحرك بالتوازن في عرض الفكرة، وبالتسامح في مواجهة ردود الفعل، وبالتسهيل والتيسير في إعطاء المسؤوليات.

         ومن أجل هذا البناء الاجتماعي وديمومته جعل الإمام (عليه السلام) التواصل مع الناس نصف العقل، إذ قال الإمام (عليه السلام): (التودُّد إلى الناس نصف العقل)(7).

        وأدنى تدبر في مقولة الإمام (عليه السلام) يوضح جلياً أهمية التشديد على هذا الخلق وما يضيفه من أثر في التعامل اليومي للناس، ولعل موقفاً واحداً من واقعنا يكفينا التماس شواهد أخرى، والأمر موكول إلى القارئ للتجربة، فيلحظ البعد الإيجابي في ترميم العلاقات الإنسانية عموماً والإسلامية منها على وجه الخصوص، فيشيع بالتالي جوًا من الحب والتواد مما لا توفره أنظمة ولا قوانين.

       وهذا بطبيعة الحال لا يتأتى إلا من خلال التربية العملية، ومداراة القابليات النفسية والجسدية معاً، وهكذا يستطيع المسؤول أن يحقق الأهداف الكبرى، وتسير عجلة الحياة الأسرية منها كمؤسسة اجتماعية أولى، وكذلك المؤسسات الاجتماعية الأخرى، وبهذه المداراة يتجنب المجتمع إرهاصات الخلافات وأزماتها، ومن ثم تتربى في (كل فرد من أفراد هذا المجتمع روح التعلق بالجماعة وعدم القيام بأي عمل من شأنه أن يضر هذا المجتمع أياً كان لون هذا الضرر أو شكله، وانه يُؤثر مصلحة المجتمع على مصلحته الخاصة)(8)، جراء رسوخ القناعة ومما ناله من المداراة الداعية إلى الفكرة أو المشروع البنائي، وهذه النتيجة تحتاج إلى كثير من الحكمة والدراية، كما نحصل على هكذا تربية بناءة تجمع التنوع والتعدد في بوتقة واحدة، وتخلق مجتمعًا متعايشًا وسلميًا.

ثالثاً: الصبر:

        تقدم أنّ الصبر من معالم التربية الإيمانية، وهذه التربية لا تقتصر على العلاقة مع الجانب الغيبي، بل هي أيضاً عملية حركية في الجانب الاجتماعي، إذ أن الإنسان الصبور الحليم في الجانب الاجتماعي هو الذي لا يعجل العصاة بالنقمة، بل يعفو أو يؤخر(9).

       وقد شدد الإمام (عليه السلام) على التمثل بهذه التربية المهمة، وإنها من خلال الأولياء الصالحين، فقال(عليه السلام): (وأما السنة من وليه الصبر في البأساء والضراء) ـ حديث متقدم ـ ولا يمكن أن نتصور بحال من الأحوال مجتمعًا لا يتمتع بنسبة معينة من الصبر، إذ أن هذه التربية السامية اتفقت عليها الأجناس البشرية عموماً، وأكدتها الشرائع السماوية، وأقرها الحكماء، إلا أن ديننا القويم ومن أجل بناء مجتمع سعيد مترابط أكد كثيراً على ضرورة هذه التربية، كما أنها ليست مما يسهل التخلق بها، فهي خلاف الشهوة الحيوانية الميالة إلى الثورة وردة الفعل الآنية.

       فكان أن شجع القرآن المجيد على التزام هذه التربية في آيات عديدة منها ما استشهد به الإمام (عليه السلام)، وهو قوله تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)(البقرة: 177).

        فهنا دعوة واضحة إلى التخلق بالصبر، وعدم الخروج عن طور الحكمة والأناة عند حدوث ما لا يوافق النفس ورغباتها، ومن ثم التحلي برفيع المبادئ و(الثبات على الشدائد حين تهاجم المصائب أو مقارعة الأقران)(10)، واحتمال المكاره من غير جزع أو قسر النفس على مقتضيات الشرع والعقل أوامرَ ونواهٍ، هو (دليل رجاحة العقل وسمو الخلق، كما هو معراج طاعة الله تعالى ورضوانه وسبب الظفر والنجاح والدرع الواقي من شماتة الأعداء والحساد)(11)

         والتهور الذي كثيراً يكون مما لا تحمد عقباه، ويخلفه ندم أشد من تحمل الإساءة المفضية إليه، ولات حين مندم.
        والتمثل بهذا الخلق (الصبر) يحتاج إلى تربية مستمرة، ومراقبة الإنسان لسلوكه و(تدريب الإرادة بممارسة أعمال الضبط في ظروف الثورة والهيجان النفسي وبمقاومة الرغبات النفسية الشهوية)(12).

        وأمثلته العملية كثيرة، يقتصر الباحث هنا على علاقة التجاور وآدابه، وهو مما يبتلى به المجتمع إذا ما راعى حكمة الصبر، يقول الحبيب محمد (صلى الله عليه وآله): (ليس حسن الجوار أن تكف أذاك عن جارك، بل حسن الجوار أن تحتمل أذى جارك)(13)، فكان الصبر السمة البارزة لحسن الجوار، وهذا التأكيد مما يعزز أواصر المجتمع الإيماني، ويدعو إلى التحلي بهذه الفضيلة التربوية الخطيرة.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) المجلسي، بحار الأنوار، 79/307.
2) ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، 11/38.
3) الكليني، الكافي 2/428.
4) المصدر نفسه، 2/113.
5) علي بن بابوية (ت329هـ)، فقه الرضا، ص368.
6) د. مقداد يالجن، دورة التربية الأخلاقية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية، ص56.
7) الكليني، الكافي، 2/643
8) د. مقداد يالجن، دور التربية الأخلاقية..، ص73.
9) ظ: الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص422.
10) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1/354.
11) عبد الحسين راشد معارج، الروايات التفسيرية للإمام الرضا(عليه السلام) دراسة موضوعية، ص 129.
12) د. مقداد يالجن، دور التربية الأخلاقية الإسلامية، ص53.
13) الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، 8/419.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.