Take a fresh look at your lifestyle.

السمات الدلالية في أدعية الإمامين العسكريين (عليهما السلام)

0 159
أ.م.د خليل خلف بشير
جامعة البصرة – كلية الآداب

         حثّ الإمامان العسكريان على الدعاء، كغيرهما من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد عاشا عصر حكومات عباسية فاسدة مفسدة، فعن الإمام الهادي (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال الصادق (عليه السلام): (ثلاث دعوات يحجبن عن الله عز وجل: منها رجل مؤمن دعا لأخ مؤمن، وأساء فينا، ودعاؤه عليه إذا لم يواسه مع القدرة عليه واضطرار أخيه إليه)(1)،

         وعن أبي محمد العسكري (عليه السلام): (ارفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك، فإن لكل يوم رزقًا جديدًا، واعلم أن الالحاح في المطالب يسلب البهاء، ويورث التعب والعناء، فاصبر حتى يفتح الله لك بابًا يسهل الدخول فيه. فيما أقرب الصنع من الملهوف والأمن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير نوعًا من أدب الله، والحظوظ مراتب، فلا تعجل على ثمرة لم تدرك، فإنما تنالها في أوانها …)(2).

          على أنّ أدعيتهما تعدّ صفحة مشرقة من صفحات التراث الإنساني، وذخيرة فذّة من ذخائر المسلمين، فهي من حيث الصياغة والبلاغة آية من آيات الأدب الرفيع، ومن حيث المضمون فيها خلاصة المعارف الدينية، وهي من أرقى المناهل في الإلهيات والأخلاق، ووسيلة لنشر تعاليم القرآن وآداب الإسلام وبيان أدقّ أسرار التوحيد والنبوة والمعاد وغيرها من المضامين التي يترتب عليها آثار واضحة في تعليم الناس وروحية الدين والزهد والأخلاق.

          وإذا تفحصنا جملة الدعاء عند الإمامين وجدناها في الغالب تبتدئ بـ (اللهم) أو (إلهي)، وهما صيغتان دأب الإمامان العسكريان (عليهما السلام) على التمثل بهما في أدعيتهما لكونهما تمثلان صورة التعبير عن التعظيم والتفخيم في مدحه عزّ وجلّ، وقد أحدث تواجدهما نوعاً من التوازن في الدعاء عموماً؛ لأن تكرارهما يشد الداعي ويؤجّج فيه ثورة من العواطف والأحاسيس العارمة التي تحدث التلاحم بين الداعي والمدعو، ويبدو أن افتتاح الدعاء بكلمة (اللهم) أو كلمة (إلهي) يعد إعلاناً للتبعية، وإيذاناً سرمدياً بالحاجة الملحة التي تتخذ من العلاقة بين ( الله والإنسان)، وهي بمثابة انطلاقة روحية تستفرغ جهداً في السلوك المستقيم(3)،

          وأمثلة ذلك كثيرة، منها قول الإمام الهادي (عليه السلام) في دعاء له: (اللهم اكشف العذاب عن المؤمنين، وابعثه  جهرة على الظالمين، اللهم اكفف العذاب عن المستجيرين، واصببه على المغترين، اللهم بادر عصبة الحق بالعون، وبادر أعوان الظلم بالقصم، اللهم أسعدنا بالشكر، وامنحنا النصر، وأعذنا من سوء البداء، والعاقبة والختر)(4)،

          ولعل العلاقة بين الأمر والدعاء تتلخص بتقييد فعل الأمر بخروجه من الحقيقة إلى المجاز، وإطلاقه على وجه التضرع، وسر بلاغة التعبير بالأمر في مقام الدعاء إظهار كمال الخضوع لله وبيان شدة رغبة العبد في كشف العذاب عن المؤمنين والمستجيرين، وقصره على سبيل الجهر على الظالمين والمغترين، والمبادرة لعون جماعة الحق، وقصم جماعة الظلم فتكون النتيجة النصر والشكر على النعم والاستعاذة من سوء البداء والعاقبة والغدر، وقد بدا التضاد جلياً بين طرفي الدعاء الموجه إلى الله تعالى بفعلي الأمر (اكشف وابعث) وفي (اكشف العذاب عن المؤمنين وابعثه جهرة على الظالمين)، وكذا في (اكفف واصبب)، (اكفف العذاب عن المستجيرين واصببه على المغترين ).

           ومن السمات الدلالية لأدعية الإمامين العسكريين (عليهما السلام) اقتباسهما من آي التنزيل العزيز، وهذا يدل على تأثرهما بأسلوب القرآن الكريم حتى تكاد تكون اقتباساتهما القرآنية نصية أي مباشرة وملتحمة مع النص وكأنها من نص الإمامين، وهذا يدل على اتكاء بنية الدعاء المضمونية على معطيات القرآن الكريم، بوصفه مرجعية على جميع المستويات الشكلية والدلالية؛ لأن النص الإلهي هو المربي والمهيمن على ما دونه من النصوص، وإذ يستضيف دعاء المعصوم النص القرآني فإنما يستنطق وظيفة ترجمته للقرآن بلوغًا بنصه الدعائي مخ العبادة في التعالي النصي، ويدخل النص القرآني المقتبس قيمة فاعلة في تحقيق مطلب الداعي، ولاسيما إذا كان اسمًا من الأسماء الإلهية له وجود نصي مستقل مثل سورة الإخلاص التي تعرف بها صفة الحق (عز وجل)، وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين، وتعدل قراءتها قراءة ثلث القرآن الكريم لذلك يأتي المعصوم بها أو ببعضها في لُحمة الدعاء توخيًا للقبول، ومَظِنّة للإجابة (5).

          ففي دعاء الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عقب الصلاة ورد: (أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الوتر الفرد الأحد الصمد الذي (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص:4))(6)،وكذا دعاء الإمام الهادي (عليه السلام) في قوله: (اللهم وإني مؤمن بسره وعلانيته وسر أهل بيته، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، وعلانيتهم، اللهم فصل على محمد وآله ولا تقطع بيني وبينهم في الدنيا والآخرة، واجعل عملي بهم متقبلًا، اللهم دللت عبادك على نفسك فقلت تباركت وتعاليت: (وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(البقرة:186)، وقلت: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(الزمر:53)، وقلت: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ)(الصافات:75) أجل رب نعم المدعو أنت، ونعم الرب، ونعم المجيب، وقلت: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الاسراء:110)، وأنا أدعوك اللهم بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم، وأسألك بأسمائك التي إذا دعيت بها أجبت، وإذا سئلت بها أعطيت، أدعوك متضرعًا إليك مسكينًا دعاء من أسلمته الغفلة وأجهدته الحاجة…)(7)،

          والملاحظ في النص التركيز على الآيات التي حثّ فيها الله تعالى على الدعاء فضلاً عن الدعاء بأسماء الله الحسنى التي تمثّل مفاتيح دلالية تعمل على استقطاب المفردات المناسبة وبوحيها يجري تشكيل الخطاب في ضوء المشاعر والانفعالات، ويحقق العبد التواصل الذي يرجوه مع الحق سبحانه فالنص القرآني حاضر ومتجلٍ في الدعاء لتكون الحجة قوية وواضحة لا غبار عليها ولاسيما أن القرآن كتاب (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)(فصلت:42)، وهذا يدل على أنّ الدعاء جزء لا يتجزأ من القرآن وما أكثر الأدعية التي جاءت في القرآن على لسان الأنبياء (عليهم السلام) فضلاً عن أدعية المؤمنين، والملائكة، والكفار، وإبليس (لعنه الله)(8).

         ومن السمات الدلالية الأخرى التكرار ، إذ يوظف الإمامان العسكريان (عليهما السلام) في كل مقطع من مقاطع بعض أدعيتهما جملة تتكرر في بداية كل مقطع، وهي جملة (اللهم صل على محمد وآل محمد)، ويبدو أن هذه الجملة تحتل مساحة واسعة جداً من أدعية أهل البيت (عليهم السلام) اشتهرت بها شهرة عظيمة، لكونها مفتاحاً لقبول الدعوات، وفك أسرار استجابة الدعاء فكل دعاء لا تُرفع منه الحجب إلا بالصلاة على محمد وآل محمد، ثم إنّ علاقة الصلاة على محمد وآله لا تنحصر في الابتداء بها، وإنما تشمل الانتهاء بها أيضاً ثم إنّ الدعاء بالصلاة على محمد وآله موجب لاستحقاق المصلي صلاة ربانية ملائكية عليه، بل ويُضاعف له ذلك، وقد ورد في أحاديثهم تركيز وتأكيد كبيران على هذه الصلوات، والسبب واضح هو أن الله تعالى يريد أن يجعل من الدعاء (وسيلة لارتباط المسلمين بأولياء أمورهم واعتصامهم بحبل الولاء الذي جعله الله عصمة للمسلمين، والصلوات من أهم أسباب هذا الارتباط النفسي فإن حلقات الولاء ممتدة بين الله تعالى وعباده، وولاء الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته من أهم هذه الصفات)(9)، كما في دعاء الإمام العسكري (عليه السلام):

        (اللهم صل على محمد كما حمل وحيك وبلغ رسالاتك، وصل على محمد كما أحلَّ حلالك، وحرَّم حرامك، وعلَّم كتابك، وصل على محمد كما أقام الصلاة، وآتى الزكاة، ودعا إلى دينك، وصل على محمد كما صدق بوعدك، وأشفق من وعيدك، وصل على محمد كما غفرت به الذنوب، وسترت به العيوب، وفرجت به الكروب، وصل على محمد كما دفعت به الشقاء، وكشفت به الغماء، وأجبت به الدعاء، ونجيت به من البلاء، وصل على محمد كما رحمت به العباد، وأحييت به البلاد، وقصمت به الجبابرة، وأهلكت به الفراعنة، وصل على محمد كما أضعفت به الأموال وأحرزت به من الأهوال، وكسرت به الأصنام، ورحمت به الأنام، وصل على محمد كما بعثته بخير الأديان، وأعززت به الأيمان، وتبرت به الأوثان، وعظمت به البيت الحرام، وصل على محمد وأهل بيته الطاهرين الأخيار وسلم تسليما)(10)

         فقد تكرر ذكر الصلاة على محمد وآل محمد مع كل عمل قام به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من حمل الوحي وتبليغ الرسالة، وإحلال الحلال وتحريم الحرام، وتعليم الكتاب، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والدعوة إلى الدين، وصدق الوعد والإشفاق من الوعيد، وبسببه تغفر الذنوب وتُستر العيوب وتُفرج الكروب، ويُدفع به الشقاء ويُكشف به الغم ويجاب الدعاء ويُنجى من البلاء، ويُرحم به العباد ويحيى العباد، وتقصم به الجبابرة وتُهلك الفراعنة، وتُضعف به الأموال وتُحرز الأهوال، وتُكسر الأصنام وتُرحم الأنام …، ويلاحظ على هذا الدعاء المشحون بعنصر التكرار العنصر الإيقاعي؛ لأنّ الدعاء شكل معدّ للتلاوة فحريّ به أن يتسم بوجود عنصر إيقاعي متمثل بالتجنيس والسجع ونحوهما؛ لذا نجد الأدعية مشحونة بالإيقاع بنحو لافت النظر فإذا ما استخدم الإيقاع بصورة صحيحة فإنه سيضفي جمالاً آخر يجمع بين جمال المعنى وجمال الإيقاع، وتتوقف قوة استخدام العنصر الإيقاعي على قدرة المتكلم على التحكم بالحروف والكلمات.

         ولعل من آداب الدعاء الابتداء بالمدح والتسبيح والحمد والشكر للخالق. من ذلك دعاء الإمام الهادي (عليه السلام) عند الشدائد في قوله: (اللهم لك الحمد حمدًا يكون أحق الحمد بك وأرضى الحمد لك وأوجب الحمد بك وأحب الحمد إليك، ولك الحمد كما أنت أهله وكما رضيت لنفسك وكما حمدك من رضيت حمده من جميع خلقك، ولك الحمد كما حمدك به جميع أنبيائك ورسلك وملائكتك وكما ينبغي لعزك وكبريائك وعظمتك، ولك الحمد حمدا تكل الألسن عن صفته ويقف القول عن منتهاه، ولك الحمد حمدا لا يقصر عن رضاك ولا يفضله شئ من محامدك، اللهم لك الحمد في السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء والسنين والدهور، ولك الحمد على آلائك ونعمائك علي وعندي وعلى ما أوليتني وأبليتني وعافيتني ورزقتني وأعطيتني وفضلتني وشرفتني وكرمتني وهديتني لدينك حمدا لا يبلغه وصف واصف ولا يدركه قول قائل …)(11)،

         ويبدو الإكثار من الحمد لله بمثابة اعتراف بالوحدانية وتحقيق للانقطاع التام إليه تعالى دون ما سواه، ومفاتيح لقبول الدعاء، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا طلب أحدكم الحاجة فليثن على ربه وليمدحه فإن الرجل منكم إذا طلب الحاجة من سلطان هيأ له من الكلام أحسن ما يقدر عليه، فإذا طلبتم الحاجة فمجدوا الله العزيز الجبار وامدحوه واثنوا عليه…)(12)؛

           لذا نجد الإمام (عليه السلام) قد نوّع فيه فمنه (أحق الحمد، وأرضى الحمد، وأوجب الحمد، وأحب الحمد،… وحمد السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء والسنين والدهور، وحمد الآلاء والنعماء على الإيلاء والإبلاء والعافية والرزق والعطية والفضل والشرف والكرامة والهدية) كما زاوج الإمام (عليه السلام) بين الثنائيات الضدية (حمد السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء والسنين والدهور) والثنائيات المترادفة (الآلاء والنعماء على الإيلاء والإبلاء والعافية والرزق والعطية والفضل والشرف والكرامة والهدية)، ولا يخفى ما أحدثته هذه الثنائيات الضدية والثنائيات المترادفة من إيقاع وانسجام صوتي متبادل بواسطة السجع غير المتكلف في الصياغة الذي أتى على السليقة والبديهة، وما يؤديه هذا السجع من إيقاع منتظم، وهو سمة مميزة للدعاء، ولعل السر الفني وراء ذلك يكمن في طبيعة عنصر التلاوة التي يمتاز بها الدعاء عن غيره فالدعاء لا يُسمع ولا يُقرأ فحسب بل يُتلى فالتلاوة تتطلب إيقاعاً متناسباً مع وحداته الصوتية التي تنتظم في السجع أو التجانس اللفظي(13).

           ويلاحظ اصطفاف الألفاظ في بعض أدعية الإمامين (عليهما السلام) وكأنهما صنفا الألفاظ في مجالات دلالية يرتبط بعضها ببعض حتى نستطيع أن نصنع في كل مجال مجموعة من الألفاظ المتقاربة في ما أطلق عليه بالمجالات الدلالية أو الحقول الدلالية ففي دعاء الإمام الهادي (عليه السلام) السابق نجد المجالات:

1– أحق الحمد، أرضى الحمد، أوجب الحمد، أحب الحمد.

2– آلائك، نعمائك.

3– أوليتني، أبليتني، عافيتني، رزقتني،أعطيتني، فضلتني، شرفتني، كرمتني، هديتني.

         وكذا في دعاء الإمام العسكري(عليه السلام) المتقدم: (… وصل على محمد كما دفعت به الشقاء، وكشفت به الغماء، وأجبت به الدعاء، ونجيت به من البلاء، وصل على محمد كما رحمت به العباد، وأحييت به البلاد، وقصمت به الجبابرة، وأهلكت به الفراعنة، وصل على محمد كما أضعفت به الأموال وأحرزت به من الأهوال، وكسرت به الأصنام، ورحمت به الأنام، وصل على محمد كما بعثته بخير الأديان، وأعززت به الأيمان، وتبرت به الأوثان، وعظمت به البيت الحرام، وصل على محمد وأهل بيته الطاهرين الأخيار وسلم تسليماً)(14). نقرأ فيه:

1– دفعت به الشقاء، كشفت به الغماء، أجبت به الدعاء، نجيت به من البلاء.

2– رحمت به العباد، وأحييت به البلاد.

3– قصمت به الجبابرة، أهلكت به الفراعنة.

4– أضعفت به الأموال وأحرزت به من الأهوال، وكسرت به الأصنام.

5– بعثته بخير الأديان، وأعززت به الأيمان، وتبرت به الأوثان، وعظمت به البيت الحرام.

             ومن السمات الدلالية الأخرى في أدعية الإمامين (عليهما السلام) استعمالهما المحسنات البديعية، ومن تلك المحسنات الجناس، وهو تماثل الكلمات لفظاً واختلافها معنى (وهو من الحلي اللفظية والألوان البديعية التي لها تأثير بليغ، تجذب السامع، وتحدث في نفسه ميلاً إلى الإصغاء والتلذذ بنغمته العذبة…)(15)، والجناس على أنواع، والناظر في أدعية الإمامين العسكريين (عليهما السلام) يجد بوضوح جناس الاشتقاق – الذي يعني اشتراك لفظتين على جهة الاشتقاق – لبعث الأمن والطمأنينة في نفس الداعي حينما يكون في رحاب المدعو الرحمن الرحيم، الغفور الودود كما ورد ذلك في دعاء الإمام العسكري:

           ( يا أسمع السامعين، ويا أبصر المبصرين، يا عز الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، ويا أحكم الحاكمين، صل على محمد وآل محمد، وأوسع لي في رزقي، ومد لي في عمري، وامنن عليَّ برحمتك ،واجعلني ممن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل بي غيري)(16)،

          فالثناء على الله تعالى بوساطة جناس الاشتقاق (أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأسرع الحاسبين، وأرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين) اعتراف بالوحدانية للمنعم الأول، وتحقيق للانقطاع التام له تعالى، وهو أدب من آداب الدعاء أن يثني على المنعم الحقيقي الذي فاق ويفوق السامعين والناظرين والحاسبين والراحمين والحاكمين ثم يصلي على النبي ثم يشرع في طلب حوائجه ليكون ذلك مدعاة لقبول الدعوات.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) وسائل الشيعة (آل البيت)/ الحر العاملي 7/109.
2) عدة الداعي ونجاح الساعي/ ابن فهد الحلي 125.
3) ينظر: أدعية الإمام علي (عليه السلام) – دراسة تحليلية، د.مريم عبد الحسين، وحيدر ومحمود، بحوث المؤتمر العلمي الدولي الأول لـ (نهج البلاغة) الموسوم، نهج البلاغة سراج الفكر وسحر البيان – ج5، ص 96.
4) مهج الدعوات/السيد ابن طاووس/ص61.
5) ينظر: البناء الأسلوبي في أدعية الأئمة
المعصومين (عليهم السلام)، رسالة ماجستير، أحمد محمد أحمد، جامعة البصرة،2010، ص 299-300.
6) جمال الأسبوع/السيد ابن طاووس/ص180.
7) مصباح المتهجد / الشيخ الطوسي/ص 344.
8) ينظر نماذج من هذه الأدعية كتاب: الدعاء – المعاني والصيغ والأنواع (دراسة قرآنية)/ د.محمد محمود عبود زوين 101-136.
9) الدعاء عند أهل البيت / الشيخ محمد مهدي الآصفي 154.
10) مصباح المتهجد/الشيخ الطوسي/ص 399.
11) المصدر نفسه 343.
12) عدة الداعي ونجاح الساعي 149.
13) ينظر: الإسلام والفن /د.محمود البستاني 175.
14) مصباح المتهجد 399.
15) البديع في ضوء أساليب القرآن/ د.عبد الفتاح لاشين 155.
16) بحار الأنوار 50/298.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.