Take a fresh look at your lifestyle.

هل الشر من الله؟

0 229
الشيخ نصير السعداوي
أستاذ في الحوزة العلمية

          كثيرٌ ما تختلج في نفس الإنسان تساؤلات قد يبوح بها أو قد يكتمها حول ما يعتريه من مكاره في حياته، وإحساسه بالظلم أحيانًا، أو بالغبن أو على الأقل الحيرة عما يلم به من أمور سلبية، ومقدار هذا الإحساس يعتمد على مقدار إيمان الإنسان بالخالق سبحانه وبعدالته، أو بعدم إيمانه. فالإنسان الذي لا إيمان له بخالق أو الذي له عقيدة ضعيفة به قد يفسر ما يتعرض له من مكروهات بالظلم، والذي له إيمان أكبر قد يعتقد بأنه مغبون، ولكن المؤمن الصحيح الإيمان قد تنتابه الحيرة في تفسير هكذا أمور.

الظواهر السلبية وتفسيرها

            كثيرة هي الظواهر السلبية التي تمر في حياتنا، منها:

           بعض الظواهر الكونية مثل الزلازل والبراكين التي تسبب الدمار للأبنية والهلاك لعدد من الناس الأبرياء، بل حتى لغير البشر من المخلوقات، أو هبوب عواصف رملية شديدة، تزدحم على إثرها صالات الطوارئ في المستشفيات بالمصابين بالاختناق،

            ومنها: تسلط الظالم على ظلم الضعيف، سواء كان داخل الأسرة الواحدة أو بين أفراد المجتمع، أو من قبل الحاكم الظالم لشعب بأكمله، وفي كل هذه الحالات هناك قطعاً من لا يستحق العقوبة فيهم، فهل كل هذه الظواهر تعد شراً؟ وما هي الحكمة منها؟ وما علاقتها بالخالق سبحانه؟

         قبل الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، لابد من الاعتقاد بأن الله تعالى عادل في كل ما يصدر منه، والإنسان العاقل بعد الالتفات والتأمل يذعن بهذه الحقيقة.

           فمنطق العقل السليم يثبت عدالته سبحانه، لأن العدل صفة كمال، والله تعالى منزه عن النقص، ولا يمكن تصور أي نقص ينسب لساحته تبارك وتعالى.

           إذ أن دواعي الظلم المتصورة التي يفترضها العقل البشري هي أربعة، ولا نتصور لها خامساً، وهي كالآتي:

الأول: عدم المعرفة والتمييز بين طبيعة الأفعال، فيؤدي الجهل إلى ارتكاب الظلم.

الثاني: الحاجة لارتكاب فعل الظلم، كدفع الحاكم الظالم عن نفسه وحكمه الغير خوفاً منهم.

الثالث: وجود من يجبر الظالم على ارتكاب الظلم بلا رغبة منه في ذلك.

الرابع: أن يرتكب الظلم لأجل العبث واللهو، أي بلا مسوغ عقلائي آخر.

       إن هذه الأسباب الأربعة كلها مستحيلة في حقه تبارك وتعالى، فكماله المطلق يستدعي وجود العلم المطلق عنده الذي يمنع عنه الداعي الأول وهو عدم العلم والجهل لارتكاب الظلم، وهو تعالى وصف نفسه في كتابه العزيز بأنه: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)(الأنعام:73).

          ولا يتصور في حقه الحاجة لأي شيء أو لأي أحد، وقد بين تعالى حاجة غيره إليه وغناه عن كل أحد، كما في قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(فاطر:15)، وهذا الداعي الثاني للظلم.

          والعقل السليم لا يقبل وجود جهة عندها قوة أكبر من قوته حتى تتمكن من إجباره، فهو تعالى (الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)(الحديد:3)، وهذا الداعي الثالث، كما أنه عز وجل منزه عن العبث لأن العبث قبيح، وهو تعالى لا يفعل القبيح، كما أنه استنكر من نسبة هذه الصفة له تعالى، إذ يقول: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)(المؤمنون :115)، وهذا الرابع والأخير.

            إذًا لا يمكن نسبة الظلم له تعالى بحكم العقل كما تبيَّن، كما أن القرآن الكريم مليء بالآيات الكريمة التي تبين مدى كرهه تعالى للظلم وللظالمين، منها قوله عز من قائل: (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)(النساء:40)، وقوله تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)(آل عمران:18).

           إن من ثمرات هذه العقيدة: القول بأنه تعالى لا يكلفنا ما لا نطيقه، ولا يعرضنا لابتلاءات ومصائب لا نستطيع – بما أودعه هو عندنا من قابليات – تحملها، لأن كل ذلك قبيح، وهو تعالى منزه عن فعل القبيح، كما أنه تعالى يقول: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا)(الطلاق:7)، وقال عز وجل: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)(الكهف:49)، وأي ظلم أعظم من أن يكلف الإنسان ما لا يطيقه أو أن يعرض الله عبده إلى ضغط المكاره والبلايا مع علمه بعدم قدرته على تحمل كل ذلك.

         إن ما يقدم عليه البعض من اعتراض على أحكامه تعالى أو تبرم لما يحصل له من مشاكل الدنيا ومكروهاتها، – بل قد يصل به الأمر للانتحار – إنما هو نتيجة ضعف الوازع الديني عنده لقلة المعرفة بالعقيدة الصحيحة أو لقلة الإيمان بها، وفي المقابل الإنسان العارف والمؤمن يواجه ما يكره من حوادث الدنيا بحمد الله تعالى على المصائب والبلاء كما يشكره على النعم والرخاء، ولسانه يردد: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

           ومن ثمرات هذه العقيدة أيضاً الاعتقاد بأن الله تعالى حينما يبتلي عبداً من عباده أو يعرضه لألم ما، فلا بد أن يعوضه عن كل ذلك، إذا لم يكن مستحقًا للبلاء والألم، وهذا العوض إما بالدنيا وإما بالآخرة حسب اختلاف الحالات، ويحتمل في مقدار هذا العوض ثلاثة احتمالات :

الأول: أن يكون أقل مما عرضه للبلاء والألم، وهذا مستحيل في حقه تعالى لأنه محض ظلم.

الثاني: أن يكون العوض بقدر ما سلب منه، وهذا أيضا مستحيل في حقه عز وجل لأنه عبث وهو تعالى منزه عن العبث.

الثالث: أن يكون العوض أكثر مما أخذ وهذا هو الاحتمال المنطقي الوحيد.

         يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى كَلَّفَ تَخْيِيراً ونَهَى تَحْذِيراً وأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً)(1)، فهو تعالى يعطي أكثر مما يأخذ.

           بناء على هذا فالإنسان العاقل الملتفت إلى كل ما ذكر يتوقع من الله تعالى العوض الأكبر عما يصيبه في هذه الدنيا إذا كان مستحقاً للعوض.

            يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد سئل عن التوحيد والعدل، فقال: (التَوْحِيدُ أنْ لَا تَتَوَهَمَهُ والعَدْلُ أنْ لَا تَتَهِمَهُ)(2)، ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لهذا القول ما نصه: (… وأما الركن الثاني فهو (أنْ لَا تَتَهِمَهُ): أي لا تتهمه في أنه أجبرك على القبيح ويعاقبك عليه … ولا تتهمه في أنه كلفك ما لا تطيقه، وغير ذلك من مسائل العدل .. كالعوض على الألم فإنه لا بد منه …)(3).

            بعد هذه المقدمة تأتي هنا الإجابة على السؤال التالي:

ما هو الشر وما هي حقيقته؟

           إن ما يتصوره الإنسان شراً على قسمين:

القسم الأول:

            الحوادث الكونية والتغييرات التي يمر بها العالم بفعله تبارك وتعالى، والتي تسبب حالات أذى وألم لأفراد قليلة أو تؤثر على حياة العدد الكبير من الناس، كالزلازل والبراكين والعواصف والفيضانات والصواعق وغيرها أو ما تسمى بالكوارث الطبيعية.

أولًا:

           إن الله تعالى حدد للإنسان ولغير الإنسان فترة معينة يعيشها في هذه الحياة، وعندما يصل عمر الشخص إلى نهايته فإنه يموت، مهما تعددت أشكال نهاية الحياة، فمن لا يموت بالمرض يموت بحادث سيارة مثلاً، ومن لا يموت بهذين السببين، يموت في منامه، وهكذا .. قال تعالى: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الزمر:43).
           ولتكن من هذه الأسباب الزلازل والبراكين والحوادث الكونية الأخرى، فهي بعض أسباب الموت التي قدرها الله تعالى سببًا لنهاية حياة المتواجدين في مكان حدوثها، بلا أن نتصور هذه الحوادث شراً، ونحاول أن نجعل لها تفسيراً مناسباً لعدله تعالى، كما قال الشاعر ابن نباته السعدي:

مَنْ لَمْ يَمُتْ بالسَّيفِ ماتَ بِغَيرِهِ                تَعَدَّدَتْ الأسْبابُ والمَوْتُ وَاحِدُ(4)

         إن هذه الإجابة تختص بالموت الحاصل نتيجة الحوادث الكونية، ولا تفسر الآثار الأخرى، كالإصابات والآلام والخسائر المادية، كما أن هذا البيان لا يجيب عن الألم الذي يواجه المتعرض للكارثة الطبيعية قبل موته، بينما في المقابل الشخص الذي يموت في نومه مثلاً، لا يتعرض لنفس الدرجة من الألم.

ثانياً:

         إن التفسير السلبي لهذه الأحداث والظواهر الكونية ناتج عن نظرة الإنسان الضيقة لاستهدافه هو أو من يحب بهذه الأمور فقط، بدون النظر إلى النتائج العامة الحاصلة منها، فمثلا الزلازل – كما أثبت العلم – تؤدي إلى استقرار قشرة الأرض مع وجود حركة المعادن في أعماق الأرض، وكذا حصول البراكين التي ترسل السائل الصخري الزائد إلى الخارج وانبعاث الغازات على إثر هذه الحركة المستمرة.

          لنستعن بمثال عرفي لتوضيح هذه الفكرة، وهو إقدام الحكومات المحلية على إزالة بيوت مسكونة لأجل إنشاء جسر يفك الاختناقات المروية عن منطقة ما، إن الضرر الحاصل من هدم البيت في المثال تقوم الحكومة بتعويضه بشكل كبير عادة لأجل مصلحة عامة أكبر.

          إن هذا التصرف يقبله منطق عموم الناس، وكذا الأمر بالنسبة لبعض الأحداث الكونية التي يعتبرها البعض شراً، فإن الضرر الحاصل منها يعوضه الله تعالى لمن استحق التعويض في مقابل المنفعة الكبيرة التي يريدها الخالق من هذا الحادثة والظاهرة الكونية أو تلك.

ثالثاً:

         إن بعض هذه الحوادث الكونية هي جزء من سلسلة من الأحداث جعلها الله تعالى لغاية ما، قد وصل إلى بعضها العلم الحديث ولم يصل لبعضها الآخر، مثل هبوب الرياح بشكل سريع على منطقة مما يسبب أذى للسكان هو في الحقيقة قد يكون ممارسة لعملية التلقيح لبعض النباتات بحبوب اللقاح التي تحملها معها، أو مثل تغير اتجاه الرياح في أوقات ثابتة – ضمن نظام يكتشفه العلم باستمرار – ما يساعد السفن الشراعية على السفر بسرعة أكبر.

         وقد تقول إن الله تعالى قادر على أن يحقق هذه الأغراض المذكورة بلا أن يسبب أثراً سلبياً على الآخرين في طريق تحقيقها، وهذا نقوله بالنسبة لهذا التفسير والذي قبله.

        وجوابه صحيح أن الله خلق الأشياء من العدم ولكنه عندما فعل ذلك خلق نظاماً كونياً مترابطاً في أجزائه بحيث يكون إدامة عمل أجزاء هذا النظام الكوني العظيم – وهو ما يصطلح عليه بالتدبير – إنما يكون ببعض أجزائه الأخرى، بلا حاجة لتدخل منه تعالى لخلق حاجة كل جزء من العدم مرة أخرى، كما فعل في بداية خلقه، بل يكون نظره إلى مصلحة خلقه ضمن نظام مترابط متكامل، يعتمد بعضه على بعض، فمثلاً: الله تعالى يعلم حاجة الإنسان والكائنات الحية لنسبة معينة من الأوكسجين في الجو، وهو قادر على توفير هذه الكمية بالخلق المباشر كلما استهلكتها الكائنات الحية، أي يخلق الأوكسجين من العدم، ولكنه عز وجل وفَّر وجوده بأسباب طبيعية، وذلك عن طريق طرح النبات له في عملية البناء الضوئي مثلًا، وهكذا دبر الله تعالى خلقه وما يصلح لهم.

        والواقع إنه تعالى لم يوفر حاجات وجود الإنسان الطبيعية كالماء والهواء بهذه الطريقة فقط، أي بأسباب طبيعية كالمطر والمياه الجوفية وكالبناء الضوئي كما بينا، بل إنه تعالى جعل رزق عباده متوقفاً على بعضهم البعض، فلقد رأينا بعض الأزمات التي يمر بها المجتمع ولو لفترة معينة، ولكن الله تعالى يجعل منها مصدر رزق لمجموعة من الناس.

رابعاً:

          إن تعريف بعض الأمور السلبية التي تحصل للإنسان بفعل الله تبارك وتعالى بالشر غير دقيق، فالله تعالى لا يخلق الشر، بل إن كل ما فعله ويفعله بالكون وبالإنسان هو محض خير لا شر فيه، وذلك لأن خلق الشر قبيح وهو تعالى لا يأتي بفعل قبيح، كما بينّا، وما نتصوره شراً في فعله تعالى لا بد وأن يكون لغاية صحيحة مفيدة بشكل ما، قال تعالى: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)(النساء:19).

         قد تقول إن هذا الفهم يشبه إلى حد كبير النظرية المعروفة (الغاية تبرر الوسيلة)، فلا مانع من كون الوسيلة سيئة، ولكن هدف الباري منها سليم.

         وفي الجواب نقول:

        إننا لا ندعي أن الوسيلة سيئة وشريرة، والغاية صحيحة ونبيلة، ولكن نقول: إن نفس هذا الشيء الذي نعتبره شراً في فعله تعالى هو خير في الواقع، إن بعض الأمور ننظر لها بهذا المنظار، لأن الشر معنى إضافي، أي بالنسبة لجهة معينة شر، ولكن لغيرها محض خير، فمثلاً لدغ النحل المسبب للألم أو لدغ العقرب هو شر للإنسان المتعرض له، ولكنه خير للحيوان الذي دفع عن نفسه الأذى، ومن ذلك الإصابة بالحمى التي تعدّ مؤشرًا على وجود خلل في الجسم، وتعرق الإنسان الذي يوفر للجسم استقراراً في درجة الحرارة.

          ومن طريف ما يروى في هذا الصدد (قيل دخلت امرأة على داود النّبيّ (عليه السلام)فقالت: يا نبيّ الله ربّك عادل أم ظالم؟ فقال (عليه السلام) :

           ويحك هو العدل الَّذي لا يجور، ثمّ قال لها: ما قصّتك، قالت: إنّي امرأة أرملة وعندي ثلاث بنات وإنّي أقوم عليهنّ من غزل يدي فلمّا كان أمس شدّيت غزلي في خرقة حمراء وأردت أن أذهب به إلى السوق وأبيعه فأشتري الطعام للأطفال فإذا بطائر قد انقضّ عليَّ وأخذ الخرقة والغزل وطار، وبقيت حزينة مالي شيء أبلغ به أطفالي. قال الراوي فبينما المرأة مع داود(عليه السلام) في الكلام فإذا بطارق يطرق الباب فأذن داود (عليه السلام) بالدّخول وإذا هم عشرة من التجار ومع كلّ واحد مائة دينار،

          فقالوا: يا نبيّ الله بمستحقّها، فقال (عليه السلام) لهم: وما سبب إخراجكم هذا المال؟ قالوا : كنّا في مركب فهاجت علينا الريح فعاب المركب وأشرفنا على الغرق، وإذا نحن بطائر قد ألقى إلينا خرقة حمراء وفيها غزل، فسددنا به عيب المركب فانسدّ ونذرنا أن يصدّق كلّ واحد منّا مائة دينار من ماله، وهذا المال بين يدك تصدّق به على من أردت، فالتفت داود إلى المرأة وقال (عليه السلام): ربّك يتّجر لك في البحر وتجعلينه ظالما!؟ ثمّ أعطاها الألف دينار وقال: اذهبي بها وأنفقيها على أطفالك واللهُ أعلم بحالك)(عليه السلام).

خامساً:

             إن الآلام التي يتعرض لها الإنسان في هذه الدنيا بفعله تعالى، يمكن أن نتصور لها معنيين:

أُولاهما:

           أنها عقاب مباشر منه تعالى للشخص على معصية قام بها في الدنيا، وهذا يتصور في حق الإنسان الذي يستحق العقاب في الآخرة، ولكن الله يذيقه هنا في الدنيا بعض ما يستحق ليتعظ به الغير، كما قد يفعل ذلك ببعض الظلمة والمجرمين من تعرضهم لألم الإهانة والخزي في الدنيا مقدمة لما سيلقونه في الآخرة من شديد العقاب.

          ويتصور هذا لبعض المؤمنين إذ تقتضي رحمته تعالى أن يوقع بهم العقوبة على سيء أفعالهم في الدنيا حتى لا يعاقبهم بالآخرة، وبالضمن يكون ذلك رادعاً لهم ولغيرهم عن ارتكاب المعصية.

وثانيهما:

        أن الألم المذكور محض ابتلاء يسلطه على بعض أوليائه، بلا سابق معصية منهم، ولكن لغاية أو غايات عقلائية محضة، كإظهار مدى صبرهم وإيمانهم للناس ليتخذوهم مثلًا وقدوة، مع الالتزام بالجزاء الأوفى والتعويض المجزي لهم في الآخرة، وهذا ما حصل لبعض الأنبياء (عليهم السلام) مثل امتحان إبراهيم (عليه السلام) بذبح ولده، وتعريض نبي الله أيوب (عليه السلام) لأنواع البلاء حتى عد مثال الصبر.

           هذا كله بالنسبة للنوع الأول من المكاره الحاصل بفعله تعالى بشكل مباشر، والذي يتصوره البعض شراً.

القسم الثاني:

            نتائج الفعل السلبي للإنسان، نظير الدمار والقتل الناتج عن الحروب، والفقدان الحاصل من السرقة، والألم الحاصل من الشتم والسب والجرح وغير ذلك.

           إن هذه الأمور يمكن أن يطلق عليها مصطلح الشر، ولكن هذا لم يحصل بفعل الله تبارك وتعالى بل بفعل الإنسان السيء.

            إن الله تعالى خلق – فيما نعلم – ثلاثة أنواع من المخلوقات الحية فخلق الملائكة وأودعها العقل وكلفها بما يريد ولم تحتج معه إلى الغرائز، وخلق الحيوان ولم يمنحه شيئاً كثيراً من القدرة على التفكير فلهذا لم يكلفه، وخلق الإنسان وأودعه كلا الأمرين، العقل والغريزة، وكلفه ومنحه الاختيار ولم يخلقه مجبوراً على فعل الطاعة، قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)(الإنسان:3)، وقال الإمام علي (عليه السلام): (إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى كَلَّفَ تَخْيِيراً ونَهَى تَحْذِيراً وأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً ولَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً ولَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً ولَمْ يُمَلِّكْ مُفَوِّضاً ولَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً)(6).

            صحيح أن الله تعالى خلق الإنسان وأعطاه القدرة على حسن الأفعال وسيئها، ولكنه لم يجبر عباده على فعل الطاعة ولا على ترك المعصية، ولو فعل ذلك فلا معنى لإيقاع العقاب مجبر على المعصية، ولا لإعطاء الثواب للمجبر على فعل الطاعة، ولكنه تعالى مع وجود الاختيار، لا زال المسيطر على فعل العباد والقادر على منعهم عن الفعل السيء متى شاء وأراد، فلم يعصوه لقوتهم وضعفه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

            والأفعال السيئة التي يقوم بها الإنسان على نحوين:

        الأول: سيء بالنسبة إليه وحده، كاقتراف بعض المعاصي الخاصة به كترك الصلاة والانتحار مثلاً.

       الثاني: مضر بالآخرين، كالسب والشتم والقتل وكل ما ذكرناه.

          إنه تعالى منح الإنسان القدرة الكاملة على ممارسة كلا الفعلين في ذات الوقت الذي حذره منهما ونهاه عنهما.
إنه تعالى لا يتدخل ـ مع قدرته على ذلك ـ لمنع الإنسان تكوينياً من إلحاق الضرر بالآخرين، لمنافاة ذلك للاختيار الذي أعطاه للجميع.

          نعم قد يتدخل لمنع حصول الضرر في بعض الحالات التي يرى المصلحة في هذا التدخل، مثل ما حكاه القرآن الكريم عن جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم (عليه السلام) بعد أن حاول قومه حرقه، إنه تعالى خالق للنظام الفيزيائي للكون ومنها طبيعة النار الحارة والمحرقة، ولكنه قادر على خرقه متى شاء، كما أنه أراد منع حصول شر الاحتراق عن نبيه (عليه السلام) فتدخل لمنعه.

           إن الشر الذي يلحق بالإنسان المظلوم من قبل أخيه الظالم مضمون التعويض عند الله تعالى من ناحيتين:

الأولى:

             التشريعات الإلهية التي حددت العقوبة على المجرم وتعويض المظلوم في هذه الدنيا.

الثانية:

          العقاب الأخروي في حال عدم التزام المجتمع الإنساني بتطبيق العدالة التي أمر بها الله تعالى في هذه الدنيا، وهذا صمام الأمان لتحقيق العدالة الإلهية التي لا بد وأن تطبق.

         إن الفهم الصحيح للسلبيات التي تجري للإنسان وربطها بالعقيدة الصحيحة يفسرها تفسيراً صحيحاً، مما يورث الاطمئنان والراحة للإنسان المؤمن بعد الإيمان بحكمة الله تعالى في خلقه وعدله.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الكافي/للكليني/ج1ص155.
2ـ نهج البلاغة – قسم الحكم – رقم 470.
3ـ شرح نهج البلاغة، ج20، ص 227.
4ـ سير أعلام النبلاء/الذهبي/ج17ص234.
5ـ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة/حبيب الله الخوئي/ج6ص98.
6ـ الكافي/للكليني/ج1ص155.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.