Take a fresh look at your lifestyle.

المنبر الحسيني المدرسة الإسلامية المتحرّكة

0 188

يعد المنبر في الإسلام الوسيلة الإعلامية الرئيسة التي يعتمد عليها لنشر أحكامه ومناهجه، والمدرسة التي اعتمدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تبليغ الرسالة وتعليم المسلمين مختلف الأحكام والتشريعات التي أُمر بتبليغها، وكذلك سار أمير المؤمنين (عليه السلام) على نهج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك . أما بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام)،
فقد تبنته السلطات المنحرفة الظالمة باتجاهات ثلاثة:
1– اتجاه خدمتها وخدمة مصالحها، ودعم مراكزها ورموزها، وتوجيه المدح والثناء والإطراء على الطغاة والولاة الظلمة، الذين اعتلوا مراكز السلطة بالقهر والجور.
2– اتجاه تزييف وتشويه الفكر الإسلامي، وتحريف الأحكام والمفاهيم الإسلامية بما يخدم مصالح تلك السلطات، وحرف الفكر الإسلامي عن دوره في الإصلاح والتغيير.
3- اتجاه تشويه القادة الشرعيين، والحط منْ منازلهم وقدرهم في نظر الجماهير الإسلامية، بواسطة تجنيد المرتزقة المنحرفين والمتلبسين بزيّ القادة الدينيين، ليخلق انحرافهم أزمة ثقة بين الأمة وقادتها الربانيين.
أما مع استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) فقد تأسس المنبر الحسيني ليتحرك بالاتجاه الإيجابي في سبيل تربية الأمة وإعدادها على أساس قيم النهضة الحسينية، فكانت مسؤوليته من مسؤولية الإمام الحسين (عليه السلام) تجاه الرسالة والأمة لتفادي الانحراف.
وقد اتسمت حركة المنبر الحسيني عبر قرون من الزمن، بتنقلها منْ قرية إلى قرية ومنْ مدينة إلى مدينة، وقد اتسعت حركتها في الوقت الحاضر لتصبح متنقلة منْ دولة إلى دولة، لتعم بحركتها كل بقاع الأرض، وما ذلك إلّا لكون الإمام الحسين (عليه السلام) قد اتسع صدره لكل هموم الرسالة والأمة على امتداد وجودها.
إن أول منبر تأسس للإمام الحسين (عليه السلام) لأداء هذه المسؤولية هو في ساحة الطف، تلك الساحة التي لا تزال تلقي من قمة عليائها كلمة حسين الرسالة، التي تمتزج فيها المأساة الكبرى مع المضامين الخالدة في نهضته (عليه السلام)، ولا تزال هذه الساحة تحمل في كل ذرة من ترابها المطهر معنى عظيماً منْ معاني النبل والإباء والإيثار والتضحية والفداء.
فهذه الساحة منبر ناطق بصمته عن كيفية التعامل الذي التزمه الإمام الحسين (عليه السلام)
مع التاريخ والواقع والأمة والرسالة، ومع المعركة التي احتدمت نهار العاشر من محرم، ومع الكوكبة من الشهداء الذين سقطوا بين يديه من أنصاره وأهل بيته (عليه السلام).
فمن يمرّ على هذه البقعة المقدسة التي توسدها الإمام الحسين (عليه السلام) يوم استشهاده، ويوجّه مسامع قلبه وبصيرته إلى أعماقها، فإنه سوف يعي منْ خلال هذا الصمت كل كلمة من كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)
وبياناته ومعالجاته لواقع الأمة في كل زمان، وسيقرأ من خلالها كل أثر من آثاره وأخلاقه النبوية وإنسانيته العلوية.
ويمتد هذا المنبر من ساحة الدم المطهر، ومنْ مصرع السبط الشهيد المنتجب، إلى منبر آخر، هو (الرمح) الذي رفع عليه رأسه الشريف أمام ركب السبايا، وهو يوجه إلى مسامع الأمة نداءه بالذكر الحكيم: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا) (الكهف: 9)
ليؤكد (عليه السلام) أنّ الموت لن يغير منه شيئًا، ولن يسكت صوته الهادر عن مسامع الأمة، ولن يموت هذا الصوت باقتطاع رأسه (عليه السلام)، بل إنه سيبقى يخترق كل الحجب ويتحدّى كل مكيدة من مكائد الطغاة والظلمة بمعجزة القرآن الكريم في كل زمان، ويشق عباب التاريخ ليصل إلى كل جيل على امتداد الحياة.
ثم ينتقل المنبر الحسيني إلى ثقله منْ بعده، وهم سباياه الذين طيف بهم منْ بلد إلى بلد، وذلك على لسان أخته الحوراء زينب (عليها السلام) وولده زين العابدين الإمام السجاد (عليه السلام)، وبناته، وكل فرد من ثقله الذي تحرك معه من المدينة إلى كربلاء، ومن بعده تحرّك منْ كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام.
فكان هذا الركب منبرًا يتحدّى أمواج المحن والمصائب ببلاغة الكلمة، ورصانة الحجة، وصواب الفكرة، لإيقاظ ضمير الأمة، واستعادة إرادتها وهيبتها المسلوبة، وإضاءة طريقها بهدي الرسالة، حتى عصرنا هذا الذي أصبح فيه المنبر الحسيني مدرسة متحرّكة في كل بقاع العالم.
والأمر الأهم ألّا تقتصر حركة هذه المدرسة على الموقع الجغرافي هنا وهناك، بل يفترض أن تكون لهذه المدرسة حركة أخرى، هي الحركة في فكر الأمة ووعيها وضميرها، وذلك منْ خلال وعي روّاد هذه الحركة وقادتها، وهم الخطباء المبدعون المتميزون الذين يحملون مشاعل هذه المدرسة التي أوقدها الإمام الحسين (عليه السلام) بدمه الزكي في وجدان الأمة وضميرها، فأحياها بعد أنْ كادت تندثر تحت ركام الظلم والانحراف الأموي.
فقد فرض الإمام الحسين (عليه السلام) على رواد هذه المدرسة، أن يراعوا أهداف نهضته الخالدة، ويمدّوا حركتها بصدق الكلمة وموضوعية الفكرة، ويوقدوا بها ضمير الأمة لتتحرك بالنهضة الحسينية وتتحرك بها النهضة على كافة المستويات.
وأن يؤمنوا بأنّ المنبر الحسيني الخالد هو المؤسسة التربوية التي روحها الإمام الحسين (عليه السلام) وجسمها الأمة التي آمنت به (عليه السلام) إماماً شهيداً معطاءً، وداعياً وهادياً إلى الله في كل حين.
فما على هؤلاء الرواد إلّا أن يقوموا بالتقريب ـ أكثر ـ بين هذه الرّوح الطاهرة النقية الوثابة المؤمنة بالقيم والمبادئ العليا، وبين هذا الجسم الذي يحتاج إلى دفقات من الحياة والوعي وجرعات من العلاج المستمر لأوجاعه وضعفه.
فمنْ خلال الخطى التي خطتها النهضة الحسينية الخالدة على خط المواجهة، ومنْ خلال الطابع الذي قامت عليه، وهو المزج بين المضمون التربوي السامي وبين مأساة الطف المؤلمة، فإنّ الذي ينبغي أن يقوم عليه المنبر الحسيني، هو عدة أهداف:
1- التعريف بخط أهل البيت (عليهم السلام) وبشرعية انتهاجه طريقاً إلى الله عزّ وجل، تنحصر به النجاة ولا بديل عنه في الحياة، لانسجامه مع المقاييس الإسلامية التي يتبناها القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم فكرًا وقولًا وسلوكًا.
2- تأكيد الولاء على شيعتهم ومحبيهم كثمرة منْ ثمار هذه النهضة، وبيان وجه التلازم بين الولاء وبين الطاعة والانقياد لما يقولون ويعملون (عليه السلام)، لأنّ ضرورة التلازم بين الولاء وبين الطاعة، تنبع من خلال التلازم بين العاطفة والوعي إذ يتعامل الأول مع ألم المأساة ويتعامل الثاني مع المضمون السامي الذي تحتضنه المأساة التي اكتنفت النهضة الحسينية الخالدة.
3- بناء القوة والجرأة في نفوس أتباع الإمام الحسين (عليه السلام) ومحبيه، للتصدي للانحراف والفساد والاضطهاد الذي يمارسه الظلمة والطغاة بحق أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، بنفس الصرخة بالكلمة التي تصاعدت في وجه الطاغية يزيد، وأيقظت ضمير الأمة من رقدته.
4- بناء القيم العليا والأخلاق المثلى في الأمة، والتي كانت سمة بارزة في حياة وسلوك أهل البيت (عليهم السلام)، بل حثوا شيعتهم ومحبيهم إلى مكارم الأخلاق وجميل الصفات، فقد ورد عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وهو يوصي شيعته بقوله: (أوصيكم بتقوى الله والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بر أو فاجر وطول السجود وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (صلى الله عليه وآله)
صلوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك. اتقوا الله وكونوا زينًا ولا تكونوا شينًا، جرّوا إلينا كل مودة وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله ، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حق في كتاب الله وقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلّا كذّاب…)(1).
5- معالجة القضايا الاجتماعية والمشاكل الأسرية ومحاولة شدّ أواصرها على ضوء التعاليم والحلول التي وردت في منهج أهل البيت (عليهم السلام)، حيث كانت الأسرة الفريدة من نوعها في التاريخ، هي الأسرة التي تلاحمت أواصرها في عاشوراء وواجهت الموقف بأروع ائتلاف شهدته الأمة في تاريخها.
وقد عبر الإمام الحسين (عليه السلام) عن ذلك ضمن كلمة التحدي لطاغية عصره بقوله: (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة وهيهات له ذلك مني! هيهات منا الذلة! أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون. وحجور طهرت وجدود طابت، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلة الناصر)(2).
6- بيان الرؤية السياسية ومتابعة الأوضاع العامة، وتحليل المواقف السياسية المحيطة بالأمة، مع دراسة أسباب الانحدار الذي آلت إليه أوضاع الأمة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ماضيًا وحاضرًا، وعلاج ذلك على ضوء فكر أهل البيت (عليهم السلام).
لقد كانت هذه الأهداف في صدارة الدواعي التي أدت إلى الموقف الذي تبناه أعداء الإسلام ضد حركة المنبر والشعائر الحسينية، فنصبوا العداء، وصنعوا السدود، في طريق هذا الصوت، ونصبوا المشانق، لكل من يلهج بذكر الإمام الحسين (عليه السلام).
كما حدث ذلك على شكل ردة فعل عنيفة في اليوم الثامن عشر من صفر سنة 1977م، ولا يزال يستذكرها شيعة الإمام الحسين (عليه السلام) ومحبّوه، ويستذكرون تلك الانتفاضة المظفرة التي تفجرت ضد رموز السلطة الظلامية الظالمة، التي سعت جادة بكلّ قواها إلى خنق هذا الصوت الهادر، ومسح هذا الذكر الخالد، والقضاء على هذا الشعور الحسيني المتدفق.
ولكن شاء الله عزّ وجل أن يجعل النصر والخلود لكلمة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأن يخرق صوته كلّ الحجب والحواجز، ليصل إلى سمع كلّ العالم من أقصاه إلى أقصاه، عن طريق الفضائيات وشبكات الإعلام الأخرى.
فأنت حين تطل على تلك الجموع الغفيرة، التي تتعلق عواطفها وأحاسيسها باتجاه كربلاء التضحية والفداء، لمواكبة المشروع بأبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام)،
تدرك من خلال ذلك، عمق الحب والولاء الذي لن يموت أبد الدّهر، لأنه قد تجذر في أعماق النفوس والأفئدة التي فطرها الله عزّ وجل على هذه المحبة.
ولكن بقيت أنفاس هذا الحب والولاء مخنوقة تحت القيود القاسية من الظلم والضغط والاضطهاد والتعسف، وقد أطلقت سراحها حرية الرأي والكلمة والتعبير، هذه الحرية التي يفترض أن يكون ثمنها أداءً عمليًا صادقًا، والتزامًا وفيًا بمبادئ وأهداف النهضة الحسينية الخالدة.
لذلك كان حريًّا بالأمة، أن يكون منْ أولويات اهتمامها الالتفاف الواعي حول هذه المدرسة الحسينية المعطاء، التي يتبنّى إدارتها وحركتها خطباء المنبر الحسيني، باتجاهين هما:
اتجاه الربط بين أعضاء هذه المدرسة بوحدة متكاملة في الأسلوب والهدف من ناحية، ومن ناحية أخرى، باتجاه ربط الأمّة بهويّتها الولائية الإسلامية ووضعها أمام مسؤوليتها تجاه هذه الرسالة>

 

نشرت في العدد 72


1) تحف العقول/ ابن شعبة الحراني/ص487.
2) الاحتجاج/ الشيخ الطبرسي/ ج2ص25.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.