Take a fresh look at your lifestyle.

الإمام الحسين(عليه السلام)… وتشخيص أسباب الفشل والانحطاط التي أصابت الأمة كمجتمع وأفراد

0 227

      من المعلوم أن دور أهل البيت(عليهم السلام)
في الأمة هو عينه دور القرآن الكريم في بث التوعية والدعوة إلى الحياة الكريمة، ولا يمكن أن تتحقق هذه الأهداف إلا بعد تشخيص العوامل التي تعيق النهضة الصحيحة وفق معطيات البُعد القرآني على مستوييه الفردي والاجتماعي، ومن ذلك ما نلحظه في مقطوعة رائعة من روائع خطب الإمام الحسين(عليه السلام) وهي تشخص الأسباب التي تؤدي إلى الفشل والانحطاط والابتعاد عن روح تعاليم السماء، ومن ثم نجد أن هذه الأسباب تضفي على الجانب الروحي ظلام لا يفتأ أن يحجب الإنسان (فردًا أو مجتمعًا) عن سُبل السلام والحياة الكريمة التي أرادها الله سبحانه وتعالى وأرسل رسله وأنبياءه والصالحين من عبادة لتحقيق هذا الهدف السامي.
فنلحظ الإمام الحسين(عليه السلام) وهو يخاطب المنحرفين عن الإسلام المحمدي الأصيل في تشخيص قصير في مفرداته الكبير في معانيه؛ فيقول (عليه السلام):
(فلا مالاً بذلتموه ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها ولا عشيرةً عاديتموها في ذات الله)(1).
فنجد من جملة التشخيصات عند تحليل كلامه(عليه السلام) هي:
1- الشح: من أسباب الانحطاط والانحراف التي تصيب الإنسان الفرد والمجتمع هو الشح، والإمساك عن البذل فيما خولنا الله سبحانه من النعم، ومن هذه النعم هو المال، وقد نبه القرآن الكريم أن الإنسان تارك ما خُوِّل، فقال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ…) (الأنعام: 93)، ومعنى ذلك أن (الأموال التي وهبناها لكم وكنتم تستندون إليها في حياتكم، قد خلفتموها وراءكم وجئتم صفر الأيدي)(2) فإذا علم الإنسان هذه الحقيقة وواقعيتها، أدرك أن سبب هذا الإمساك وعدم البذل هو الحرص، والحرص من أسباب الشقاء والعناء في هذه الحياة، يقول الإمام علي (عليه السلام):
(الحرص عناء مؤبد)(3).
وبأدنى ملاحظة عندما ندرس حالات الذين يعيشون الحرص والطمع في حركة الحياة نرى مدى التعب والشقاء الذي يعيشه هؤلاء ليلًا نهارًا في سبيل جمع الأموال والزخارف الدنيوية من دون الاستفادة منها، ومن ثم الانشغال بهذه الحياة ومتعها وبالتالي التعلق فيها وعدم المبالاة في الوقوف مع الحق أو نصرته، بل الوقوف ضد الحق ومن ذلك موقفهم من الإمام الحسين (عليه السلام)، وما دعى إليه من إحقاق الحق .
وما ذاك إلا أن (الحرص من الأمور التي تؤدي إلى الكثير من الذنوب والخطايا والقبائح منها عدم مراعاة الحلال والحرام وترك احترام حقوق الآخرين والتلوث بأنواع الظلم والجور والعدوان)(4).
ومن الجدير بالذكر أن الإمام الحسين (عليه السلام)
لم يحصر خطابه فقط في أهل الحرص، أو الذين يؤدون حقوقهم الشرعية (خمس وزكاة) بل (يقصد شيئاً غير الحقوق الواجبة، لان بقاء الدين في بعض الأحيان يحتاج إلى الإنفاق من الأموال الشخصية، وحينئذ ليس من الصحيح أن نقول إننا قد أدينا حقوقنا الواجبة وليس على عاتقنا حق آخر)(5)، فكان عليكم تحصين أنفسكم والأجيال واستثمار الأموال في سبيل الله، وما سبيل الله إلا سبيل الإنسانية، والإسلام والعترة الطاهرة هما عين الإنسانية وقيمها، والإمام الحسين(عليه السلام) في خطابه للناس يبين أن من أسباب الانحراف هو عدم بذل المال، إذ كان من المحتم (أن تنفقوا من أموالكم في سبيل نشر الإسلام والحيلولة دون انتشار البدع والتصدّي لأصحاب
البدع، ولكنكم لم تفعلوا شيئاً من ذلك)(6)
فكان أن انحرفت الأمة عن سواء السبيل ،
وهل يوجد أشد وأقسى انحراف من أن تقتل ابن بنت نبيها !
2- الحرص على الحياة: والملاحظ أن من أسباب الانحراف عن الدين والقيم السماوية، هو إيثار السلامة، فيقول (عليه السلام): (… ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها …)، والتخاذل عن التضحية من أجل المبادئ لا يقل خطراً من عدم الإنفاق في سبيل الله تعالى.
ومراد الإمام (عليه السلام) في المخاطرة بالنفس هو التصدي لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو الهدف الهام الذي ابتعث الله له النبيين، ولو طوى بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وإنا لله إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب علمه وعمله وانمحق بالكلية رسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم .
فكان أن سعى الإمام الحسين(عليه السلام) قولاً وعملاً في إقامة هذه الفريضة، عائباً على الناس وعلمائهم إهمالها وتعطيلها، وحاثاً (عليه السلام)
لتلافي هذه الفترة والسعي لسد هذه الثلمة إما متكفلاً بعملها أو متقلداً لتنفيذها مجدداً لهذه الفريضة الدائرة ناهضاً بأعبائها ومتشمراً في إحيائها .
وقد اثنى القرآن المجيد على القائمين بهذه الفريضة، بل إن خيرية هذه الأمة كانت بسبب قيامهم بهذه الفريضة، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله) (آل عمران: 110) .
يقول الشيخ الطبرسي (ت538هـ): أي (صرتم خير أمة خُلقت؛ لأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم بالله، فتصير هذه الخصال على هذا القول شرطاً في كونهم خيراً) (7).
واستدل الفقهاء بهذا الثناء الذي انحصر بهذه المزايا الثلاث على الوجوب (فمدحهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما مدحهم بالإيمان بالله تعالى، وهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(8).
وأن القيام بهذه الفريضة كان مما يتعلق به حفظ كيان الإسلام والحرمان، وبالتمعن في مقولة الإمام الحسين(عليه السلام)
لا يمكن أن (نتصور أن شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أن لا يُلحق بالإنسان ضررا)(9)، فهذا يعني أنه كان يجب عليكم أن تخاطروا بأنفسكم في سبيل قيم السماء، حتى وإن بلغ في هذه المخاطرة إلى القتال والقتل، فهذه سُنة الأولياء والعظماء وما الإمام الحسين(عليه السلام) إلا تجسيد حيٌ لقيم السماء وتعاليم القرآن المجيد، وهو الامتداد الطبيعي للذرية الصالحة ولمنهج النبي(صلى الله عليه وآله) ووصية أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، إذ يقول الإمام علي (عليه السلام):
(… إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم)(10).
3- العلاقات القومية والفئوية:يوضح الإمام الحسين(عليه السلام) أن الالتفاف حول العشيرة والقومية بكل سلبياتها وتبني أفكارها وتقاليدها أمام مبادئ الإسلام ومرضاة الله تعالى من عوامل الانحراف عن الدين، فقال(عليه السلام): (ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله) .
إذ كانت العلاقات القومية والعشائرية في ذلك الزمان أصلاً من أصول الثقافة العربية، وكذا(اليوم حيث يُلاحظ وجود مثل هذه العقليات والترابط القومي والعشائري وتعصّبات الأقارب بين الناس الذين يعيشون الأجواء القبائلية)(11).
فمن المعلوم حث الإسلام على صلة الرحم ووجوبها، والتقارب بين أفراد العشيرة الواحدة أو العائلة، ولكن لا يمكن أن تكون هذه الصلة وهذا التقارب على حساب المبادئ وصلة الدين التي هي أكبر وأهم من أي صلة أخرى، إذ (إن الواجب الشرعي يقتضي أحياناً أن يعادي الإنسان أبناء عشيرته وأقربائه)(12).
وهذا العداء للمبادئ المنحرفة عن الدين ومنهج الإسلام القويم من علامات المؤمنين الرساليين، وهذا واضح في وصف القرآن لهم، قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) (المجادلة: 22).
فأولئك المنحرفون الذين خاطبهم الإمام الحسين(عليه السلام) قد خالفوا ما وجه به القرآن المجيد ونبه إليه، فكانوا (يوالون من خالف الله ورسوله، والمعنى لا تجتمع موالاة الكفار مع الإيمان، والمراد به الموالاة في الدين)(13) لا الموالاة تحت عنوان العشيرة والقومية، والبراءة والمعاداة تكمن في حقيقتها في الترك القلبي والفعلي للكافرين والظالمين والفاسقين، وعدم اتباع مناهجهم وسلوكياتهم وأفكارهم الضارة بالدين والمجتمع.
ولا يمكن بحال من الأحوال أن نعوّل على العشائرية والقومية في رص الصفوف وتوحيد الكلمة، إذ (صارت القوميّة هذه جسراً من جسور الاستعمار، ومعبراً صالحاً إلى بلادنا، وبسلاح العروبة نفسها طعنت الأمة العربية المسلمة بخنجر مسموم واغتصبت فلسطين السليبة)(14).
وبعد هذا وجب علينا نحن المسلمين أن لا نقاتل من موقع وطني ولا نحارب من موقع حزبي أو عشائري، ولا من أي موقع قومي أو جغرافي أو تقدّمي، وإنما نقاتل من موقع الإيمان بالله سبحانه، نقاتل من أجل إعلاء كلمة الله، نقاتل أعداء الله من أي لون أو جنس كانوا.
إذن التقوى هي المقياس في الأعمال كافة، وبها معيار القيم السماوية وإن أخذت بعض القيم الكاذبة حيزاً في البناء الاجتماعي، وأصبحت من أبرز سماته، فكان أن ترى جماعة أن قيمتها الواقعية في الانتساب إلى القبيلة المعروفة، وهذا الافتخار بالقبيلة على حساب الدين ليس محصورًا على زمن الجاهلية فحسب، بل امتد إلى زمن خطبة سيد الشهداء(عليه السلام)،
وهكذا (نجد رواسب هذه الجاهلية في أعماق نفوس الكثيرين من الأفراد والمجتمعات !!)(15).
فالإسلام حارب العصبية الجاهلية في أي شكل كانت وفي أي صورة ليجمع المسلمين في العالم من أي قوم وقبيلة وعرق تحت لواء واحد، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
(الحجرات: 13).
وبطبيعة الحال لا يعني هذا نبذ الخصوصية مطلقاً، ولكن هو التأكيد على أن المائز هو التقوى، ولعل أبلغ تعبير عن هذه الفكرة، ما ورد في الحديث عن الإمام علي بن الحسين (السجاد)(عليه السلام)حول العصبية للقومية، قال إن: (العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعيّن قومه على الظلم)(16).
وبكلمة أخيرة … إن الإمام الحسين(عليه السلام) في هذا المقطع من خطبته شخص أبرز مظاهر الانحراف عن قيم السماء، وكذلك أكد(عليه السلام) على الأهمية البالغة في نبذها فهي من أخطر عوامل الضلال والإضلال، وإن العامل على مجاهدة هذه الظواهر ممن رسخ في نفسه جوهر الإسلام بما فيه من مبادئ عالية المضامين، ومن ثم يكون على الخط الذي شرعه الله سبحانه وسار على منهج سيد الشهداء(عليه السلام)، وبما أن صراع الحق مع الباطل لا يقف عند حدود زمانية معينة، فإن الإمام(عليه السلام) أبلغ في مضامين خطبته عصرنا الحاضر وزماننا الشاهد، وهو بهذا حجة دامغة علينا.
والحمد لله رب العالمين .

نشرت في العدد 60


1) المجلسي، بحار الأنوار، 100/79 .
2) ناصر مكارم الشيرازي،الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، 4/266 .
3) الريشهري،ميزان الحكمة، 1/586 .
4) ناصر مكارم الشيرازي،الأخلاق في القرآن، 2/80 .
5) محمد تقي مصباح اليزدي،بارقة من سماء كربلاء،ص129 .
6) المصدر نفسه .
7) مجمع البيان، 2/277 .
8) المفيد،المقنعة،ص808 .
9) محمد تقي مصباح اليزدي، بارقة من سماء كربلاء،ص130 .
10) المجلسي، بحار الأنوار،32/526 .
11) محمد تقي مصباح اليزدي،بارقة من سماء كربلاء،ص131 .
12) المصدر نفسه،ص134 .
13) الطبرسي، مجمع البيان، 9/305 .
14) د. حسين الحاج حسن، الرسالية في الثورة الحسينية ، ص119 .
15) ناصر مكارم الشيرازي،الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، 16/409 .
16) الكليني،الكافي، 2/308 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.