Take a fresh look at your lifestyle.

من وحي النهضة الحسينية

0 488

     انطلقت النهضة الحسينية من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من الفرائض الهامة التي أمر الإسلام بإقامتها، (وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ( آل عمران: 104)، وقد حذَّرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)
من مغبة ترك هذه الفريضة بقوله: ((لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ))(1).
ولما رأى الإمام الحسين(عليه السلام) أن الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت وأدبر معروفها، وأن الحق لا يُعمَلُ به وأن الباطل لا يُتَنَاهى عنه، رغب في لقاء الله تعالى: ((فَإنِّيْ لَاْ أَرَىْ المَوْتَ إِلَّا سَعَاْدَةً ولَا الحَيَاْةَ مَعَ الظَّاْلِمِيْنَ إِلَّا بَرَمَاً))(2)، على الرغم من أنه كان يعلم بما سيحصل له ((وَخِيْرَ لِيْ مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيْهِ، كَأَنِّيْ بِأَوْصَاْلِيْ تُقَطِّعُهَا عُسْلانُ الْفَلَوَاْتِ بَيْنَ النَّوَاْوِيسِ وَكَرْبَلَاءَ))(3)، ويعلم أنه سيواجه الظلم مع قلة الناصر، وتخاذل الأمة عن نصرة الحق، ((إنَّ النَاْسَ عَبِيْدُ الدُنَيَاْ وَالدِيْنُ لَعِقٌ عَلَىْ أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوْطُوْنَهُ مَاْ دَرَّتْ مَعَاْئِشُهُمْ فَإِذَاْ مُحِّصُوْا بِالْبَلَاْءِ قَلَّ الدَيَّاْنُوْن))(4).
فلم يثنِ ذلك عزمه(عليه السلام)، ((وانطلق مع قلة الناصر إلى ساحات الجهاد ليرفع كلمة الحق، ويدحض كلمة الباطل، وقد حشَّدت عليه الدولة الأموية جيوشها الهائلة، فلم يحفل بها))(5)،
وأعلن عن عزمه وتصميمه بكلمته الخالدة قائلاً: ((وَأَنّي لَمْ أَخْرُجْ أشِراً، وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً، وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي(صلى الله عليه وآله)، أُريدُ أَنْ أمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي وَأبي عَليِّ بْنِ أَبي طالِب (عليه السلام)،
فَمَنْ قَبِلَني بِقَبُولِ الْحَقِّ فَاللهُ أَوْلى بِالْحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هذا أَصْبِرُ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ بَيْني وَبَيْنَ الْقَومِ بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمينَ))(6)، فلم تكن نهضته مجرد حادثةٍ وقعت في التاريخ ثم انتهت، وإنما هي نهضة متجددة على مر العصور، ولا زالت تمدنا بالعطاء والقوة والعزيمة والقدرة، شأنها شأن القرآن الكريم الذي لا يختص مضمونه بعصر النزول، وإنما يتجدد في كل عصر ويعالج قضايا كل زمان، فالحسين(عليه السلام)
هو قرآن ناطق، وكذلك قضيته وحركته هي لكل عصر(7).
محاربة الفساد من أهم أهداف الثورة:
بيَّن الإمام الحسين (عليه السلام) في بعض خطبه ورسائله وهو في طريقه إلى كربلاء أن نهضته المباركة تستهدف محاربة الفساد الذي كان يمثّل السمة البارزة في حكومة بني أمية، ((أَلا وَإِنَّ هؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسادَ))(8)، فلابد حينئذٍ من الوقوف بوجه هذا الفساد ومحاربته؛ لأن السكوت عنه يؤدي إلى فساد عامة الأرض، (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) ( البقرة: 205)،
ومن جهة أخرى بيّن(عليه السلام) أن هذه الحرب هي واجب شرعي على كل مسلم، مستدلاً بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله): ((أيُّها الناس ، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحُرَم الله،
ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسُنّة رسول
الله(صلى الله عليه وآله)،يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله))(9).
ولما وقع الانحراف الواسع عن القيم والأسس الإسلامية بما ظهر من فساد وشيوع لظواهر اجتماعية آخذة في الانتشار على حساب القيم الإسلامية، وجد الإمام الحسين(عليه السلام) نفسه ملزمًا بالقيام بواجبه، وذلك من خلال إحداث تلكم الهزّة النفسية في مجموع الأمّة للرجوع عن غيّها، ولإحياء ضمائر هؤلاء القوم الذين غفلوا عن حقيقة واقعهم(10).
إذن فالثورة التي قادها الحسين(عليه السلام) كانت تأدية لواجب شرعي، متمثّلاً بوجوب الثورة على كل مسلم حال رؤية الفساد وتفشيه في جذور المجتمع الإسلامي، ولاسيما إذا أدى إلى تغيير كلي في أحكام الإسلام(11).
وما أحوجنا اليوم إلى تأدية هذا الواجب الشرعي، والوقوف بوجه الفساد الذي يعم مجتمعاتنا، ولاسيما إذا علمنا بأن النهضة الحسينية تمثّل نبراساً لسائر النهضات التحررية في العالم ضد الظالمين، وهي الانفجار العظيم الذي هزَّ عرش كل الطغاة المستبدين، كما مهَّدت الطريق أمام الثورات وهيَّأت الأسباب لقلع جذور دولة بني أمية وبني العباس وغيرهما، ولا تزال إلى يومنا هذا.
قلة الناصر وتخاذل الأمة:
ذكر الإمام الحسين(عليه السلام) في إحدى رسائله لأشراف الكوفة: ((وَقَدْ أَتَتْني كُتُبُكُمْ وَقَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ، أَنَّكُمْ لا تَسْلُمُوني ولا تَخْذُلُوني، فَإِنْ تَمَّمتُمْ عليَّ بَيْعَتِكُمْ تُصِيبُوا رُشْدَكُمْ … وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمْ وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتَي مِنْ أعْناقِكُمْ، فَلَعَمْري ما هيَ لكُمْ بِنُكْر، لَقَدْ فَعَلْتُمُوها بِأَبي وَأَخي وَابْنِ عَمّي ..))(12)،يتضح من كلامه(عليه السلام) أنه كان يعلم بأن القوم الذين كاتبوه واستقدموه سيخذلونه ولا ينصرونه، لأنهم فعلوها من قبل بأبيه علي وأخيه الحسن وابن عمه مسلم(عليهم السلام)، وهو حينما نهض وأعلن عن السبب الحقيقي لنهضته، الذي يتلخّص بحديث جده رسول الله(صلى الله عليه وآله): “من رأى سلطاناً جائراً …” أراد من ذلك أن ينبّه الغافلين المستكينين إلى ذلهم وهوانهم، ويقول لهم: انتبهوا معشر الناس! إن الساكت عن الظلم بعدما رآى ما رآى، وأُلقيت عليه الحجة هو شريك للظالم الجائر(13)(14).
إن هؤلاء القوم المتخاذلين كان لهم ضمير حي، ويتحسّسون الظلم والمأساة والآلام، ويدركون الحق، وقد عبّر الفرزدق عن هذا الضمير بقوله للحسين(عليه السلام): (القلوب معك والسيوف مع بني أمية)، ولكنهم في الوقت نفسه فاقدوا الإرادة. وفقدان الإرادة له أسبابه؛ كالخوف من الطغاة والضعف أمامهم، وجهل الحقيقة وفقدان الرؤية الصحيحة بسبب التضليل الإعلامي الذي يمارسه الأعداء لتشويه الحقائق، وكذلك اليأس والقنوط من تحقيق الأهداف الذي يؤدي إلى عدم جدوى الحركة والتصدي، فضلاً عن الإغراء بالأموال
والمناصب وشراء الضمائر(15).
وما نراه اليوم من سكوت الأغلبية عن الفساد ما هو إلا فقدان للإرادة، وللأسباب ذاتها، فكأن التاريخ يعيد نفسه! فما أقل الناصر والمعين على محاربة الفساد! وكأن الحسين(عليه السلام) إلى الآن ينادي: ألا من ناصر ينصرنا؟ فما يسمع من مجيب!
الصبر والتوكل على الله خير معين:
إن الإمام الحسين(عليه السلام) لم يعتمد في حركته على أحدٍ سوى الله تعالى، فقد أعلن عن توطين نفسه على لقاء الله تعالى، وعزمه على بذل مهجته في سبيل الله ونصرة الحق وإحياء الدين الإسلامي الذي كادت أن تُدرس معالمه ويُعفَى أثره(16)، ولم يعبأ بقلة الناصر، وتخاذل الأمة عن نصرته؛ لأنه كان متوكلاً على الله تعالى (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، فكفاه الله تعالى، ولم يزل على هذا الحال حتى اللحظات الأخيرة من عمره(عليه السلام): ((صَبْراً عَلى قَضائِكَ يا رَبِّ لا إِلهَ سِواكَ، يا غِياثَ الْمُسْتَغيثينَ، ما لي رَبٌّ سِواكَ، وَلا مَعْبُودٌ غَيْرُكَ …))(17).
وخير شاهدٍ على ذلك أنه لم يجبر أحداً من أصحابه على البقاء معه، بل أمرهم بالانصراف عنه ليحفظوا أنفسهم؛ لأن القوم لا يطلبون غيره: ((فَإِنّي لا أَعْلَمُ أَصْحاباً أَوْفى وَلا خَيْراً مِنْ أَصْحابي، وَلا أَهْلَ بَيْت أَبَرَّ وَلا أَوْصَلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتي، فَجَزاكُمُ اللهُ عَنّي جَميعاً خَيْراً، أَلا وَإِنّي لأَظُنُّ أنَّهُ آخِرَ يَوْمٍ لَنا مِنْ هؤُلاءِ، ألا وَإِنّي قَدْ أذنتُ لَكُمْ، فَانْطَلِقُوا جَميعاً في حِلٍّ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنّي ذِمامٌ، هذا اللَيْلٌ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً))(18).
والمتأمل في دعائه (عليه السلام) في صباح عاشوراء يدرك مدى الارتباط الوثيق بينه وبين الله تعالى، والتوكل عليه سبحانه، والتسليم المطلق إلى إرادته: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كُرْبَةٍ وأَنْتَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ وأَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وعُدَّةٌ، كَمْ مِنْ كَرْبٍ يَضْعُفُ عَنْه الْفُؤَادُ وتَقِلُّ فِيه الْحِيلَةُ ويَخْذُلُ عَنْه الْقَرِيبُ والْبَعِيدُ ويَشْمَتُ بِه الْعَدُوُّ وتَعْنِينِي فِيه الأُمُورُ أَنْزَلْتُه بِكَ وشَكَوْتُه إِلَيْكَ رَاغِباً فِيه عَمَّنْ سِوَاكَ فَفَرَّجْتَه وكَشَفْتَه وكَفَيْتَنِيه فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ وصَاحِبُ كُلِّ حَاجَةٍ ومُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ))(19).
فقد ضرب أروع الأمثلة في الصبر والتوكل على الله، واللجوء إليه تعالى، دون أن يتردد أو تتزعزع إرادته، مهما رأى من آلام وتحمّل من مصائب، إلى أن جاد بنفسه الشريفة، وهو أقصى غاية الجود .

نشرت في العدد 60


1) الكافي /للكليني ج5 ص56 .
2) تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، ابن شعبة الحراني: 245.
3) بحار الأنوار/العلامة المجلسي ج44 ص 367.
4) تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله): 245.
5) ينظر: حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، الشيخ باقر شريف القرشي: 1/ 112-113.
6) بحار الأنوار/المجلسي/ج44 ص329.
7) ينظر: الإمام الحسين(عليه السلام)، السيد محمد باقر الحكيم: 37.
8) بحار الأنوار/المجلسي/ج44 ص 382.
9) م.ن
10) ينظر: النهضة الحسينية، الشيخ عبد الهادي الفضلي: 44-45.
11) ينظر: الثورة الحسينية خصائص ومرتكزات: 81.
12) تاريخ الطبري/محمد بن جرير الطبري/ج4 ص304.
13) تاريخ الطبري/محمد بن جرير الطبري/ج4 ص304.
14) ينظر: المنبر الحر، الشيخ عبد الحميد المهاجر: 164.
15) الإمام الحسين (عليه السلام): 142-149.
16) ينظر: رؤى عن نهضة الإمام الحسين(عليه السلام): 10.
17) مقتل الحسين/المقرم ص357.
18) الإرشاد/الشيخ المفيد ج2 ص91
19) الكافي/للكليني ج2 ص 578.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.