Take a fresh look at your lifestyle.

دلالة الاستفهام في خطب سيد الشهداء(عليه السلام) يوم عاشوراء

0 569

م . م عقيل جواد الياسري
كليَّة أصول الدّين الجامعة/المثنى

 

        كان يوم عاشوراء ولم يزل يوماً ملحمياً خالداً في نفوس المؤمنين لما تضمنه من أبعاد إنسانية رسمت لكل الأجيال طريق الكرامة والخلود والعدل والحرية، وأصبح رمزاً لدحر الظلم والاستبداد والطغيان في كل زمان، وصارت كربلاء قبلة للأحرار والثوار في كل مكان حتى قِيل إن (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء) ولا ريب أن الذي أسس لهذا الخلود، وركّز لهذا البقاء هو ذلك الهدف الرسالي العظيم والنهضة الإصلاحية الكبيرة التي جسدها سيد الشهداء وضحّى لها بتلك الدماء الطاهرة التي سالت في ذلك اليوم الدّامي حتى صارت هذه الدماء قرابينَ حقٍ، ورموز فداء، ومنارات أمل، ومشاعل هدى، تستضيء بها النفوس التي تبحث عن الخير والسعادة على مدى الأجيال.
لو رجعنا قليلاً إلى الوراء نقلّب صفحات ذلك اليوم ونستعرضُ مواقفه الكثيرة، وهو يومٌ لا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، ولا تحصى جولاته، ولا تعد بطولاته، فلعلنا نستزيد من الحكمة أو نتعلم من دروس الصبر والإباء، ونستلهم معاني السمو والكمال في هذه المدرسة المعطاء الكبيرة، ولنقف بإمعان عند خُطب مَنْ روحي وأرواحُ العالمين له فداء في ذلك اليوم الرهيب، فالمتأمل فيها يجدُ استخدام الإمام المظلوم لأسلوب الاستفهام بشكلٍ ملحوظ ولافتٍ للنظر مما يجعلنا نبحث عن السرّ في ذلك والغاية منه، والاستفهام في أصل اللغة هو طلب حصول الفهم، قال ابن منظور (711 هـ): ((استفهَمَهُ : سأله أن يفهمه وقد استفهمني الشيء فأفهمتهُ وفهّمتُهُ تفهيماً))(1)، وما ذلك ببعيد عن معناه في اصطلاح النحويين، فهو طلب الفهم أو استعلام ما في ضمير المخاطب، أو طلب حصول صورة الشيء في الذهن(2)، وهو مصدر الفعل استفهم، وسبيل تحقيق حصول الفهم إنّما يتحقق بوساطة أدوات الاستفهام لذا قالوا: ((ويُستفهم بأسماء غير ظروف، وبظروف، وبحروف، فالأسماء: من وما وأي وكم والظروف: متى وأين وكيف وأي حين وأيان وأنى، والحروف: الهمزة وأم وهل))(3)، ويرى النحويون أن الهمزة هي أم الباب في الاستفهام، قال سيبويه( 180 هـ):
(( لأنها حرف الاستفهام الذي لا يزول عنه إلى غيره، وليس للاستفهام في الأصل غيره))(4) لذا فهي قياساً إلى غيرها من أدوات الاستفهام تكون أوسعَ استعمالاً ((والهمزة أعمُّ تصرفاً في بابها من أختها تقول: أزيد عندك أم عمرو؟ وأزيداً ضربت؟ وأتضرب زيداً وهو أخوك ؟))(5).
من جانب آخر قالوا إن الاستفهام إنما يكون عن شيء مجهول عند السائل وهذا معنى تسميته استفهاماً حقيقياً، فـ (( حقيقة الاستفهام هي طلب الفهم، فأنت تسأل المخاطب عمّا لا تعلمه، فتقول: ما عندك؟، ومن رأيت؟ وذلك طلباً للعلم به، ولكن الاستفهام قد يخرج عن حقيقته بأن يقع ممن يعلم ويستغني عن طلب الإفهام ))(6)

أي إنه في بعض الأحيان قد يخرج إلى أغراض أخرى ولا يراد به طلب حصول الفهم وهذا معنى تسميته استفهاماً مجازياً، وتتنوع هذه الأغراض فقد تكون للنفي والتعجب والتقريع والتقرير… وغيره من الأغراض الأخرى التي يذكرها البلاغيون، والاستفهام قد يدخل على الجملة المثبتة كما تقول : أتكتب درسك؟، وقد يدخل على الجملة المنفية كما تقول : ألم تكتب درسك؟وعندها يُجابُ عن هذا الاستفهام في حال الإثبات بـ (بلى)، وفي حال النفي بـ (نعم).
خطب سيد الشهداء في يوم عاشوراء الدامي كانت تدور مضامينها حول الوعظ والإرشاد والتذكير بعذاب الآخرة، وتبحث عن العلة من اجتماع هذه الحشود الكبيرة في كربلاء لقتاله، لذا فهي من باب إلقاء الحجة على الآخر، وقد أجملها السيد العلامة الحجة عبد الرزاق المقرم في كتابه مقتل الحسين(عليه السلام) بقوله: ((فعرفَّهم أولاً خسارة هذه الدنيا الفانية لمن تقلب فيها فلا تعود عليهم إلّا بالخيبة، ثم تراجع ثانياً إلى التعريف بمنزلته من نبي الإسلام وشهادته له ولأخيه المجتبى بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وناهيك بشهادة من لا ينطق عن الهوى وكان محبواً بالوحي الإلهي أن تؤخذ ميزاناً للتمييز بين الحق والباطل، وفي الثالثة عرفَّهم بأنه يؤدي كل ما لهم عنده من مال وحرمات، وفي الرابعة نشر المصحف الكريم على رأسه ودعاهم إلى حكمه))(7)،

والمتأملُ فيما ورد في هذه الخطب من الاستفهام الذي تنوع بين المثبت والمنفي يجد غلبة استعمال الهمزة في محاوراته عليه السلام مع أهل الكوفة، وما يُلحظُ أيضاً أن هذا الاستفهام لم يكن استفهاماً حقيقياً، بل خرج إلى أغراض أخرى متنوعة لعل أهمها وأولاها هو التقرير الذي يُرادُ به إلقاء الحجة على هذا الجمع الضال المنحرف عن صراط الحق القويم، وسبيل الرشاد المستقيم، وهذا جانب من عباراته (سلامُ الله عليه) يوم وُلدَ ويوم يموتُ ويوم يُبعثُ حيَّا:
قال: (فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟) استفهام بـ (هل)،
المراد منه التعريف بحرمة نفسه الشريفة، فيكون الغرض منه النفي، أي إنه لا يحل لهم فعل ذلك وارتكابه، أو لعل الغرض منه التعجب، أي يتعجب من حال أولئك النفر الذين لا يرعون حرمة الأولياء وأولاد الأنبياء ويقدمون على مثل هذا الأمر الفظيع، ثم يبدأ(عليه السلام) بسلسلة متتالية من الاستفهامات التي أراد بها التقرير بنفسه ونسبه ومكانته الواضحة من الوحي وأهله نقتطف منها قال: (ألست ابن بنت نبيكم(صلى الله عليه وآله) وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه؟)
ثم قال: (أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟) ثم قال: (أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي؟)
ثم قال: ( أولم يبلغكم قول مستفيض فيكم: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال لي ولأخي:
هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟).
ثم بدأ يلتمس فيهم من سمع المقالة فيه وفي أخيه من صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله)
حتى يصدق دعواه فقال: ((سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري أو أبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم أو انس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله(صلى الله عليه وآله)
لي ولأخي))، ثم عاد يستفهم على سبيل التوبيخ والتقريع، قال: (أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟) ثم عاد يستفهم مرة أخرى مستغرباً ومتعجباً، قال: (أفتشكّون أني ابن بنت نبيكم؟) فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة، أخبروني:
(أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟)، وأي تقريع وتوبيخ أعظم من هذا لنفرٍ يبدون العدواة والبغضاء ويقتلون الأبرياء بلا ذنب أو جريرة، ومع هذا السيل من الاستفهامات التي تضمنت الحجج البالغة على القوم إلّا أنهم أعرضوا عنه وأخذوا لا يكلمونه.
ثم عاد فنادى نفراً منهم فصاح روحي فداه على سبيل التقرير مع فرط تعجبه من عصيانهم وإنكارهم: يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث (ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند لك مجندة فاقبل) لكن حب الدنيا أخرسهم فقالوا: لم نفعل، فقال: سبحان الله بلى والله لقد فعلتم، ثم عادوا ليساوموه لعلهم ينالوا منه القبول والرضوخ لأهل البغي، فقال له قيس بن الأشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يروك إلّا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه، فقال له الحسين(عليه السلام): أنت أخو أخيك، (أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟) ثم أطلق صرخته المدوية التي أصبحت شعاراً لكل الثائرين (لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد)(8).

ثم عاد يكلمهم موبخاً (أحين استصرختمونا ولهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفًا لنا في أيمانكم وحششتم علينا نارًا أججناها على عدوكم فأصبحتم البًا لأوليائكم ويدًا عليهم لأعدائكم) ويستمر الخطاب الاستفهامي الذي لا يخلو من التعجب، قال: (أهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون)، أجل والله غدر فيكم قديم وشجت عليه أصولكم وتأزرت عليه فروعكم وثبتت عليه قلوبكم وغشيت صدوركم فكنتم أخبث ثمر شجا للناظر وأكلة للغاصب ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيده(9).
ثم انفتل نحو قائد جمع الضلالة المنحرف الأثيم، عبد الدنيا وأسير الهوى ليخبره بمصيره الأسود المحتوم في قالب استفهامي لا يخلو من الحكمة والبلاغة فخاطب عمر بن سعد: قائلاً:
(أ تزعم أنك تقتلني) وتزعم أن يوليك الدعي ابن الدعي بلاد الري وجرجان، والله لا تهنأ بذلك أبداً عهداً معهوداً فاصنع ما أنت صانع فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضًا بينهم (10).
فكان كما قال وأخبر به، وهذا مصيره ومصير كل ظالم مهما تطاولت به الأيام .
خلاصة القول:
الاستفهام الوارد في خطب الإمام الشهيد جاء مثبتاً ومنفياً، ومن الواضح أنه لم يكن في الغالب استفهاماً حقيقياً، بل خرج إلى أغراض متنوعة منها: التقرير، التعجب، التوبيخ، النفي… وغيرها
إذ ليس المقام مقام السؤال عن الشيء المجهول، كما يلاحظ فيه استعمال الهمزة بكثرة، وهي كما تقدم أم الباب، والأصل في الاستفهام، والغاية الرئيسة التي كان يتوخاها الإمام من هذه الخطب هي التعريف بنفسه الشريفة ومنزلته عند الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وأنه داعية إصلاح ورسول حق، وقد وضعها (سلام الله عليه) في قالب استفهامي لا يخلو من النكت البلاغية ليكون أوثق في الاعتبار، وأعمق في النصح والتوجيه، فهي من باب توضيح الهدف والمقصد، وإلقاء الحجة على الخصوم، وهذا ما يبرر لنا أن هذه الخطب قد سبقت المعركة واحتدام القتال بين الإمام(عليه السلام) وشيعة آل أبي سفيان، فقد قطع القتال البيان وحلّت السيوف والسهام محلَّ العبارات والكلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

نشرت في العدد 60


1) لسان العرب، ابن منظور 12 : 459 مادة ( فهم).
2) ينظر: مغني اللبيب ، ابن هشام الانصاري1: 70،
ومعجم التعريفات، الشريف الجرجاني: 18.
3) اللمع في العربية، ابن جني: 149.
4) الكتاب1، سيبويه : 99.
5) المفصّل في العربية، جار الله الزمخشري: 319.
6) اساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين،
د قيس الاوسي: 411
7) مقتل الحسين، السيد عبد الرزاق المقرم: 83 ــ 84.
8) تاريخ الطبري/محمد بن جرير الطبري ج4 ص222.
9) أعيان الشيعة / الأمين ج1 ص602.
10) مقتل الحسين/ للسيد المقرم ص 252 :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.