Take a fresh look at your lifestyle.

السيد المرتضى .. وتفسـير دعوى اليهود: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)

0 305

 

           لما أسرفت يهود المدينة وما حولها في عداوة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ما فضلهم على مشركي قومه، وأقرهم على دينهم وما في أيديهم، بيَّن الله تعالى له مخازيهم التي يشهد بها تاريخهم وكُتب دينهم، فكان منها اعتقاد اليهود أن الله سبحانه قد حدد وقدّر كل شيء منذ بدء الخليقة، وأنه سبحانه لا يستطيع من الناحية العملية أن يُغير ما قد تم تقديره من المصير والإرادة والأرزاق.

          وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(المائدة:64). نلحظ هناك تساؤلات تطرح نفسها، وهي: ما اليد التي أضافتها اليهود إلى الله تعالى، وادّعوا أنها مغلولة؟ وما نرى أن عاقلاً من اليهود ولا غيرهم يزعم أن لربِّه يداً مغلولة، واليهود تتبرأ من أن يكون فيها قائل بذلك؛ وما معنى الدعاء عليهم بـ (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)، وهو تعالى ممن لا يصح أن يدعو على غيره؟ لأنه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء، وإنما يدعو الداعي بما لا يتمكّن من فعله طلباً له!

           وفي الجواب على هذه الاشكاليات نرتحل بجولة تفسيرية مع السيد علم الهدى، فنلحظ الجواب عنده بقوله: (قوم من اليهود وصفُوا الله تعالى بما يقتضى تناهي مقدورهُ فجرَى ذلك مجرى أن يقولوا: إن يده مغلولة، لأن عادة الناس جارية بأن يعبِّروا بهذه العبارة عن هذا المعنى، فيقولون: يد فلان منقبضة عن كذا، ويده لا تنبسط إلى كذا، إذا أرادوا وصفه بالفقر والقصور)(١).

            وبعد هذا الإيضاح يعمد السيد المرتضى إلى الاستشهاد بآية قرآنية يدعم فيها رأيه، وهذه الطريقة في التفسير تُعرف في مناهج المفسرين بمنهج تفسير القرآن بالقرآن، فيقول: (ويشهد بذلك قوله تعالى في موضع آخر: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ)(آل عمران:181))(2).

           وإنما وصف الله تعالى اليد بذلك، والمعنى: العطاء; لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضاً إذا وصفوه بجود وكرم أو ببخل وشح وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، لأن استعمال غل اليد في البخل وبسطها في الجود معروف في اللغة مألوف، كما قال الأعشى (ت60هـ) في مدح رجل(3):

     يداك يدا مجد فكف مفيدة             وكف إذا ما ضن بالزاد تنفق

            فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد.

          ولكي يبطل الله سبحانه عقيدة اليهود الباطلة التي توحي بالجبر وسلب قدرة الله في مخلوقاته والأرزاق والكون، قال سبحانه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)؛ وهذا تكذيب لهم، وهذا المعنى ذكره الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): إذ قال: (لم يعنوا أنه هكذا، ولكنهم قالوا: قد فرغ من الأمر، فلا يزيد ولا ينقص)(4). أي أنهم ذهبوا أن لا نسخ في المجال التكويني.

        وهذا المعنى في النسخ نجده في عقيدة الشيعة الإمامية في مصطلح البداء: وهو الإظهار أو الإبداء في القضاء الموقوف(5).

          ويشير السيد المرتضى في تفسيره إلى هذا المعنى، ومعنى البخل أيضاً في قوله: ثم قال تعالى مكذباً لهم: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)؛ أي أنه ممَّن لا يُعجزه شيء، وثنَّى اليدين تأكيداً للأمر، وتفخيماً له؛ ولأن ذلك أبلغ في المعنى المقصود من أن يقول: بل يده مبسوطة.

           وقد قيل أيضاً: إن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، واستبطؤوا فضله ورزقه؛ وقيل: إنهم قالوا على سبيل الاستهزاء: إن إلهَ محمد الذي أرسله؛ يداه إلى عنقه؛ إذ ليس يوسِّع عليه وعلى أصحابه، فردَّ الله قولهم وكذَّبهم بقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، واليد هاهنا الفضل والنعمة، وذلك معروف في اللغة، متظاهر في كــلام العرب وأشعارهم)(6).

          ويؤكد معنى البخل والشح ابن عباس في قوله: (لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون: بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا)(7).

           إذن معنى يد الله مغلولة هو الوصف بالبخل في العطاء لأن العرب يجعلون العطاء معبراً عنه باليد، ويجعلون بسط اليد كناية عن البذل والكرم، ويجعلون ضد البسط كناية عن البخل فيقولون: أمسك يده وقبض يده، والمفسرون لم يجدوا أن العرب تستعمل كلمة: غل يده(8)، إلّا أن القرآن الكريم استعملها وفي موردين، أولها الآية موضوع البحث، وثانيها في قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً)، وهي كناية قوية لأن مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقل الأزمان، فلا جرم أن تكون كناية لشدة البخل والشح.

            والسيد المرتضى كعادته في منهجه التفسيري في اقتفاء أفضل أساليب التفسير وهو تفسير القرآن بالقرآن يحتج بالآية القرآنية للدلالة على المعنى الذي يرومه، فيقول: (ويشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ)(الاسراء:29)، ولا معنى لذلك إلّا الأمر بترك إمساك اليد عن النفقة في الحقوق؛ وترك الإسراف، إلى القصد والتوسط)(9).

             ومما يلفت النظر أن اليهود عند ذكرهم لليد في الآية محل البحث كانت بصيغة المفرد: (يَدُ اللهِ)، في حين نلحظ أن الله في رده عليهم كلامهم الباطل قد ثنّى كلمة اليد، فقال سبحانه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)!

             ولم تغب هذه الالتفاتة على السيد المرتضى، فنلحظه يقول في ذلك: (ويمكن أن يكون الوجه في تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا ونعم الآخرة، لأن الكل – وإن كانت نعم الله تعالى – فمن حيث اختص كلَّ واحد من الأمرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنهما جنسان أو قبيلان. ويمكن أيضاً أن يكون تثنية النعمة أنه أريد بها النعم الظاهرة والباطنة)(10).

           وهنا أيضاً إشارة واضحة من السيد المرتضى في أن الكرماء عندما يفيضون بنعمهم وكرمهم على الآخرين تكون بيدين مبسوطتين غير وجلين من النقص أو النفاد جراء هذا الانبساط، وذكر اليدين دليل على كمال القدرة والاستحواذ.

             أما في قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)، فللسيد المرتضى آراء نجملها في وجوه(11):

   أولها:

           أن لا يكون ذلك على سبيل الدُّعاء؛ بل على وجه الإخبار منه عز وجل عن نزول ذلك بهم؛ وفي الكلام ضميرُ (قد) قبل قوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)، وموضع (غُلَّتْ) نصب على الحال، كأنه تعالى قال: وقالت اليهود كذا وكذا؛ في حال ما غلَّ الله تعالى أيديهم ولعنهم، أو حكم بذلك فيهم، ويسوغ إضمار (قد) هاهنا، ويذكر السيد المرتضى في هذا المورد ما كان سائغاً في قوله عز وجل: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ..)(يوسف:26-27) ، والمعنى: فقد صدقت، وقد كذبت.

   وثانيها:

          أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يد الله مغلولة فغلَّت أيديهم أو وغلت أيديهم، وأضمر تعالى الفاء والواو؛ لأن كلامهم تمَّ، واستؤنف بعده كلام آخر؛ ومن عادة العرب أن تحذف فيما يجري مجرى هذا الموضع؛ ويأتي السيد المرتضى بشاهد على هذا الرأي بقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)(البقرة:67)، أراد: فقالوا أتتخذنا هزوًا، فأضمر تعالى الفاء؛ لتمام كلام موسى (عليه السلام).

   وثالثها:

          أن يكون القول خرج مخرج الدعاء؛ إلّا أن معناه التعليم من الله تعالى لنا والتأديب؛ فكأنه جَلَّتْ عظمته وقَفنا على الدعاء عليهم، وعلّمنا ما ينبغي أن نقول فيهم، ولرفد هذا المعنى في الاستثناء يستشهد السيد المرتضى بآية كريمة أخرى في قوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِين)(الفتح:27).

           وهذا المعنى الأخير الذي يذهب إليه السيد المرتضى في إخراجه إخراج معنى الدعاء في قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)، وهو وجه من الوجوه التي ذكرها المفسرون أيضاً، والظاهر أن السيد المرتضى لا يقره به دعاءً من الله عليهم لما في ذلك من الشأنية لله سبحانه في أن عظمة الله سبحانه مما لا يمكن الدعاء على غيره وهو القادر العظيم، فنميل بهذا إلى ترجيح رأيه إلى أن الله سبحانه يُعلمنا الدعاء عليهم، وهذا المعنى وارد في القرآن الكريم والواضح في قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)(المسد:1).

         وقد ذكر هذا المضمون جملة من المفسرين مع ذكرهم للرأي الآخر، فـ(المراد بالأولى (تَبَّتْ) خسرانه في نفسه وذاته؛ لأن سعي المرء لإصلاح نفسه وعمله. فأخبر بأن محروم منهما)(12). 

        إذن: بعد هذه الجولة التفسيرية مع السيد المرتضى لحظنا أن اليد التي أرادها اليهود في زعمهم هذا هو المعنى الذي يستعمله العرب في أن المراد بالغل هو البخل والشح، وكذلك المعنى الآخر الذي أرادوه من امتناع النسخ التكويني الذي لا يتفق مع عقيدة المسلمين الشيعة الإمامية والمعروف عندهم بالبداء، بأن الله سبحانه قدّر الأرزاق والأعمار وغيرها ولا يمكن أن تتغير.

          والأمر الآخر مما أجابه السيد المرتضى هو القول بدعوى الله عليهم، وهذا أمر أنكره لكونه لا ينسجم مع القدرة الإلهية والمشيئة التي لا يصح معها الدعاء ممن بيده الأمور! فأوضح السيد المرتضى وجوهاً عدة في تفسيرها، اختار الباحث الوجه الأخير وهو التعليم على الدعاء. وتحقق أمر الله فيهم بغل اليد وهو البخل.
والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١ـ أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد، 2/5.
٢ـ م.ن.
٣ـ ديوان الاعشى، ص150.
٤ـ الصدوق، التوحيد، ص168.
٥ـ ظ: عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص105.
٦ـ أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد، 2/5.
٧ـ الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 6/405.
٨ـ ظ: ابن عاشور، التحرير والتنوير، 6/249.
٩ـ أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد، 2/5.
١٠ـ م.ن.
١١ـ ظ: م.ن، 2/ 6.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.